بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

دكان شحاته الفكر الثورى.. والفكر الأمنى

طالما كانت الحارة المصرية، مادة خصبة لصناعة الدراما على الشاشة البيضاء،. فمنذ فيلم العزيمة، الذي أخرجه كمال سليم، في عام 1939، والسينما المصرية تهتم بصخب الحياة في الأحياء الفقيرة، وكان ذلك الفيلم بمثابة نقلة نوعية من الناحية الدرامية، إذ أنه لأول مرة في تاريخ السينما المصرية، تُناقَش قضية الطبقة الوسطى الفقيرة في الحارة المصرية، أثناء الأزمة الاقتصادية الشهيرة، التي ضربت العالم كله في الثلاثينيات، وكان تأثيراتها على مصر كبيرة، وهذا ما بدا في الفيلم، من بطالة أصابت بطل الفيلم محمد (قام بالدور حسين صدقى).

استمرت تلك النوعية من الأفلام، والتي سميت بموجة الواقعية، في عقود الأربعينيات، ثم في الخمسينيات والستينيات، كان ذلك على يد مخرجين مثل صلاح ابوسيف وتوفيق صالح، وتميزت تلك الأفلام بأنها ناقشت العديد من القضايا الاجتماعية التي تخص الطبقات الفقيرة.

قدمت تلك الموجة رؤيتها الإنسانية، تجاه الطبقات الدنيا في مصر، على اعتبار أن تلك الطبقات، وبالأخص الشريحتين المتوسطة والدنيا من الطبقة الوسطى، هى التي كانت تساندها فورة أدبية، فكل الأعمال التي كتبت في عقود الأربعينيات، وحتى السبعينيات، كانت تتناول تلك الشرائح الاجتماعية، مثل أعمال نجيب محفوظ، ويوسف إدريس، وعبد الرحمن الشرقاوي، وآخرين، ومنها استوحى كُتاب السيناريو ومخرجو السينما أفلامهم. الأشياء التي ميزت تلك الأفلام، هي أنها قدمت تلك الشرائح، ومعاناتها الاجتماعية والاقتصادية، في إطار التحول الذي طرأ على المجتمع، بين ما هو سياسي، يقترب من قضية الاستقلال، وبين ما هو فكرى مرتبط بمفاهيم تقدمية مثل الحداثة والمساواة والحرية. ولعل المهم أن مناقشة قضية المساواة والعدالة الاجتماعية، كانت أقرب إلى السباحة ضد التيار، في الفترة التي سبقت ثورة يوليو، بينما كانت تقترب من توجه السلطة، في العقدين التاليين لها. أما من ناحية الصنعة فتلك الأفلام اعتمدت بالأكثر على التصوير في الاستوديوهات، وبناء حارات كاملة في ستوديوهات، مثل ستوديو مصر وستوديو النحاس بمدينة السينما، وكانت من أهمية تلك الحارات أنه لايتم هدمها بعد تصوير الفيلم بل يتم تغيير بعض ملامحها واستخدامها في فيلم آخر.

في مرحلة تالية، قام عدد من المخرجين، منهم عاطف الطيب ومحمد خان وداود عبد السيد، بالخروج بالأفلام الواقعية من الحارة الديكور، إلى الحارة الحقيقية، وكان ذلك بهدف التقليل من تكلفة الإنتاج، التي تضاعفت بسبب سياسة الانفتاح الاقتصادي، في مصر في منتصف السبعينيات. إلا أن هذه التقنية أفرزت فلسفتها الخاصة، حتى بعض من مخرجى تلك النوعية، فضلوا استخدام صوت الراديو في شريط الصوت واستخدام الموسيقى التصويرية في أقل الحدود. وعلى مستوى المضمون فإن تلك الموجة الجديدة هدفت لأن تقف موقف معارض من النظام الساداتي، وبداية حكم مبارك في الثمانينيات، إذ أن نظامي الحكم في تلك الفترة كانا يتحركان نحو اليمين، بعد انتصار1973، ومع سياسات الانفتاح الاقتصادي.

وبنفس القوة التي انتقدت فيها الأفلام انتشار الفساد والسياسات الخاطئة، بنفس القدر الذي واجهت فيه المد الديني، الذي انتشر في المجتمع أيضًا، بعد1973.

