بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

فن وأدب

ستراتيس تسيركاس:

أديب يحمل قضية وبندقية

وُلد ستراتيس تسيركاس (واسمه الحقيقي يانيس هادجياندرياس) في القاهرة في 1911، وتوفي في أثينا في 1980. وقد احتل موقع الصدارة في حياة تسيركاس وفي أعماله الأدبية نضال المصريين ضد الإمبريالية، والتاريخ البطولي، لكن المليء بالمرارات، لليسار اليوناني.

لم يكن تسيركاس ينظر لمصر بعيون المستشرق. إذ كان ابنا لأسرة رقيقة الحال، واضطر أن يعمل في سن مبكرة في وظائف عدة. لذا عايش وتوحد مع آلام وأماني المصريين العاديين من العمال والفلاحين. وفي الإسكندرية اتصل بالشعراء والفنانين، وأيضا، وهذا هو الأكثر أهمية، بدوائر ماركسية معينة التفت حول شخصية لم يذكرها التاريخ بالقدر الذي يليق بها: ساكيلاريس ياناكوبولس.

في عام 1937، شارك تسيركاس في المؤتمر الدولي لمجموعة “فنانون ضد الفاشية”. وكتب “قسمٌ للشاعر المقتول جارثيا لوركا” معلنا أن “علينا أن نناضل ضد الاستبداد والقهر، ليس فقط بكلماتنا، ولكن أيضا بحياتنا نفسها.” وبالنسبة لتسيركاس، كما كان الحال بالنسبة لكثيرين من أبناء جيله، قاده هذا الالتزام إلى الانضمام إلى الحزب الشيوعي اليوناني.

في 1956 كان تسيركاس لا يزال يعيش في مصر. وعندما أمم عبد الناصر قناة السويس، ومع صعود المقاومة الشعبية ضد التدخل الإمبريالي، كتب رواية قصيرة لكن مؤثرة اسمها “نور الدين بوبا”، وقصتها تدور حول ثورة 1919 ضد الاستعمار البريطاني.

أحد الأسباب التي دفعت تسيركاس إلى الشروع في كتابة هذه الرواية، “في نفَس واحد” كما قال هو نفسه، هو رغبته في أن يقنع الجالية اليونانية بالوقوف في صف جمال عبدالناصر ضد البريطانيين، وهو أمر لم يحقق فيه نجاحا كبيرا. لكن رغم ذلك، ومرة أخرى، فإن الكلمات لم تكن تكفي تسيركاس: إذ تظهره أحد الصور في ذلك العام مع حفنة من الشيوعيين اليونانيين يتدربون على استخدام المدافع الرشاشة لخوض الحرب ضد الغزو الإمبريالي.

لكن رواية نور الدين بوبا ليست مجرد نصا دعاويا. هي أيضا تعكس فهما عميقا للمجتمع المصري وعاطفة دافقة تجاهه. نور الدين بوبا صياد ولد في 1882، عام الغزو الاستعماري البريطاني لمصر. قريته التي تقع على النيل تعاني من فقر لا يطاق، وكثير من أبنائها يحترفون القرصنة حتى يستطيعوا مواصلة العيش.

يفقد بوبا قاربه ويتحول إلى لص – ولكنه يصبح بطلا في أعين الفقراء. وعندما تصل أنباء الثورة الروسية إلى مصر يقول عرفة العامل المصري للراوي: “الظاهر إن هؤلاء الرجال في الشمال رجال شجعان مثل بوبا.”

ثم أتت الحرب العالمية الأولى بآمالها الويلسونية في منح حق تقرير المصير للشعوب. وقتذاك ذهب الوفد المصري إلى فرساي للمطالبة بالاستقلال، وكانت إجابة القوى الكبرى هي إرسال أعضاء الوفد إلى المنفى.

هنا ينضم نورالدين بوبا وعصابته إلى المعركة، فيشي بهم مرابي يوناني. وفي اللحظة التي يكاد “عشماوي” يُحكم فيها حبل المشنقة حول عنق بوبا تحدث المعجزة: يختفي نور الدين – إلى الأسطورة.

ثم ترددت “أصداء” ثورة 1919 في عمل آخر لتسيركاس: تحفته الخالدة ثلاثية “المدن الجامحة” (أو المدن التي لا يمكن السيطرة عليها)، التي نشرت بين عامي 1960 و1965، والتي تدور في مدن ثلاث: القاهرة والقدس والإسكندرية.

