بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

فن وأدب

الفن في مواجهة الإعلام

هل تصدق: هوليوود تدافع عن المسلمين بعد 11 سبتمبر؟!

يعرف الجميع كيف تعاملت هوليوود، والسينما العالمية عموما، مع العرب والمسلمين باعتبارهم أنماطا جاهزة مستقاة من كتب التاريخ وروايات المستشرقين، وصور أثرياء الخليج الشرهين، ثم صور الملتحين وأصحاب الذقون الطويلة المتطرفين التي تبثها وسائل الإعلام.

لم تخرج صورة العربي في الأفلام الأمريكية والأوربية عن هذه الأنماط إلا نادرا، من خلال بعض المخرجين الأوروبيين الذين عاشوا في بعض البلدان العربية، وعايشوا أناسا وأفرادا من لحم وجم ومشاعر وأفكار وتناقضات تختلف قليلا أو كثيرا عن النمط الجاهز. ومعظم الذين كتبوا عن صورة العربي والمسلم في السينما العالمية نظروا إلى الأمر من خلال نظرية المؤامرة – سابقة التجهيز هي الأخرى – والتي تفترض أن الذين صنعوا هذه الأفلام يعرفون صورا أخرى لهؤلاء البشر ولكنهم يتمسكون بهذه الأنماط من باب التعصب والتشويه المتعمد.

لست أتفق مع هذا لأسباب عديدة لا مجال للخوض فيها هنا، ولكنني أريد لفت نظر القارئ إلى توجه جديد ظهر في السينما الأمريكية والأوروبية يتعلق بصورة العرب والمسلمين خلال السنوات القليلة الماضية، وبالتحديد منذ أحداث 11 سبتمبر 2001 والتي لبت العالم رأسا على عقب.

يعتقد كثير من لقراء أن سينما هوليوود “مؤسسة قومية” مثل الجرائد التي تصدرها الحكومة، بمعنى أنها المتحدث الرسمي باسم الإدارة الأمريكية. وطبعا هذا كلام لا أساس له من الصحة، بالرغم من وجود علاقات متشابكة بين هوليوود والبيت الأبيض لوجود مصالح متبادلة بين الطرفين، لكن الأمر نفسه يمكن أن ينطبق على المافيا وعصابات الجريمة المنظمة، أو على جماعات الضغط (اللوبي) العديدة، والتي انضم إليها مؤخرا لوبي عربي قوي من خلال جمعية مناهضة تشويه صورة العرب في هوليوود.

والقارئ الذي يفكر بهذه الطريقة “الشرقية” والتي تفترض وجود كلمة “الكل” في كل عبارة، بمعنى أن كل هوليوود تخضع للحكومة الأمريكية، وأن كل اليهود في هوليوود صهاينة، وان كل ما يقدم عن العرب والمسلمين لا بد أن يكون تشويها وإساءة متعمدة، هذا القارئ هو غالبا من الذين يفضلون الاستسهال بدلا من بذل الجهد والتبسيط المخل بدلا من التوهان في التناقضات الكثيرة.

واحد من أحدث أفلام هوليوود وأكثرها إثارة للجدل، وأكثرها إصابة للمتفرج والقارئ العربي بالدهشة، بل بالصدمة، وعدم التصديق، هو فيلم “ميونخ” آخر أفلام المخرج الشهير ستيفن سبيلبرج. سبيلبرج، بالنسبة للكثيرين، مخرج هوليوودي يهودي ويعرف الجميع مسبقا ما يمكن أن يقوله هذا المخرج عن العرب والمسلمين. ولكنه في فيلم “ميونخ” قال شيئا مختلفا أثار غضب اليمين اليهودي في أمريكا وإسرائيل، وقد أتيحت لي الفرصة لمشاهدة الفيلم، وأستطيع أن أقول إن غضب اليهود والإسرائيليين المتطرفين مبرر تماما، فهذا ، على حد علمي، أكثر فيلم هوليوودي يدين إسرائيل والوحشية الإسرائيلية على الإطلاق، والأكثر من ذلك أنه يقدم صورة غير نمطية لمن يطلق عليهم “الإرهابيين المسلمين”.

