بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

بين الحلم والإحباط

* الكتاب: نبيذ أحمر
* الكاتبة: أمينة زيدان
* الناشر: دار الهلال القاهرية
* التاريخ: مارس 2007

بين النبيذ الأحمر والدم السائل من الجروح، لا تتركنا رواية أمينة زيدان بعد الانتهاء منها كما كنا قبل أن نقرأها. بين مقاومة مستميتة علي ضفاف القناة التي فقد فيها أبو الراوية ساقه وإحباط ما بعد الحرب، بين أحلام عالم أفضل لمجموعة من الشباب والتدهور المريب الذي يمزق نفسياتهم وعلاقاتهم الحميمة، تُدخلنا الرواية في عمق تجربة إنسانية وتاريخية رصدتها الكاتبة بوعي وحساسية ومهارة فنية تدرجها بلا شك في قائمة النصوص الهامة في أدبنا المعاصر.

منذ المدخل تعطينا الكاتبة بعض المفاتيح لفهم روايتها. امرأة علي مشارف الأربعين عاما، تخرج من تجربة طلاق، بين أم “مجنونة” تجعلها سلالتها من الأرستقراطية التركية وسلوكها النفسي غريبة عن عالم زوجها المقاوم، وابنتها التي تنحاز إلي أبيها. تنتحر الأم ملقية بنفسها من شرفة المنزل بينما يغوص الأب في سكر دائم يفقده قدرته علي القيام بمهنته، حياكة الملابس، رغم مكنة الحياكة التي تستخدم بدون دواسة سيقان التي أهدتها إليه سوزي ابنته والراوية.

بين الماضي ومستقبل مجهول، تعيد سوزي ترتيب أوراقها، وتحاول إعادة صنع إرادة سلبت منها أو ضاعت في فوضي الحياة وقسوة التناقضات وتدهور الأمور العامة. تحاول فهم كوابيسها التي تحكمها ثلاثة عفاريت: الخال مسئول الأمن؛ عصام الزوج السابق، زميل النضال الذي تحول وحول بيتهما إلي غرزة تقام فيه باستمرار حفلات السكر وتعاطي المخدرات؛ أندريا صديق الطفولة والمقاومة، وحب المراهقة، معطي القيمة والسعادة (“أحاول أن أكتشف مدي إجادتي للدور الذي منحني ولا أعتقد أنني أديته يوما”)، أندريا الذي يغتال ولم يأت في موعدهما علي لسان الخليج. فبعد أربعين سنة مما تسميه أحكام العقوبات، تقرر سوزي أن تكون نفسها وتتعلم قول لا..لا.. لا. تحاول أن تكتشف هذا الدور الذي يخصها، أن تصل، كما تقول، إلي قرار حقيقي.

ويعود هذا الماضي، التي تنظر إليه سوزي ببلاهة كما تقول، في قص متشظ يرسم ملامح الشخصيات ومذاق الأماكن واضطراب الزمن، مدخلا القارئ في هلوسة الجنون وحزن الأحلام الضائعة وألم الحيوات الناقصة وإحباط القيم التي سقطت، وتصف كل ذلك بمهارة مذهلة.

فرغم الكراهية المعلنة للأم، ورغم انسحاب نادية (الأم) من الحياة وغيابها عن القص تبدو صورة الأم مكتملة ومؤثرة علي وجدان سوزي. إذ تقول أن شبح أمها “لا يكف عن مراقبتي رغم اغترابي عنها في أبي.” وفي جملة استطاعت الراوية أن تلخص الصورة: “ها نحن نعود بكل أحمالنا من مشاعر حادة بالظلم المؤلم الذي يشتغل آليا علي قلب أمي، حتى وهي نائمة تبدو منزعجة وكأن شيئا يشق قلبها.” فهي موجودة بأحكامها: لا تتكئ علي أي جدار، موجودة عبر صورتها في المرآة العتيقة ذات الإطار التركي، وتتحول هذه المرآة إلي شيء رمزي، تأخذها سوزي في الشقة التي استقلت فيها بعد الطلاق وتجعلنا نتساءل: هل كانت في لا وعيها تنادي بهذه السلالة المرفوضة عبر إفصاحها بأنها كانت في بحث دائم عن سلالة أنتمي إليها؟ والأم موجودة أيضا بثوبها القصير في صورة الزفاف المعلقة علي الجدار التي تبرز التناقض بين الأب والأم الذي أفسد حياتهما. فبعد قصة حب وزواج غير مقبول من أهلها، يستمر هو في حبها بينما هي لا تفهمه، لا تقدّر نضاله، تصر ألا تفهمه، وتنتهي برفضه وتكرهه، رافضة لهزيمته. وتعاتب سوزي التي كانت تأتي له بزجاجات النبيذ الأحمر مخفية إياها وراء ظهرها.