تحكي الثلاثية قصة واحدة من أكثر الأحداث مأساوية في تاريخ اليسار اليوناني؛ تراجيديا وقعت أحداثها في مصر في 1944. كان تسيركاس نفسه قد شارك في أحداث تلك الملحمة، وكتب الثلاثية دفاعا عن ذكرى رفاقه في وجه افتراءات اليمين والطبقة الحاكمة من ناحية، وخيانات قيادات الحزب الشيوعى نفسه من ناحية أخرى. وكان هذا هو السبب في طرده من الحزب. إذ طالبته قيادات الحزب بعد نشر الجزء الأول “النادي” عام 1960 بالتراجع عن نشرها، لكنه رفض، فأرغموه على الانسحاب من الحزب.

“حركة الشرق الأوسط”

حين احتلت دول المحور اليونان في مايو 1941، فرّت الحكومة اليونانية إلى فلسطين أولا ثم إلى مصر. لم تكن اليونان وقت اندلاع الحرب دولة ديمقراطية، لكنها كانت حليفة “ديمقراطيات” الغرب، أى بريطانيا. وكان الملك جورج الثاني والجيش في 4 أغسطس 1936 قد أعلناها ديكتاتورية تحت حكم جنرال ملكي سابق يدعى أيوانيس ميتاكساس (توفي عام 1941). وكان نظام ميتاكساس، أيديولوجيا واقتصاديا، على صلة وثيقة جدا بنظام النازي بألمانيا.

في تلك الأثناء كانت المقاومة الشعبية ضد الاحتلال على أشدها: آلاف العمال والفلاحين ينضمون لصفوف التنظيمات اليسارية بغرض النضال ضد الفاشية، ولكن أيضا بغرض التغيير والتحرر الاجتماعي. وكانت جبهة التحرير الوطنية (EAM) هى المظلة لأغلب قوى المقاومة وقتئذ، بحوالي مليون عضو عام 1944، وكان لجناحها العسكري (الجيش الشعبي لتحرير اليونان ELAS) السيطرة على ثلثي البلاد في خريف 1944. وفي نفس الوقت، كان الحزب الشيوعي اليوناني قد صارت له قوة هائلة، ووصل عدد أعضائه إلى 400 ألف عضو عام 1944 بعد أن كانوا أقل من ألفين فقط في 1941.

كان البريطانيون والطبقة الحاكمة اليونانية في ذعر، بالرغم من أن سياسات قيادات جبهة التحرير الوطنية والحزب الشيوعي اليوناني لم تكن جذرية. فستالين لم يكن راغبا في أية انقلابات ثورية في دول الغرب حتى لا يؤثر هذا على تحالفاته مع بريطانيا أو الولايات المتحدة الأمريكية. ولهذا كان الحزب الشيوعي يسير من تسوية إلى أخرى. أما البريطانيين والطبقة الحاكمة اليونانية فقد كانا مصرين على القضاء على الحركة الجماهيرية، لأنهم كانوا متشككين في قدرة قيادات الحزب، أو في إخلاصها، لتحقيق هدف احتواء الحركة بكفاءة. وإثبات هذا هو ما حدث إزاء الحركة في القوات المسلحة اليونانية في مصر.

في عام 1944 كان عدد الجنود اليونانيين في الشرق الأوسط حوالي 30 ألف جندي، ما بين متطوعين جاءوا من اليونان أو مجندين من أفراد الجالية اليونانية بمصر. وسرعان ما وجد جنود تلك القوات أنفسهم في تناقض حي: فقد كان عليهم أن يخوضوا حربا لمناهضة الفاشية، ولكن تحت قيادة حكومة غير ديمقراطية! كانوا يريدون خوض الحرب، ولكن أغلبية الضباط لم تكن راغبة في خوضها! ذلك أن فئة الضباط كانت مليئة بالفاشيين والملكيين الذين كانوا حريصين على أن يظل الجيش في حالة طيبة حتى يستطيع “أن يعيد الأمور إلى نصابها” عندما يعود إلى اليونان بعد التحرير.

من جانب آخر كان على الجنود أن يخوضوا حرب “تحرر الوطني”، بينما هم يعيشون في بلاد العرب الذين يكرهون “المحررين” البريطانيين المستعمرين المحتلين.