وقبل أن يعرض فيلم “ميونخ” بأيام خرج إلى أسواق التوزيع أيضا فيلم “سريانا” للمخرج والكاتب ستيفن كاهاجان، والذي يشارك في بطولته النجم جورج كلوني، كما يشارك فيه الممثل المصري عمرو واكد بدور متطرف إسلامي من تنظيم القاعدة. ولول وهلة يبدو أن الفيلم يهاجم الإسلاميين ويصورهم كإرهابيين نمطيين في فيلم “أكشن” أمريكي. ولكن الفيلم يختلف تماما عن ذلك، ويسعى إلى تقديم صورة واقعية ووجهة نظر سياسية حول ما يحدث في الشرق الأوسط من تصارع بين الإمبريالية الأمريكية والتطرف القومي بأشكاله المختلفة ويتعاطف معه، بمعنى أنه يفهم مبررات هذا التطرف ودوافعه بشكل واضح.

منذ سنوات، كما يذكر القارئ ربما، رفضت أكاديمية علوم وفنون السينما الأمريكية التي تمنح جوائز الأوسكار مشاركة فيلم “يد إلهية” للمخرج الفلسطيني إيليا سليمان بدوى أنه لا يوجد دولة اسمها فلسطين، وقد أثار هذا القرار انتقادات حادة داخل هوليوود وخارجها. في هذا العام شارك فيلم “الجنة الآن” للمخرج الفلسطيني هاني أبو أسعد في مسابقتي الجلودن جلوب والأوسكار باسم فلسطين ونجح في الوصول إلى الترشيحات النهائية.

ما الذي يعنيه ذلك؟ إنه يعني في المقام الأول أن الأمريكان الذين صور لهم إعلامهم على مدار عقود بأن لا يوجد شيء اسمه فلسطين، أن هذه الدولة موجودة وبقوة، كما يعني ثانيا أن الفيلم الذي يقدم صورة إنسانية عن الذين يطلق عليهم “إرهابيين” والذي يناقض الصورة النمطية لهم في وسائل الإعلام، وقد وجد صدى كبيرا لدى أهل هوليوود أنفسهم.

ومن الأفلام الأخرى المرشحة للأوسكار بقوة، فيلم “البستاني الدؤوب” للمخرج البرازيلي فرناندو ميريليس، والذي يدين بشدة التدخل الأمريكي والبريطاني في العراق، والإمبريالية الغربية بشكل عام، والتي حولت سكان أفريقيا الفقراء إلى فئران تجارب لشركات الأدوية الكبرى. هذا الفيلم كان فيلم افتتاح مهرجان لندن السينمائي، الذي يعد أهم مهرجان في بريطانيا، وقد حضرت فعاليات هذا المهرجان، وشاهدت من بين الأفلام أيضا فيلمين من انجلترا وفرنسا، الأول بعنوان “نشيد الإنشاد” والثاني بعنوان “أورشليم الصغيرة” وكلاهما يدينان الأصولية اليهودية في كل من انجلترا وفرنسا من خلال عائلتين إنجليزية وفرنسية تضرب فيهما لأفكا التطرف الديني بشكل يؤكد أن التطرف الإسلامي ليس حيدا في نوعه.

ومن إنجلترا أيضا، جاء المخرج ريدلي سكوت بتحفته المصنوعة في هوليوود “مملكة السماء” الذي أثار جدلا كبيرا في العام الماضي بدفاعه عن صلاح الدين الأيوبي والعرب في مواجهة الحروب الصليبية الاستعمارية. وهناك أمثلة كثيرة يمكن ن نواصل ذكرها، ربما أشهرها فيلم “فهرنهايت 9/11” للمخرج الأمريكي مايكل مور.

كل هذه الأمثلة تشير إلى شيء واحد هو أن زلزال 11 سبتمبر رغم أنه ساهم في تنشيط العنصرية ضد العرب والمسلمين، إلا أنه من ناحية أخرى دفع الفنانين الحقيقيين إلى النظر بجدية إلى قضايا لم يكونوا يهتموا بها من قبل، وهذه النظرة الجدية نشأ عنها بالضرورة التخلي عن الأنماط الجاهزة، والبحث والتأمل وراء ما تبثه وسائل الإعلام السطحية، ولعل هذه الفائدة الوحيدة هي التي جناها العرب والمسلمون من أحداث 11 سبتمبر!