بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

بيروت: مدينة لا تموت

كنت أسمع هذه العبارة – التي تضفي قدرات خارقة على مدينة عنيدة ومكابرة نحبها ونريد لها أن تظل أقوى من كل المحن – فأظنها مجرد عبارة تصلح هتافاً في مظاهرة أو شعاراً لافتتاح مقال أو للتغني بحب المدينة “النجمة”، كما عبر عنها الشعر وصادقت على وصفه الفنون والآداب جميعها. ولكن بعد أن قهر بريق “النجمة” غبار القنابل الذكية طوال ثلاثة وثلاثين يوم، تأكدت أن هذه العبارة تعد فعلاً اختصاراً لمعجزة بيروت، فهي حقاً “لا تموت”!

في هذه المدينة تكثفت معاني المقاومة اللبنانية، خلال الحرب الهمجية التي شنها الكيان الصهيوني بدعم من حليفه الأمريكي الصيف الماضي. انطلقت روح المقاومة البيروتية، ليغترف منها العالم ويستمد منها دروسا ملهمة، تلخص قدرة وطن وقدرة شعب استطاع على الدوام الانحياز للحق شعرا أو سلاحا.

تبتكر بيروت الثقافة دوما أشكالا خلاّقة للمقاومة؛ بداية من المسرح والسينما، مرورا بالدعم النفسي والاجتماعي للأطفال والأهل المتضررين من آثار الحرب، وصولاً إلى النقاش المفتوح حول الاحتمالات والأفكار، التي تظل بلا أثر حقيقي إلا عندما تقترن بالممارسة وسط بشر حقيقيين، قد لا تصلهم الجرائد، إلا أنهم يصنعون ثقافة المقاومة بمعاناتهم وباختيارهم الصمود والتحدى.

مسرح مضرج بالألوان

في حرب لبنان الأخيرة، لعب المسرح البيروتي دورا مقاوما من طراز جديد. وهذا لأن “مسرح المدينة” هو خشبة طقوسها المتحولة وإشارات مزاجها الفريد.

أثنـاء الحرب تحـول المسـرح إلى فسـحة حقـيقـية، مـارس فيـه الأطفـال حياتهـم في الحـرب بكــل “طفولة”. لائحـة الأنشـطة التي أتاحـها المسرح للأطفال النازحين إلى العاصـمة خـلال أيـام الحـرب تطـول لتشمل علاج من خلال الدراما، فنون، وعروض إيقاع وتعبير.

“كانت الجلسة التي يفترض ان تضم 50 طفلاً، تتسع لـ150، ومع ذلك كان تعلقنا بهم، ونصيبنا من حمولة آلامهم يزداد كل يوم اكثر”. ويضيف شريف عبد النور (أحد مؤسسي مسرح العرب وأستاذ العلاج عن طريق التمثيل المسرحي، في الجامعة الامريكية ببيروت): “لم يكن هذا ممكنا دون جهد المجموعة الرائعة من المتطوعين الذين امتد عملهم مع الأطفال إلى مرحلة ما بعد الحرب باتجاه عكسي. هذه المرة، نزح المتطوعون إلى القرى المزدهرة بنبض ناسها العائدين والصامدين والمفعمين بروح مقاومة، تعي تماماً أنها لم تعد وحدها في خط المواجهة”.

سينما وسط الدماء

على جانب آخر كان للسينما دورها هي الأخرى. حيث استضافت المدينة مهرجان “أيام بيروت السينمائية”، الذي صمم القائمون عليه أن يعقد في موعده كتحدٍ ثقافي وإبداعي للحرب ونتائجها.

إليان الراهب، مديرة المهرجان، إفتتحته بكلمات لخصت هذا الهدف: “السينمائي الصامت المتأمل.. الشاهد أبداً على الحياة.. ذاك الذي.. من مشهد من صورة ومن نبض انفعال.. يبدع.. فيبتدع عالما.. في شاشة بيضاء.. في غرفة سوداء.. في مسرح مغلق.. هنا في بيروت.. “أيام بيروت السينمائية”.. مهرجان يحتفي بذلك الإبداع”.

وهكذا احتفت بيروت بالسينما والسينمائيين في أيامهم، التي امتدت من 16 إلى 23 سبتمبر. تماماً كما كان مخططاً لها قبل الحرب، وبأقل قدر ممكن من الشوائب.

مثقفيها: منظرين أم قادة مرحلة؟

وبينما كانت رحى الحرب تدور، وبينما كان بعض المبدعين يعلنون المقاومة الثقافية، كان آخرون من المثقفين يواجهون السؤال الشهير: “من هو المثقف؟” ذلك السؤال الذي يستدعي الكثير من المسائلة الذاتية. فهل مهمة المثقف أن يتحفنا بانطباعاته الذاتية؟ أم أن دوره الحقيقي، في أن يكون محرضاً ومثوراً وناظراً إلى الأمام في أفق المشهد السياسي والاجتماعي والثقافي في بلده وفي العالم؟ الإجابة عن هذا السؤال الصعب فرزت المثقفين في لبنان بين صاحب هم جماعي، ومقتصر على ذاتيته.. بين من فهم الفن على أنه ثورة على السائد وتحريض ضد القائم، وبين من فهمه على أنه مجرد تعبير ذاتي محدود.

وهكذا تستمر بيروت.. بناسها وزوارها ومحبيها.. في تحديها للموت.. تتجاوز الحد الفاصل بين “عيش الحياة ومعايشتها”.. وتقرر أن تعيشها بأفضل وأصلب أشكال المقاومة.. لتؤكد أنها “مدينة لا تموت”!