وهكذا زاد تأثير اليسار. في وقت مبكر، وبمبادرة من البحار السابق والشيوعي القديم يانيس سالاس، بدأت “المنظمة العسكرية لمناهضة الفاشيين” في تشكيل خلايا تحت الأرض في كل الوحدات العسكرية بواسطة صحيفتها غير الشرعية “مناهض الفاشية”. وسريعا، انتشرت منظمات شبيهة بهذه المنظمة في كل من سلاح الطيران الملكي وسلاح البحرية الملكي. وفي 1943 اضطر البريطانيون إلى حل أحد لوائي الجيش اليوناني في مصر لأن الجنود ألقوا القبض على ضباطهم الفاشيين متهمين إياهم بالسلوك الوحشي وبـ”تخريب النضال المناهض للفاشية”.

وأتت المواجهة الأخيرة في ربيع 1944. ففي مارس أعلنت قيادة جبهة التحرير الوطنية تأسيس “اللجنة السياسية للتحرر الوطني” أو ما سُمي بـ”حكومة الجبال”. بالنسبة لقيادة الجبهة، كانت هذه مناورة للبدء في المفاوضات مع البريطانيين والحكومة المنفية في القاهرة. لكن بالنسبة لجنود وبحارة القوات المسلحة اليونانية كان المعنى مختلفا تماما: الثورة!

وحدة تلو الأخرى من الوحدات العسكرية أعلنت تأييدها لحكومة الجبال. وتم القبض على الضباط الرجعيين. وفي السفن والمعسكرات تولت لجان من الجنود والبحارة زمام الأمور.

وفي 4 أبريل 1944، اقتحمت الشرطة العسكرية البريطانية مقر “نقابة البحارة” بالإسكندرية. كانت تلك النقابة قوة لا يستهان بها بما لها من لجان على متن كل سفينة تجارية. وكان رد البحارة على هجوم الشرطة العسكرية فوريا: الإضراب. كانت تلك سابقة أولى لم تشهدها نقابة يسيطر عليها الشيوعيون أثناء الحرب العالمية الثانية. فالأحزاب والنقابات الشيوعية في كل دولة من دول الحلفاء كانت تتبع سياسة صارمة ضد الإضرابات.

وبدءا من 7 أبريل، حاصر الجيش البريطاني المعسكرات اليونانية وقطع عنها الاتصالات والمياه وإمدادات الطعام. واستمر الحصار لمدة أسبوعين. وفي 23 أبريل اعتدت قوة يونانية مكونة من حوالي 200 ظابطا، يدعمها الأسطول البريطاني، على ثلاث سفن بميناء الإسكندرية. وتصدى بحارة السفن لهجوم الضباط بما يملكونه من أدوات دفاع يدوية، فراح منهم 11 قتيلا، وأصيب 30.

واستمرت المعركة لثلاثة أيام أخرى. وفي النهاية ألقى البريطانيون بآلاف “العصاة” داخل معسكرات الاعتقال والسجون الحربية. ولم يُسمح لهم بالعودة إلى اليونان إلا بعد عام 1945، بعد أن قضى البريطانيون واليمين في اليونان على المقاومة اليونانية في “معركة أثينا” في ديسمبر 1944.

تلك الملحمة التي تلاحقت أحداثها في مصر، وجدت سياقها بلبنان في مايو 1944، حين اجتمع ممثلو مختلف تنظيمات المقاومة، والحكومة اليونانية، والأحزاب السياسية، تحت إشراف البريطانيين، بغية “إيجاد حل لمشاكل الأمة يرضي جميع الأطراف”.

في هذا الاجتماع قدّم وفد الحزب الشيوعي اليوناني وجبهة التحرير الوطنية تنازلا مخزيا، كما هي العادة، حين قبل الإنضمام لـ”حكومة الوحدة الوطنية” ممثلا بأربعة أعضاء فقط في مجلس الوزراء. وتقديما لقرابين الولاء لـ”قضية الوحدة”، أعلن الوفد إدانته الجنود والبحارة من “الخونة” و”مثيري الفتن”.

في العقود التالية تغيرت قيادة الحزب الشيوعي مرات ومرات. ولكن الوصمة التي تركتها تلك التنازلات وغيرها ستظل عالقة إلى الأبد.