اعتبر العديد من المثقفين مخرجى تلك الموجة، بأنهم يقفون على يسار السلطة، وهذا يبدو واضحًا في العديد من أفلامهم. وبعد تلك العقود، التي أنهت القرن العشرين، تصور بعضًا من المثقفين في المخرج خالد يوسف امتدادًا لتلك النوعية من الأفلام التي تهتم بمواطن الشرائح الدنيا من المجتمع، وفي الوقت نفسه، تقف على يسار السلطة، وربما يكثف تلك الأفكار، تأكيد “يوسف” نفسه على أنه “معارض”. ولعل فيلم “حين ميسرة” الذي قدمه العام الماضين قد أثّر في تلك النظرة التي تجاوزت عن المباشرة الواضحة، وحالة الإسقاطات الساذجة، التي تخللت خطوطه الدرامية، فتسبب ذلك في أن يتغاضى العديد من المثقفين عن الترهل والضعف الواضح في الفيلم، وأن يتبنوه فكريًا، على أساس أنه فيلم قوي، سياسيًا، فيلم تحريضي.

أما في فيلمه الذي يعرض حاليا في دور العرض، “دكان شحاتة”، فإن خالد يوسف، ومعه كاتب السيناريو ناصر عبد الرحمن، وهو نفس الثنائى الذي قدم في العام الماضي “حين ميسرة”. لا يخرجان كثيرًا عن مجتمع الطبقات الدنيا في مصر، والذي كان المحور الأساسى في فيلم حين ميسرة. إنهما يخرجان من البعد المكانى للفيلم السابق فقط، وتظل أجواء الدراما في الفيلم هي أجواء المجتمعات الفقيرة في مصر. الفيلم يبدأ عند الشاب شحاتة (عمرو سعد) وهو يخرج من السجن ويقف مذهولًا، وهو يرى مجموعة من الشباب الفقراء، يوقفون قطار بضائع محملًا بالقمح والغلال، و يبدءون بشكل جماعي، في سرقة أجولة القمح، ونقلها عبر العجل والتوك توك، إلى حيث بقية الأهالي في الأماكن العشوائية. هذا هو ماقد يبدو المحور الرئيسى الذي يستند إليه الفيلم. وهذا هو مشهد ماقبل التيترات في الفيلم.

المخرج يقول أنه يسعى، بشكل مباشر، لأن يستوحي دراما أفلامه من عناوين الصحف المستقلة والمعارضة، وهذا ما بدا واضحًا من فيلمه السابق “حين ميسرة”. كذلك فإن “دكان شحاتة” يبدأ فيه الفيلم العديد من قصاصات الورق، التي تتناول أحداثًا حيوية في مصر، في الفترة الحالية، فنجد أخبارًا من نوعية نقص القمح، والصراع بين الأهالى في طوابير الخبز، ثم نقص المياه الصالحة للشرب. تنتقل هذه اللقطات عبر الزمن، لنصل إلى بعض الأزمات التاريخية، على عناوين الصحف، مثل حرب العراق في2003، وقصفها في 1991، ثم حظر التجوال في أحداث الأمن المركزي، في عام 1986، ثم اغتيال السادات في 1981، واعتقالات سبتمبر الشهيرة.

الفيلم يبدأ، فعليًا، برجل يدعى حجاج،(محمود حميدة)، تلد له زوجته الطفل “شحاتة” وتموت. يعود حجاج إلى القاهرة ليربى ابنه مع إخوتهن غير الأشقاء، ولدان وبنت. يعمل حجاج عند طبيب يدعي مؤنس، عبد العزيز مخيون، و نعرف أن الدكتور كان من المثقفين المعتقلين في سبتمبر1981، وهو بالتالي من المعارضين للسادات.

هناك قصص في الأوساط اليسارية في مصر، عن بعض النشطاء، الذين أعطوا بعضًا من أراضيهم للفلاحين الأجراء، العاملين في الأرض، ومنهم، على سبيل المثال، الكاتب الراحل محمد سيد أحمد. يستوحى صانعا الفيلم هذه التفصيلة، في المشاهد التمهيدية، فيجعلا الدكتور مؤنس يمنح جزءً من أرض فيلته في المعادى ليقيم عليها حجاج دكانًا يبيع فيه الفاكهة، فيسميه دكان شحاتة.