والأب شخصية جميلة حتى في تدهوره النهائي غارقا في الإحباط والسكر. معه تدخل المقاومة في النص، مقاومة قام بها مجهولون ونال المجد بها آخرون، من يسميهم الإعلام الرسمي: أبطال حرب أكتوبر. يجذبنا بشجاعته في المقاومة، بالقيم الجميلة التي حرّكته وبحنانه لابنته التي أصبحت بعد فقدانه لساقه وضياع أحلامه سنده الوحيد في الدنيا. ومعه تدخل المقاومة في النص من خلال صفحات رائعة لضفاف القناة تحت القصف، والطفلة سوزي تركض من المستشفي حيث يرقد أبوها إلي مقر المقاومين لتنقل إليهم الرصاص الذي أعطاه لها الأب لتوصيله.

تكبر سوزي حتى تدخل الجامعة. تدرس الأدب العربي وتلتقي بالطلاب اليساريين الملتزمين (ماركسيين؟ تروتسكيين؟)، بينما يهيمن علي الصورة خالها عاكف الذي أصبح مسئول الأمن في الجامعة. تتزوج من عصام، أحد قادة المجموعة، تنصاع إليه كما كانت قبل ذلك خاضعة لأحكام خالها وأحلام أندريا. وسريعا يحدث التدهور (الموازي للتدهور العام؟). يتحول العش الزوجي إلي ناد لحفلات مريبة ومجهدة حيث تقام مأدبات العشاء والخمر والمخدرات، وتتراجع الدراسة ويختفي النضال. يتحول القادة إلي أزواج تقليديين وذكوريين وغير مخلصين، وتعيش النساء في التعاسة وعدم التحقق: سوزي مع عصام، سهام مع أمين، سحر مع يوسف. تمتلئ الحوارات بالمرارة والغرف المدخنة بقذف الاتهامات، ومرة أخري تجد سوزي نفسها مركزا رئيسيا للعتاب: خالها مسئول الأمن، تعاليها، جنون أمها، الخ، حتى تنفجر وتطلب الطلاق، مقررة العمل بجدية في رسالتها للدكتوراه التي اختارت لها موضوع دراسة مقارنة “للبطل المقاوم في الأدبين اليوناني والمصري”، مصاحبا له طلب منحة لليونان (حلم العثور علي اللقاء الروحي مع أندريا؟).

قرار حقيقي؟ أم هروب آخر؟

بعد الوصف الفانتازي للمقاومة، تحت سماء مرعوشة بدرجات الأبيض والأحمر، وحميمية بيوت السويس، بعد انتهاء الحرب وتحول المدينة (“وأهيم في ظلمة الصحراء، لا أتبع غير العتمة والفراغ المحكم”)، بعد تراجع أيام كانت تركض فيها مع أسعد وأندريا وكل الأصحاب النبلاء، تقول الراوية هربت تلك الأيام وتركتني لنوم طويل.

في العش الزوجي يتلاشي ما تبقي من قيم وأحلام. ويتحول القص إلي لغة مباشرة ووصف هيكلي لشخصيات الشباب الجدد وأحيانا إلي غياب المنطق في تفسيرات السرد وإدخال تفاصيل قصية تقضي نهائيا علي القيم المرغوبة والحقيقية. فهل وُفقت الكاتبة وهي تجعل سهام تنجذب إلي الخال مسئول الأمن بعد انفصالها عن زوج فقد القيمة؟ وكيف استطاعت ريبيكا أخت أندريا أن تتزوج من أسعد المتهم بأنه كان مدبرا لاغتيال أندريا؟ وأخيرا أن يسقط أندريا من الخيال في مشابهته بخرافة قصة يهوذا الذي لم يخن المسيح بل ساهم في اغتياله نتيجة لصفقة تمت بينهما من أجل إعطاء المسيح مجد الشهادة؟ فيهوذا ليس بخائن وأسعد ليس بمجرم، وأندريا يسقط من المثل الأعلى الذي جعل منه بطلا.

ربما تسقط هنا أيضا القيم من النص. لكن يبقي لأمينة زيدان فضل كشف العورات ورفض الظلم الخاص والعام الذي يبتر الفعل النبيل، كما أجادت لغة روائية استطاعت من خلالها “تحليل نفسي” راقيا وعميقا لتحولات بطلتها سوزي ووصف تغير المكان مع اضطراب زمن حول البشر وأفسد الرغبة.