بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

فن أم استغلال؟

ما هو الفن؟ ربما لست أفضل من يجيب على هذا السؤال، وما يمكن تقييمه كفن يختلف من شخص لآخر. لكن يمكنني أن أخبركم ما لا يحمل صفة الفن بأي شكل: “تسليع” المرأة.

لا أجد موطئ قدم في الفضاء الإلكتروني، خاصة مواقع التواصل الاجتماعي، غير مليء بصور وإعلانات تُظهر نساء شبه عاريات في أوضاع مختلفة تتخذ شكلا شبه جنسي، وفي الغالب يكون هذا هو المحتوى الأساسي أو الوحيد لمثل هذا النوع من الدعاية، ولا يُقدَم هذا النوع من التصوير “كفن” فقط ولكن كفن يظهر التحرر واستقلال المرأة ورفضها لقيود المجتمع، خاصة القيود الرجعية ذات الطابع الديني.

ليس الدافع وراء كتابة هذه الكلمات هو ميل محافظ أو رفض لتوظيف الجسد البشري في الفن، الهدف هنا هو الإجابة على هذا السؤال: هل هذا التصوير لجسد المرأة هو نوع من تحطيم قيود الهيمنة الفكرية للأفكار المضطهدة للمرأة، أم هو الوقوع في دوائر أوسع من هيمنة صورة أخرى من نفس الأفكار؟

منذ أن بدأ أول أشكال الانقسام الطبقي في عصور ما قبل التاريخ، حين انشغلت النساء بالزراعة وبدأ احتكار الرجال للسلاح، ثم وضع مسئولية رعاية الأطفال بالكامل بعد إنجابهم على عاتق المرأة مع تبلور هذا الانقسام الطبقي وتشكل الأسرة الأبوية، تحولت نظرة المجتمع إلى المرأة بالتدريج من “ذات” بشرية مستقلة عاقلة إلى “موضوع” مادي، شيء يُنتج الأطفال والطعام كأي آلة، أداة جنسية بالأساس لإفراغ شهوات الرجال، ومنذ هذا الحين حتى الآن كانت هناك خلافات كبيرة على كيفية استغلال هذه “الأداة” أفضل استغلال، واتخذ هذا الاستغلال أشكالاً عدة مركبة على مرّ العصور. لنعد لموضوعنا، وهو أحد صور هذا “التشييء”: استخدام الجسد الأنثوي في الإعلام.

نقفز هنا إلى مرحلة قريبة تاريخياً، مع استقرار طبقة الرأسماليين في السلطة، وتحوُل العالم بالكامل تدريجياً إلى سوق للتنافس بين رجال الأعمال. كان ظهور الإعلانات أمراً طبيعياً كوسيلة ترويج للسلع، ومع الوقت ظهرت فكرة نابعة مباشرة من النظرة “التشييئية” لجسد المرأة، التي ترى المرأة مجرد “شيء”، وهي ربط المنتج بصور مغرية لفتيات؛ ليزيد إغراء المنتج للمشتري. يتدنى هنا جسد المرأة حتى من كونه سلعة جنسية إلى مجرد إضفاء الإغراء الجنسي على سلع أخرى. ومع الوقت تبلور دور عارضات الإعلانات ليصبح منتج في حد ذاته من صورذات طابع جنسي وأصبح المبرر لذلك هو الإدعاء بأن استعمال كاميرا ذات إمكانيات عالية مع بعض مهارات “الفوتوشوب” يحول هذا التشييء إلى عمل فني جميل! مثلما تظهر لنا الكثير من الأفلام الرخيصة التي تملأ السينمات المصرية لتقدم لنا منتوجاً شبيهاً من حيث دور المرأة وتبرره بكونها أفلام سينمائية عالية الإنتاج.

منتوج آخر لهذه العملية التشيئية هو الأفلام الجنسية، والتي تقدم محتوى يتجلى فيه دور المرأة كأداة جنسية في أنقى صوره، كما أنها تقدم صورة مشوهة من العلاقة الجنسية تخلو من أي حميمية وتخاطب شهوات الرجال بالأساس، بينما تقع المرأة فيها في صورة العبودية الجنسية.