من المعروف أن خالد يوسف عمل مع يوسف شاهين، طوال عدة سنوات، تحديدًا منذ فيلم المهاجر عام 1994. ولعل هذا الأمر كان له تأثيره على دكان شحاتة، الذي استعار ذات القصة الأساسية للمهاجر، والمستوحاة من قصة النبى يوسف الصديق الأساسية. وبالتالى فإن الخط الدرامى الرئيسى في الفيلم كانت الصراع بين الأخ الأصغر والأخوين الكبيرين، وهذا ما يحاول الفيلم منذ البداية التأكيد عليه، فهو يغرس الكراهية بين الإخوة منذ الطفولة على أساس أن شحاتة من أم ثانية. يسعى المخرج والسيناريست لتطعيم الفيلم بالعديد من التفاصيل، التي لا تقترب بأي شكل من دراما الفيلم، إنما هي تمثل العديد من الإسقاطات السياسية المباشرة والساذجة، من خلال الحوار فنجد على سبيل المثال حجاج، يبدو أنه من عامة الشعب، الذين يحبون الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، ويحتفظ بصورته على أحد جدران البيت، و في أحد الأيام يطلب من ابنه شحاتة أن يحرك تلك الصورة، بحيث تغطى الشرخ الممتد على حائط البيت، فيرد ابنه بتلقائية، إن الشرخ أصبح أكبر من أن تستطيع الصورة أن تغطيه.

في مشهد آخر، نرى شحاتة يزور أخته نجاح،(غادة عبد الرازق)، بعد أن سجن وبعد ان توفي والده، يمد يده ليأخذ صورة عبد الناصر المهملة والمتروكة بجانب الحائط، فيرفعها، ويمسحها قائلا: “الله يرحمك يابا”، هنا يبدو الرمز أكثر فجاجة مكملًا، لحالة المباشرة التي تميز الفيلم. الأزمة الأساسية في الفيلم تحدث، عندما يموت الأب ويسافر الدكتور مؤنس. يعود ابنه من الولايات المتحدة الامريكية، ليبيع الفيلا للسفارة الأمريكية، ويعرض على أبناء حجاج مليون جنيه، لترك الدكان، فيقوم الأخوة بتلفيق تهمة تزوير لأخيهم ليسجن. وبعد العديد من المشاهد نجد شحاتة، وهو في طريقه للخروج من السجن، ويذهب للفيلا، فيجد الطريق مغلق بسياج أمنين و أثناء التحقيق معه، من قبل ضابط الأمن المسؤول عن تأمين الشارع، يكتشف المشاهد أن الفيلا، بعد هدم الدكان، تحولت لتكون مقرًا تابعًا للسفارة الاسرائيلية في المعادى(المعروف أن بيت السفير الإسرائيلى في هذا الحى). هذه المباشرة والتواضع في المستوى السياسي يستمران طوال الفيلم وبنفس السطحية.

الشخصيات في الفيلم تنقسم إلى قسمين، فهناك الأخ الأكبر، الذي يبدو أن همّه الوحيد هو اقتناء الأموال فقط، والأخ الأوسط سالم، والذي ليس لديه هدف سوى الانتقام من أخيه الأصغر، بشكل بدا أنه أقرب لدراما قصة سيدنا يوسف.

القسم الثاني، يشمل الشخصيات التي تبدو على درجة من التناقض، إما لأن المخرج أراد أن يحملها بالعديد من الأفكار، أو لأن الشخصية لم تكن مكتوبة بشكل واضح من البداية، فنجد أن أخت “شحاتة”، “نجاح”، هي بلا شخصية واضحة، تبدو أنها تحب شحاتة، لكنها لا تفعل شيء لنصرته، سوى البكاء حتى عندما يتم سجنه ظلمًا من قبل إخوته، ولا تقوم حتى بزيارته، أو عندما يعطوها مبلغًا من المال، لا يساوي حصتها في ميراث والدها على الإطلاق.

