بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

حسني الذي صار بطلاً

على مدر الأسابيع الماضية، تابع الكثيرون معركة فاروق حسني لانتزاع منصب أمين العام منظمة العلوم والثقافة بالأمم المتحدة، “اليونسكو”، وفجأة! وكما في مباريات كرة القدم، أصبحت مصر هي فاروق حسني، وأصبح انتصاره الشخصي، ونظام مبارك من وراءه، هو انتصار لمصر وللمصريين جميعاً، وكالعادة، تم تلخيص كل همومنا الوطنية، وطموحاتنا، في انتصار فاروق حسني، والمثير للدهشة أنه بالإضافة إلى أجهزة الإعلام الحكومي، وخدامها من الكُتاب والصحفيين، انضم إلى جوقة المهللين لفاروق حسني، صحفٌ مستقلة، و بعض الكُتاب المستقلين.

أصبح فاروق حسني، وهو المسئول الأول عن محرقة بني سويف، وأقدم وزير في حكومة مبارك، والذي تمت في عهده أكبر السرقات لآثار مصر، والمتورط في قضية فساد واستغلال نفوذ كبرى، الوزير الذي صادر الكُتُب، وأعلن أنه سوف يُدخل المثقفين الحظيرة، أصبح هو أمل مصر، ومرشحها للحفاظ على التراث والثقافة في العالم.

هل من الممكن أن يكون هناك نظام، يحتقر الجماهير إلى هذه الدرجة؟!. فبدلاً من يُقدَم للمحاكمة على جرائم عدة، كان ضالعًا فيها، ومسئول عنها، بشكل مباشر، بحكم موقعه، تتم مكافأته، بتسخير كل الإمكانيات لحملته الانتخابية، التي مولها، أموال دافعي الضرائب ومنح أذناب مبارك من رجال الأعمال، عاد الوزير المغوار إلى أرض الوطن في طائرة رجل الأعمال محمد أبو العنين، الذي يكسو سيراميك مصنعه مشروعات وزارة الثقافة، وكأن العلاقة الفاسدة بين نظام مبارك ورجال الأعمال، المبنية على نهب ثرواتنا، تأبى حتى أن تستتر مراعاة لماء الوجهة، بل تفضح تبادل المصالح غير المشروعة.

في خضم التعبئة الإعلامية لدعم الوزير، لم يقل لنا المسئولين، كم تكلفت إقامة أعضاء حملة “حسني” في باريس، التي بلغت شهر كامل، ولماذا تحملت خزينة مصر، وسفارتها، أعباء هذه الحملة، في حين تعجز هذه الخزينة عن توفير احتياجاتنا الملحة، من مستشفيات ومدارس، الخ … ففي الوقت نفسه الذي كانت تنفق فيه الملايين من أموالنا على تلك الحملة، كانت هناك حملات “الشحاتة” في رمضان، لإطعام وكساء المصريين، بنك الطعام، ومستشفى57357.

عاد المحللون يروون لنا كيف أدارت الديبلوماسية المصرية المعركة بكل حنكة، وكيف سخرت الخارجية المصرية، كل إمكانياتها لإنجاح حسني، الوزارة نفسها، والديبلوماسيين أنفسهم، الذين يهملون العمال المصريين بالخارج، ليتعرضوا للسجن والجلد، بل والإعدام، ظُلمًا، ناهيك عن المعاملة المجحفة، في دول الخليج، المسئولون أنفسهم، الذين تركوا الصيادين المصريين محتجزين، كرهائن، لشهور في الصومال. الديبلوماسية المصرية العريقة نفسها، التي تأخذ المسئولين الإسرائيليين بالأحضان، بينما تفشل في الحوار مع الفلسطينيين، هي نفسها التي تُسخر كل إمكانياتها لإنجاح مرشح مبارك.

مَن الذي جعل فاروق حسني”أمل مصر والجماهير”، تُوفر له ما يُحرم منه ملايين المصريين؟!، هل هي إنجازاته الجليلة، التي ذكرناها، في خدمة الثقافة المصرية وفي خدمة المصريين، أم كونه “المثقف الرفيع” الذي ملأت إبداعاته أطراف الكون! أم لكونه البطل المنتخب الذي أجمعت عليه الجماهير؟!.

إن كانت معركة فاروق حسني قد فضحت النظام على مستوى إدارة الدولة كعزبة، ونجاح النظام في تدجين الكثيرين، ممن يُطلق عليهم “المثقفين” أو “النخبة”، كأذناب لهذا النظام، فقد نجحت بشكل أكبر في إظهار سذاجة هذا النظام وانتهازية ممثليه، وعلى رأسهم “المرشح” نفسه. ففجأة أصبحت الولايات المتحدة العدو الذي يضطهدنا، بعد أن كانت بالأمس القريب، “حليفنا الاستراتيجي”، الذي لا يمكن أن نعاديه، ولا يمكن أن نتخلى عنَّا، وتذكر فجأة، النظام وإعلامه، أن إسرائيل عدو، يقف لنا بالمرصاد، فقتل أطفال غزة، وقصف لبنان، لا يدل على عداءه، بل سمعنا من النظام وصف المقاومة بالحماقة، ولكن يبدو أن الموافقة على فاروق حسني أصبح هو المؤشر، على عداوة الصهيونية،

أصبح فاروق حسني بطلاً قوميًا حسني الذي اعتذر عن تصريحه الوحيد ضد الكتب الإسرائيلية، والذي حرص على خطب ود إسرائيل في عدة مقابلات إعلامية مع صحفهم ، حيث حرص الإعلام الرسمي على تصوير أنه فقد المنصب بسبب مواقفه الوطنية ضد إسرائيل، هذا الموظف الحكومي الذي لم يتوانى عن الاعتذار لعصابة الصهاينة، قبل أن تبرد دماء شهداء غزة، في انتهازية سافرة، أصبح بطلاً، أفلا يستحون؟.

المثير للشفقة، أنهم بعد أن اعتذروا، أجرى مبارك اتصالاته بكل الرؤساء الذين “يقدرون حكمة سيادته”، ولم يشفع هذا التذلل من جانب مبارك ونظامه، وجاء الدرس مرة أخرى، مبارك ليس الزعيم الدولي ذو الكلمة المسموعة، كما يردد نظامه، وأمريكا وإسرائيل لا يتعاملون معه باعتبار “شريك سلام”، بل باعتباره نظام عميل، يُلقي إليه ونظامه بالفتات، ويُمنع عنه الفتات، بمشيئة أسيادهم في واشنطن وتل أبيب.

فاروق حسني، لم يكن أبدا مرشح مصر أو المصريين، بل مرشح نظام مبارك، وحصل على النتيجة التي يستحقها النظام الذي يمثله.