بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

احكى يا شهرزاد.. بداية للكلام غير المباح

اتفق الجميع ان شهرزاد كانت يوميا تصمت عن الكلام المباح لكى تحافظ على حياتها لليوم القادم، ترى لو كانت شهرزاد واصلت الكلام هل كانت سوف تحافظ على حياتها، ام ان الكلام ذاته سوف يصبح غير مباح؟ هذا السؤال الذى لم يخطر لاحدنا على بال و يبدو ان يسرى نصر الله ووحيد حامد حاولا ان يجاوبا على هذا التساؤل بفيلمهم الجديد (احكى يا شهرزاد) وذلك ليس فقط بمجرد طرح علاقة الرجل بالمرأة ولكن ايضا بتحليل ذلك فى اطار الطبقات الاجتماعية المختلفة المكونة للمجتمع المصرى .

يتناول الفيلم مصائر ضائعة للرجال والنساء على حد سواء ولكن ما يزيد هو الاضطهاد المخفى الذى تتعرض له المرأة دائما تحت شعار الحب او الزواج او حتى العادات الاجتماعية التى تسيطر على المرأة على اختلاف موقعها الطبقى.

نرى فى شخصية زوج هبة يونس -بطلة الفيلم- مقدمة البرامج الناجحة كيف يضغط عليها لكى تبتعد عن السياسة فى برنامجها لكى يرضى السلطة رغبة منه فى ان يحقق طموحه فى الوصول الى رئاسة تحرير الجريدة الحكومية التى يعمل بها وكيف تخضع هبة خوفا من نظرة المجتمع لها كمطلقة للمرة الثانية فتقرر ان تبدأ سلسلة من الحورات مع مجموعة من النساء من مختلف الطبقات الاجتماعية لكى تبتعد عن السياسة ولاتزعج السلطة، ففى البداية تظهر سيدة الطبقة المتوسطة التى يحكم عليها ان تظل بدون حب او زواج ضريبة لنظرتها التقدمية فى انها ليست مجرد سلعة يتزوجها رجل ويسيطر على حياتها ولا يمنحها سوى انه زوجها، قدمت ذلك سوسن بدر فى مشهد حوارى رائع بينها وبين العريس الذى ترشح له كما تقول فى بداية حوارها مع هبة يونس انها كانت فى مصر حينما كانت بلا حجاب وذلك ليس حجاب الرأس وانما حجاب العقل الذى يقتل حقوق المرأة.

كذلك نرى قصة ثلاث بنات من الطبقات الدنيا فى المجتمع وكيف تمت تربيتهم فى مجتمع مغلق بدون اى وعى او ارادة ومحاولة عمهم ان يستولى على اموالهم بعد وفاة والدهم، وكذلك كيف ان العامل الذى يأتمونه على مصدر رزقهم وهو محل والدهم يستغل ثلاثتهم جسديا تحت شعار الوعد بالزواج العلنى او زواج الوهبة وذلك دون معرفتهم بانه يتامر على ثلاثتهم.

كما نرى نموذج طبيبة الاسنان شديدة الثراء بنت العائلة الارستقراطية التى يتقدم لخطبتها رجل من الاثرياء وتوافق العائلة على كتب الكتاب حتى الانتهاء من بناء فيلا الزوجية.. يعرض الفيلم كيف ان الطبيبة على الرغم من انها تنتمى الى الطبقة او قل الشريحة الاغنى من المجتمع تتعرض الى اضطهاد العادات الاجتماعية فكيف تشترط عدم وجود علاقة جنسية بينها وبين زوجها قبل ان يتموا زواجهم رسميا بعد ان اكتمل شرعيا، تتعرض الطبيبة للاضطهاد حينما يضغط عليها زوجها باقامة علاقة بينهم لانه شرعيا زوجها ومن ثم حينما تكتشف حملها ينكر نسب الطفل له ويطالبها بمبلغ ضخم مقابل الطلاق لكى تتضح الحقيقة بأنه “صياد عوانس” كما يطلق عليه الفيلم.

كل تلك الحوارات تتم بالتوازى مع قصة هبة يونس التى يستمر زوجها فى تقريعها مدعيا انها بتلك الحوارات تسئ الى صورة مصر وتعادى الحكومة ليعرض الفيلم جملته المبهرة (كله سياسة) نعم كل شئ له علاقة بالسياسة فالمجتمع ككل وعلى رأسه السلطة يقوم بمؤامرة خفية ضد المرأة ويقهرها القهر الملائم لوضعها الطبقى، يفرض عليها عادات اجتماعية زائفة ومخالفة حتى للدين ليحكامها بها بعد ذلك، يحاكم كل من تحاول ان تكسر ذلك الخط الشائك من العادات وتختلف عنه. وتكتمل الدائرة بنهاية الفيلم شديدة البراعة حينما نرى الاعتداء الذى تواجهه هبة يونس من زوجها ليقدم ببساطة ان كل من لا تخضع لابد ان تهان وان المجتمع بأكمله لا يهمه سوى اخضاع المراة وذلك حتى من النساء انفسهم الذين يرددون دوما قيم اجتماعية زائفة ومشوهة.

عرض وحيد حامد قصة بسيطة تحمل كثيرا من العمق بدون ابتذال او مزايدة ميلودرامية فى عرض وضع المرأة المصرية كما تخلى يسرى نصرالله فى هذا الفيلم عن الفلسفة السينمائية وبرع فى استخدام الرموز الرائعة فى كل مشهد سينمائى، ايضاً تألق تصوير سمير بهزان فى ادخال المشاهد فى تلك الحالة السينمائية الرائعة وعملت المونتيرة منى ربيع ببراعة فى جعل ايقاع الفيلم كالوتر المشدود الذى لا يدع مجالا للملل، كما ادى جميع الممثلين ادوارهم بتمكن شديد وحرفية عالية، قاد يسرى نصرالله تلك السيمفونية السينمائية ببراعة دون ان يتورط فى عرض شعارات زاعقة او بيان للمدافعة عن المرأة المصرية فنجح ببراعة فى عرض الواقع كما هو لتحكى شهرزاد كل الكلام غير المباح.