الشخصية المتكررة في هذا الفيلم، وفيلم “حين ميسرة” هي شخصية كرم(عمرو عبد الجليل)، فهو الشخصية العنيفة المرحة والتي تعتمد في مرحها على الأخطاء، ففي حين ميسرة كان يخطىء في الألفاظ أما في دكان شحاتة، فهو يتعمد أن يقول مقطعًا من مثل شعبي، وينهيه بمقطع من مثل آخر، دون أن يكون للاثنين علاقة بالموقف الذي يتحدثون فيه. كرم، يبدو في العديد من الأحيان أن لديه فلسفته الخاصة، في الدفاع عن شقيقته بيسة (هيفاء وهبى)، غير أن هذا المنطق ينعكس أحيانا كثيرة، ولا يبدو في هذا الإطار سوى أنه شخصية غير واضحة المعالم، باستثناء فقط طريقة الكلام والحركة، اللتان أتقنهما الممثل. من المتوقع أن وجود نجمة الاستعراض هيفاء وهبى قد أثار جدلًا واضحًا في هذا الفيلم، فهي لم يتم اختيارها إلا لاستكمال التركيبة التقليدية (سياسة – جنس – دين).

في هذا الفيلم، العنصر الديني لم يكن واضحًا، أو موجودًا، في الدراما على الاطلاق، أما عنصر الجنس فقد قدمته هيفاء وهبى بأقل القليل، حيث أنها لم يكن عليها سوى أن ترتدى بعضا من الملابس، التي تسمح بأن تظهر بعضًا مصطنعًا من صدرها المستدير. أما في المشاهد التي كانت فيها متزوجة من سالم، فيبدو أنها كانت ترتدى ملابس نوم مثيرة، على الرغم من أن الحوار يوضح أنها كانت ترفض أن تقيم أى علاقة معه، الأمر الذي يجعل هذه الملابس ليست لاستثارة زوجها، الذي تكرهه، إنما هي لاستثارة الجمهور فحسب.

يوسف قدم للسينما المصرية في بداية عمله فيلمًا بعنوان “العاصفة”، في عام 2001، استند إلى حبكة شديدة السذاجة في تناوله لقضية حرب الخليج، عام 1991، بأن جعل شقيقين على جبهتى القتال، يتحاربان الأول في الجيش العراقي، والثانى في الجيش المصري، وهو الآن، مع السيناريست عبد الرحمن، يقدم حبكة استهلكتها الدراما التليفزيونية والسينمائية على مر عصورها وهى صراع الإخوة. غير انه ينتقل من تلك الرمزية عن قتل الطيبة، المتمثلة في شحاتة، ومن ثم فإن القتل و العنف سيستشرى في المدينة، من البلطجية، وأيضا من المتطرفين الدينيين، الذين لم يذكرهم الفيلم في أي من مشاهده السابقة، وهنا نذكر القارىء باستكمال العنصر الثالث في التركيبة التقليدية.

على الرغم من تصنيف “خالد يوسف” لنفسه على أنه مخرج معارض، إلا أنه في فيلمه هذا بدا عكس ذلك تمامًا، ففي أحد المشاهد، يقدم تبريرًا للنظام بأن كل الشرور أتت من النظام الساداتي، وهى التي لن يستطيع أحد أن يصلحها لمدة “100 سنة قدام”، أي ليس من الممكن أن تقدر الـ”28 سنة” في حكم مبارك، ولا عشرات السنوات الأخرى، من حكم أنجاله، أو زملائه في السلطة أن تصلح الأمور. هذا التبرير لم يكن الوحيد الذي كشف توجهات يوسف الداخلية، فالفيلم ينتهى على رؤية المخرج تجاه الغضب الشعبى، فبدت الرؤية وكأنها ترويج لرؤية الأمن، فنحن نرى أن المجاعة في البلد، والتي لم تُبرَّر في دراما الفيلم، هي التي تسببت في سيطرة أصحاب الأسلحة البيضاء، من بلطجية أو جماعات إسلامية متطرفة، على الشارع، لينهى خالد يوسف الفيلم، على هدوء الشارع في مصر، بعد أن أحكمت قوات الأمن قبضتها عليه. إن هذا الفيلم، لا يمكن اعتباره سوى دراما تليفزيونية بسيطة، مطعمة بشذرات من آراء سياسية متواضعة، ومباشرة. تسعى لأن تجذب تعاطف قليل من الناصريين، مضافا إليها رؤية أمنية مستقبلية.