يستغل النظام الرأسمالي هذه الأدوات الإعلامية بصورة مزدوجة من ناحية الحصول على أرباح مرتفعة من استثمارات بيع سلعهم أو إعلامهم الجنسي، ومن ناحية أخرى إعادة إنتاج النظرة الدونية الجنسية الخالصة للمرأة، مما يساعد النظام على إعادة استخدام هذه الوسائل وهكذا. تتركز هذه الصور التي يقدم الإعلام لنا بها المرأة في أذهاننا وتؤثر على نظرتنا للمرأة في الحياة العادية بشكل لا إرادي في معظم الأحيان، ويظهر ذلك في التحيزات والمبررات في حالات التحرش كمثال أو في مواجهة حق المرأة في دخول مجال العمل متساوية مع الرجل، فقد ترسخت في الأذهان صورة المرأة كأداة جنسية.

يظهر لنا سؤال دائم التواجد في هذه القضية.. وهو لماذا تقبل هؤلاء العارضات والممثلات بهذا الوضع ولماذا يقبلن هذه الوظائف؟ الإجابة على هذا السؤال ليست صعبة، فهناك قيد لقمة العيش الذي يجعلنا جميعا عبيد للطبقة الرأسمالية والذي يفرض نفسه فرضا على الكثير من النساء، وأيضا حقيقة أن دوائر الهيمنة للأفكار التي تصدرها هذه الطبقة تتطال النساء كما الرجال، وتؤثر على رؤية الكثيرات في قبول هذا الدور حتى لو كان يعرضها للإستغلال. هل يلاحظ أحد أن هذه الإعلانات والصور والأفلام تصدر في مقاييس ثابتة للجمال؟ هذا الشكل متعمد لوضع هدف أمام النساء في الوصول لهذه المقاييس مهما كانت التكاليف، مما يعني المزيد من الأرباح لمؤسسات كاملة متخصصة في التجميل، كما إنها وسيلة أخرى للنظام لقولبتنا في شكل واحد من المستهلكين، كصورة أخرى من صور الإخضاع لهيمنة النظام، تقترب يومياً من الأجواء المقيتة لرواية 1984 لجورج أورويل.

الجسد البشري جميل، توظيفه في سياق فني ليس عيباً، كما ذكرت، الهدف من المقال ليس دعم أي ميل محافظ أو خضوع لأي تقاليد رجعية أو تابوهات جنسية لابد في الحقيقة من تحطيمها. الهدف هنا هو الحديث عن توظيف المرأة كشيء ودور ذلك في إعادة إنتاج إهانتها واستغلالها. لا مانع من الفن مادام ظهور المرأة ظهور لذاتها كإنسان، أياً كان ما ترتديه أو لا ترتديه، أما تسليعها فهو ليس فناً بالتأكيد. إذا كان الهدف هو مواجهة أحد أشكال هيمنة الأفكار الرجعية فليكن بمواجهة كل أشكال الرجعية، لا بتفضيل شكل آخر من الرجعية يتخذ كذباً سمة التحررية.

إن مواجهة هذا الشكل من الاستغلال متداخل مع مواجهة استغلال الطبقة الحاكمة للجماهير ككل، فالوقوف كحائل أمام إعادة إنتاج الأفكار العنصرية هو جزء من النضال الجماهيري العمالي ضد الرأسمالية، وليس مجرد عمل إنساني أو حقوقي. دور العناصر الثورية المتقدمة هو محاربة كافة أشكال العنصرية التي تستخدم في إعادة تفتيت الطبقة العاملة كلما زادت قوتها، بل ويجب أن نقدم البديل الثوري لهذه الأفكار، وأن يكون ذلك جزء أساسي من دعايتنا الدائمة، وأن يملأ فنوننا الثورية. فلنقدم فناً حقيقياً تقدمياً للجماهير يواجه الأفكار الرجعية بكافة صورها ولنخلق عالماً بلا استغلال.