بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

“دييجو وفريدا” الثورة.. الفن.. الحياة

تحكي هذه الرواية الرائعة، للكاتب الفرنسي الشهير جان-ماري جوستاف لوكليزيو، القصة الحقيقية للفنانين التشكيليين المكسيكيين، دييجو ريفيرا وفريدا قاهلو، اللذان جمع بينهما حب عظيم، في فترة استثنائية من تاريخ المكسيك، وتاريخ العالم. فترة بدا فيها كل شيء ممكناً: تغيير الحياة، وخلق قيم فنية جديدة، واختراع صيغة أخرى للحب، في مدينة مكسيكو المحررة والمفتوحة علي كل جديد.

في 1910، يطيح فرانسيسكو ماديرو بنظام بورفيريو دياز، بعد إلغاء الانتخابات المزورة التي أوصلته إلي الحكم. وتندلع انتفاضة شعبية, فلاحية, أغرقت البلد في حرب قصيرة وغاضبة, كلفتها المليون من الموتى، وأطاحت بالنظام السائد. وعرفت هذه الثورة البطولات الشعبية والرومانسية لفرانسيسكو فيلا، وإيميليو زاباتا. ثورة حررت البلاد من الاستعمار الأمريكي والفرنسي والبلجيكي والأسباني، ومن الاقطاعيين المحليين، الذين كانوا يعبرون أراضيهم الممتدة بقطاراتهم الخاصة.

عندما قامت الثورة، كان عمر دييجو أربعة وعشرين عاماً. لم يشترك في الأحداث لأنه, مثل الكثير من الفنانين المكسيكيين، كان يبحث في هذه الفترة عن مناخ للحرية في العواصم الأوروبية، هروباً من الجو الخانق في المكسيك. أما فريدا، فكان عمرها ثلاثة سنوات, فلم تغير الأحداث شيئاً في حياتها. نشأ الاثنان في بيئة إقليمية, دييجو في مدينة مناجم كئيبة، وفريدا في ضاحية حزينة، لا يحدث فيها شيء غير السوق الأسبوعي، وحركة الفلاحين الهنود، الآتين لعرض بضائعهم في السوق.

جمع بينهما الكثير من التناقضات. يكبرها بعشرين عاماً, هو ضخم وقبيح المنظر, هي نحيفة وجميلة: فيل يتزوج يمامة, قال أبوها عندما طلب الزواج منها. يفرق بينهما اختلاف الشخصية والتكوين الجسدي: هو عاشق لعمله الفني, يخترع فن الجداريات في المكسيك، وينجح فيه ويصبح مشهوراً عالمياً, واقفاً علي السقالات ثماني عشر ساعة في اليوم, ينضم إلي الحزب الشيوعي المكسيكي، ثم يفصل منه, متقلب المزاج, عاشق للنساء الجميلات, محب للشهرة وللمال. ومع ذلك كان كريماً إلي أبعد الحدود, مستمعاً إلي الناس ومحباً لهم, بليغ الكلام إلي حد تأليف الحكايات, مبالغاً في كل شيء ومعطاءً بسخاء. أما فريدا، فكانت حساسة ورومانسية, شديدة الإرادة, مخلصة لمبادئها إلى لانهاية, ومن أمها المبالغة في تدينها، ورثت الحب المطلق لأبطال الثورة: ماركس ولينين وماو وزاباتا. عانت منذ الصغر من هشاشة جسدها: شلل أطفال جعل ساقها اليسرى أكثر نحافة من اليمنى, ثم حادث أتوبيس في مراهقتها أفقدها بكارتها، ومزق عمودها الفقري، مما أجبرها علي المكوث في الفراش لفترات طويلة من حياتها، وجعلها عرضة لعمليات تكررت مدي حياتها، ومنعتها من إنجاب الطفل، الذي كان بودها أن تعطيه لدييجو. وفي انغلاق حجرتها، اكتشفت الفن التشكيلي: فبينما كان دييجو فوق السقالات، يرسم للوزارات والأكاديميات الحياة اليومية لفقراء المكسيك، وفي وسطهم فريدا دائماً توزع المنشورات, وأبطال الاشتراكية متنبئين بالعالم الجديد, كانت فريدا في فراشها ترسم معاناتها وآلامها، في لوحات صنعت منها فنانة كبيرة، ومكنتها من تجاوز آلامها.

