بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

أدب التسعينات يبدأ رحلة النهاية

مأزق السنوات الأخيرة وحراكها السياسي بدأ ينعكس في ألوان جديدة من الأدب، تتجاوز كتابات التسعينات المرتبكة في الشعر والقصة، وتطرح أشكالاً جديدة من الكتابة تتوائم مع روح عصر جديد.. فادي عوض يلقي الضوء على بعض التجارب الجديدة.

حفل عقد التسعينات بمتغيرات سياسية واجتماعية عاصفة ومركبة في آن واحد. وانعكس هذا بالطبع علي الكتابة في هذه المرحلة. فشهدنا نوعاً من الثورة الأدبية في كل الأشكال الكتابية، ورُفعت شعارات كثيرة حول كتابة التفاصيل اليومية (وصلت إلي تفاصيل المراحيض كما يحلو للبعض أن يقول) وحول نهاية الإيديولوجيا، بعد انهيار الدولة السوفيتية الستالينية (وصلت إلي حد التخبط والارتباك وشعار “وطني حذائي” كما كتب البعض وقتها).

إلا أنه مع بداية العقد الجديد، وبعد هجمات سبتمبر والحضور الطاغي للإنترنت عل الصعيد الثقافي، بدأنا نرى نوعاً آخر من الأدب والكتابة، سواء في النصوص الورقية أو الإلكترونية، الأمر الذي يمكن تتبعه في عدد من النصوص المصرية، علي رأسها ديوان “بالأمس فقدت زراً” للشاعر تامر فتحي الصادر عن دار شرقيات. والديوان هو التجربة الأولى من نوعها (فيما أعلم) التي تحكي قصة بهذه الطريقة. فهو يتناول الملابس منذ أن كانت عند الخياط الطيب إلى يوم وفاتها مروراً بوجودها في المتجر ورغبتها العارمة في الخروج. إلا أن هذه القصة تؤكد بجدتها وطرافتها ووحدة الموضوع فيها علي أن نوعاً آخر من الكتابة الشعرية قد يظهر إلى الوجود خلافاً لما كان عليه السائد في كتابة التسعينات. فالديوان مكتوب بلغة في غاية الوضوح ومحمل بمضامين إنسانية واجتماعية تنتظر نقاداً جادين للكشف عنها والتكريس لجماليتها وبلاغيتها. حيث يطرح تامر أسئلة حول فكرة المجاز ذاتها. إذ أنت في كثير من الأحيان تتحير فعلاً: هل يتكلم الشاعر عن الملابس/ الملابس، أم الملابس/ البشر؟

من ناحية أخري يأتي السياسي والاجتماعي والإنساني في غلالة رقيقة من اللعب ينصبها بإحكام القاص نائل الطوخي في مجموعته “تغيرات فنية”. ورغم أن كتابة نائل تنتمي في جزء منها إلى تيار كان غالباً في جيل التسعينات، إلا أن طريقة نائل فيما أسميه اللعب السردي هي شديدة الجاذبية والطرافة وتبشر بروح جديدة في الكتابة تمتلئ برغبة عارمة في نصب شراك للقارئ تضعه في نفس حيرة الكاتب أو بطل النص. وهو في هذا يخاصم حتى من يتفق معهم من كتاب التسعينات. إذ يملك بعض يقين لم يكونوا يملكونه ويقترب من قارئه بصورة لم يحققها كثير منهم.

وعلي صعيد آخر نجد تجديداً أشبه بما يكون طفرياً في شكل الكتابة في ذلك العالم الغريب الواسع ـ عالم الإنترنت ـ وخاصة فيما يسمي بالمدونات. حيث يمكنك أن تحصل علي مساحة مجانية لا متناهية. هذه المساحة سمحت بأن تتجاور الكتابة الإبداعية مع المقال السياسي مع الدعوات المتبادلة للتظاهر أو الاحتجاج. فبدا الأمر وكأنه كرنفال كتابي يطرح التساؤل حول فكرة الأنواع الأدبية وتقسيماتها الصارمة، وحول التداخل بين الثقافي الفني والاجتماعي السياسي.

كما طرحت هذه المساحة نوعاً جديداً من الكتابة تراه عند أحمد ناجي علي مدونته “حكايا من إمبراطوريتنا”. حيث تقف أمام نص لا تقرؤه بترتيب كتابته كما عودتنا الكتب المطبوعة عبر التاريخ، أو حتى تلك الكتب المطبوعة علي الإنترنت، وإنما أنت أمام “كتابة اللينك”. فحيث تقرأ النص تصادفك بعض الكلمات “أسماء الأشخاص والأماكن مثلاً”. وبضغطة عليها من الماوس تدخل عالم هذه الشخصية أو المكان. وأنت هناك أمام اختيارين: إما العودة إلى النص الأصلي، أو الذهاب وراء لينكات أخرى. وفي رواية ناجي استطاع الكاتب أن يحبك هذه التقنية الجديدة بصورة تبشر بكتابة من نوع جديد تماماً. خصوصاً أنه حملها بمضامينه الإنسانية الخاصة والجميلة، والتي دفعته ليقول إن الكتابة بهذه الطريقة هي اختياره الذي لا يستطيع التنازل عنه لينشر ما يكتبه في كتب تلقى علي الأرصفة. حيث يستطيع هنا أن يضيف أو يحذف من كتابته ما يشاء وقتما يشاء بدلا من التجمد بين دفتي كتاب.

بالطريقة ذاتها تكتب رحاب بسام. إلا أنها اختارت نوعاً أدبياً آخر هو القصة. لكن اللافت في كتابة رحاب، بعد طزاجتها وجدتها، هو ذلك القدر من التنوع. حيث تتجاور أشكال كتابية عديدة كما أسلفنا.

كل هذه النماذج تعطينا تبشيراً بكتابة جديدة واثقة في كثير من الأحيان ومليئة بالطرافة في كثير من الأحيان أيضاً. تعرف مع من تتصالح ومع من تتخاصم، بعد الوضوح الكبير للرؤية في هذا العقد الجديد. حيث عرفنا جميعاً من عدونا ومن صديقنا (أنظر قصة رحاب بسام عن المثل: “أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض”). كل هذا يأتي من رغبة في التصالح مع جماهير طالما ابتعدت عنها الثقافة والسياسة في آن واحد.