الثلاثية

يجسد تسيركاس في ثلاثية “المدن الجامحة” أحداث تلك القصة من خلال أفكار وأفعال تنويعة من الشخصيات. أحد أبطاله، مانوس سيمونيديس، ضابط لكن شيوعي، وهو في نفس الوقت يختلف أحيانا مع “ليتل مان” الذي يمثل نموذج الوصولي الستاليني. أما “فوتيس” فهو بطله الآخر، وفي الحقيقة هو يانيس سالاس صاحب أول تنظيم عسكري ضد الفاشية.

قد يكون من المجحف محاولة عرض الرواية من هذا المنظور التحليلي. لكن هناك شخصية واحدة تتسم باستثنائية خاصة تستحق أن تُذكر هنا. إنها آرياني (عنوان الجزء الثاني)، وهى إمرأة يونانية تجد نفسها خطوة بعد أخرى جزءا من حركة المقاومة.

كما ذكرت سابقا تجد ذكرى ثورة 1919 صدى في “المدن الجامحة”. فها هي آرياني تتذكر مذبحة للطلاب العزل في مصر في 1919:

“أحبت آرياني شارع “البلائسة” ومحيطه. وأحبت أيضا السكان الأصليين في المنطقة. لقد خالفت زوجها، وبدون علمه عقدت الصداقات مع جاراتها، مساعدة إياهن أو ملتمسة المساعدة منهن وقت الحاجة. وأحيانا كانت تتشارك النميمة مع السيدات المحليات. كبُر أبناؤها الأربعة في نفس الشوارع، ولعبوا مع أبناء الجارات. وتعلمت آرياني أن تحترم المصريين. لقد شعرت برابطة أقوى من صدفة الميلاد والجنسية. في عام 1919 رأت، من شرفتها، مظاهرة وطنية وجدت طريقها إلى شارع البلائسة، ودُهشت، ثم ارتعدت بسبب القمع الوحشي للطلاب بواسطة الجنود البريطانيين.

“أتى البريطانيون في دبابة من خلف القصر وكانوا يطاردون الجموع. لكن المتظاهرين كانوا خارجين من شارع البستاني، وكانوا يتسللون إلى الحواري في جماعات صغيرة. وفي كل مرة كانت الدبابة تصل فيها إلى شارع الدواوين (شارع مجلس الشعب الآن)، كانت تتوقف.. ساعتها كان المتظاهرون يأتون من الأعلى ويتجمعون ثانية أمام القصر. آنذاك كانت الدبابة تنزل إلى شارع البستاني مرة أخرى، فيتبدد الجمع بشكل سحري.

“لم يكن البريطانيون قد بدأوا إطلاق النار بعد. وفجأة بدأ الصغار يقذفون الطوب وزجاجات الليمون الفارغة، فأطلق البريطانيون بنادقهم على أقدام الطلبة. وبشكل غير متوقع توقفت عربة البريطانيين أمام شارع البلائسة وكان به متظاهرون كثيرون. كان الأكثر شجاعة يقولون “لا.. لايمكنها الدخول، الشارع مظلم وضيق، كيف سيمكنهم التقدم.” لكن السائق البريطاني تمكن من التقدم بالدبابة، واضطر الخضري وصاحب القهوة والسنكري والترزي وبائع المخلل والبقال والفران وبائع النحاس أن يزيحوا بضاعتهم وأدواتهم وحاجاتهم داخل محالهم الصغيرة. وفعلا دخلت سيارة البريطانيين الشارع وسارت في الظلام في صمت، والجنود الإنجليز يطلقون النار ببرود على الأبواب والنوافذ، وإطارات العربة تغرز في طين الشارع، بينما يشخر محرك المدرعة معلنا مضيها في طريقها”.. وبعد أن غادرت العربة، رأت آرياني يونس صبي أحد المحلات المصري ملقى على الأرض بعد أن أصابه عيار، فجرّته إلى منزلها واعتنت بإصابته. لم ينس يونس لها هذا الجميل. وبعد وقت طويل ساعدته الأقدار على رده لها حين نجح في إنقاذ ابنتها الصغيرة.”

أدب ستيركاس هو أدب النضال ضد الإمبريالية والقهر.. أدب النضال من أجل التحرر الاجتماعي.. في مصر واليونان.