بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

دييجو ريفيرا.. الفن أم الماركسية؟

كيف يمكن أن تقع في الذهن كلمة «وردة»؟ غالبا الجمال وملحقاته – الأنوثة أو الرقة أو ما شابه. لكن حديث الورود قد يستدعى السؤال عمن قد يستطيع شرائها بل من يطرأ على ذهنه حتى الفكرة –فطعام العشاء قد يبدو أولى – ومن في المقابل يزرعها ويحملها في أكوام ضخمة على الظهر كعبء ثقيل لا يختلف في شئ عنده عن «شيكارة الأسمنت».

عن أولئك اللذين حملوا الزهور ليحتفل بها « الآخرون» رسم دييجو ريفييرا فنان المكسيك الأشهر في القرن العشرين مجموعة لوحات تصور الظهور المقوسة والأرجل الحافية تحت وطأة أحمال ثقيلة من الزهور الفاتنة.

لا يستدعى الأمر إدراكا عميقا ولا بصيرة نافذة لتعلم إلى أي الجانبين – حاملي الورود أم زبائنها – ينحاز ريفييرا وهو الكادر الشهير في الحزب الشيوعي المكسيكي.

لكن آمر الفن ليس على إطلاقه عند الأحزاب الشيوعية في العالم والتي أبدت بطبيعة الحال تذيلا لا بأس به للاتحاد السوفييتي بداية من عهد جوزيف ستالين .

ولذلك فالفن الذي اعتمدته السلطة السوفيتية فناً «اشتراكيا» كان لابد أن يصور فلاحا وسيما ذو عضلات مفتولة يركب جرارة باسما أو عاملة لا تقل جمالاً وسعادة تحمل الراية الحمراء وهلم جرا . في إشارة لــ«الازدهار» الذي تمتعت به الطبقة العاملة في الاتحاد السوفييتي على الأقل في نظر فناني السلطة هناك.

المهم في الأمر هو أن فنانا في حجم دييجو طرد من الاتحاد السوفييتي عام 1928 -بعد عام قضاة هناك بناء على دعوة للاحتفال بمرور عشرة سنوات على ثورة أكتوبر البلشفية قضاها في رسم جدارية مهداه للجيش الأحمر – بعدما وجهت له السلطات تهمة التورط في قناعات معادية للاتحاد السوفييتي ، وما بدا أنه يؤكد التهمة جدارية رسمها في العام نفسه فسرت كرمز لمقتل أحد المعارضين بيد السلطة الستالينية .

وفى المقابل دمر نيلسون روكفلر الرأسمالي الشهير جدارية «الإنسان في مفترق الطرق « من مقر مجموعته في نيويورك والتي رسمها ريفييرا بناء على طلبة بعدما رفض دييجو حذف جزء يحمل وجه فلاديمير لينين زعيم الثورة البلشفية خاصة بعدما هدد مساعدي الفنان المكسيكي بالإضراب عن العمل في حال وافق على طلب روكفلر، وبدا أن دييجو صار مرفوضا من كلا المعسكرين على السواء. فسرعان ما غادر الولايات المتحدة بعدها – لكنة أعاد رسمها بعدما عاد للمكسيك . (وكان روكفلر قد عرض على بيكاسو وماتيس تزيين مقرة قبل دييجو وقوبل طلبة بالرفض )

لكن لم يكن مقر روكفلر هو الرمز الرأسمالى الوحيد الذى زينة فن ريفييرا ، بل رسم الرجل جدارية ضخمة فى مدخل بورصة نيويورك كذلك.

هو السؤال التقليدى آذن يوشك أن يطل برأسه مع ذكر دييجو ريفييرا: على أي أرضية يجب أن يقف الفنان الماركسي؟ الفن ام الماركسية ؟ هل تتناقض حرية الفن مع الالتزام السياسى؟

أم أن الأمر لا يعدو إلا أن يكون ضيق أفق وتسلط السلطات السوفيتية؟

على كل فتجربة ريفييرا خير مثال على صعوبة الأسئلة ، فالرجل فصل من الحزب الشيوعي المكسيكي في العام 1929 ، وبدا أنه صار على تناقض معلن مع ما يمكن تسميته بـ”الماركسية الأرثوذكسية» وتعمق عداءة مع الحزب بعده بسنوات في العام 1937 عندما اقنع دييجو الرئيس المكسيكي وقتها بمنح حق اللجوء السياسي لليون تروتسكى بطل ثورة أكتوبر الذى اصدر الاتحاد السوفيتي حكما غيابيا بإعدامه إبان لجوءه إلى النرويج ، والذي أمضى وزوجته ما تبقى من عمره قبل اغتياله لاحقا في بيت دييجو وزوجته فريدا كاهلو –الفنانة التشكيلية التي لا تقل شهرة عنه .

على أن السلطات المكسيكية وجهت لرفييرا وكاهلو معا تهمة الاشتراك فى التآمر لقتل تروتسكى الذى اغتيل فى العام 1940 بيد أحد عملاء الاستخبارات السوفيتية. غير أن براءتهما ظهرت لاحقا .

ومع ذلك عاد دييجو ليحاول باستماتة العودة للحزب الذى رفض مرارا بدورة «العفو» عنة ، إلى أن ناله فى العام 1954 وأعلن دييجو قطيعته النهائية مع اللينينية واعتناقه ما سمى بـ«الماركسية الستالينية».. هل يتوجب اذن على الثوريين ان يكفوا عن النظر لجدارياتة كفن بديع؟ ابدا والا لارتكبوا نفس خطيئة الاتحاد السوفييتي فى حق الفن .