وفي الأساس، جمع بينهما حب الفن والإيمان بالشيوعية, ووهبا حياتهما لإحياء ذكرى الهنود, السكان الأصليين للمكسيك قبل الغزو الأسباني للبلاد. اكتشفت فريدا دييجو في طفولتها، عندما كانت في أسفل السقالة تشاهده يرسم جدارياته، متحدية لعشيقته في هذه الفترة, لوبيه مارين، التي طارد خيالها جمال جسد لوبيه فيما بعد. وعند مراهقتها، تقرر أن دييجو رجل حياتها وأنها سوف تتزوجه. أما دييجو، فاكتشف فنها في حجرتها، التي كانت ترقد فيها مريضة, وعرف أنها فنانة كبيرة, ثم أحبها وقرر أن يتزوجها.

عاشا معاً الآمال الكبيرة لمكسيك الثورة، وأيضاً الإخفاقات التي تثير الحقد والغيرة والوصولية. يقبل دييجو الدعوات خارج المكسيك، في الولايات المتحدة لرسم جداريات، وينبهر بنجاحاته. أما فريدا فتكره أمريكا، التي يقيم أهلها الأغنياء الحفلات ليلاً ونهاراً، بينما ملايين الفقراء يموتون جوعاً. تكتب لأصحابها وحشتها لضاحيتها وأكل الفاصوليا والتورتيليا (العجة) المكسيكية. أما دييجو، فينبهر بنجاحه وبإمكانيات أمريكا، ولا يهتم بغربة فريدا. يستمتع بمعرفة الشخصيات الجبارة، مثل هنري فورد, الذي صنع نفسه بنفسه، انطلاقاً من أصل فقير، ويقول عنه أنه لو لم يكن ينتمي إلى عالم رأسمالي، لكان قد أصبح فناناً. لكن للرأسمالية فخاخها. فعندما رسم جدارية طلبها الملياردير روكفيلر، ورسم وسط الجماهير الثورية وجه لينين, اعترض روكفيلر، وطلب منه محو هذا الوجه. احتار دييجو واستشار أصدقاءه، وطبعاً فريدا، ضميره الحي. البعض رأى خسارة التضحية بالجدارية، ونصحه بإخفاء وجه لينين. والبعض الآخر رفض تدخل السياسة في الفن. أما فريدا، فرفضت بصرامة وبحزم محو وجه لينين من اللوحة. وهذا ما فعله دييجو. كان رد فعل روكفيلر سريعاً, أغلق المبنى بقوة رجال الأمن، وحرم دييجو من كل الامتيازات التي كان قد وفرها له.

عودة إلي المكسيك، وكل منهما إلى حياته. إلي حياة يملؤها الفن، وبالنسبة لدييجو الاستمرار في مغازلاته. لم ينقص هذا من حب فريدا له. لكنها لم تتحمل مغازلته لأختها كريستينا، فهجرت البيت المشترك. تحاول الاستقلال, تدخل في بعض المغامرات, لكن دييجو كان معششا بداخلها. في هذه الفترة تعرفا علي تروتسكي، الذي وافقت المكسيك علي لجوئه في مكسيكو. أعجبا فريدا ودييجو بالمنفي الكبير, وحتي أن فريدا هربت معه في ضاحية خارج مكسيكو بضعة أيام، كي تتحدى دييجو الذي لم يعرف بالمغامرة. يأتي أيضاً أندريه بروتون، ويعجب بفن فريدا فيدعوها السرياليون لتعرض لوحاتها في باريس. لكنها كرهت فرنسا وفنانيها المدعين, اللامبالين بمعاناة العالم. ومثلها يتهم دييجو هؤلاء الفنانين بأنهم السبب في صعود الفاشية في أوروبا.

تتدهور صحة فريدا ولا يستطيع دييجو أن يعيش بدونها. ففي عدم استقراره، وغياب البوصلة في حياته, خارج الفن والنساء, تمثل قوة فريدا واستقرارها ملاذه الوحيد. كان يسميها نني عيناي، وإلي آخر حياتها سوف تستمر فريدا نني عيناه, ضميره واستقامته. يتزوجا من جديد لكن فريدا تشترط ألا تقام بينهما علاقة جنسية، وأن تتولي بمفردها نفقاتها الخاصة. فلكل منهما شقته، الاستوديو الخاص، يفصل بينهما كبرى كي يكونا معا ومستقلين.. وبعد معاناة الآلام الجسدية التي تتحملها بجسارة وبعد أن أقيم لها معرض، نقلها إليه دييحو في فراشها, تموت فريدا ثلاثة أعوام قبل دييجو، محاطة بحبه وبدفء أصدقائها, ماتت في السابعة والأربعين من عمرها، وأصر دييجو أن يأخذها مكشوفة الوجه في تابوتها إلي قصر الفنون الجميلة. ثم أن تغلف بعلم أحمر، منسوج عليه المنجل والمطرقة وهكذا أخرجت إلي محرقة المدفن. وبعد حرق جثتها, ألقيا برماد فريدا علي أرض المكسيك التي كم أحبتها.