بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

حول ظاهرة الروايات واسعة الانتشار الجديدة

عندما تحاول أن تستفسر عن مبيعات روايات تصدرت قوائم “الأكثر مبيعًا” في الشهور أو السنوات الأخيرة، تجد نفسك دومًا مواجهًا بذرائع عديدة، تحول دون حصولك على الرقم الدقيق الموثق. ذلك أن دور النشر “الكبيرة”، لا تفرج بسهولة عنه، ولن تسر لك إلا بعدد طبعات هذه الرواية الناجحة أو تلك؛ أما عدد نسخ كل من هذه الطبعات، فيبدو أشبه بأسرار الدولة، إذ ستحصل على ردود من نوع “هو لازم يعني؟”، أو “حضرتِك عايزة تعرفي ليه؟”، أو، في أفضل الحالات، رجاء مهذب بعدم نشر الأرقام، إلا بإذن واضح وصريح من دار النشر المعنية. هذا التعتيم ليس جديدًا على حقل النشر في مصر، وليس محصورًا فيه وحده، إذ يخص العديد من المجالات الحيوية الأخرى، وهو إن كان يصعّب مهمة الباحث، فإنه لا يمنع من محاولة فهم ظاهرة “البست سيلر” (الروايات ذات المبيعات الجماهيرية الواسعة)، الجديدة، والتساؤل حول هذا الأدب الجديد الذي “أصبح يقرأ خارج قاعدة المثقفين التقليدية”.

أول رواية تطرأ على الذهن، بهذا الصدد، هي “عمارة يعقوبيان”، لعلاء الأسواني (2002)، التي تحوّلت إلى ظاهرة، مع تصويرها كفيلم سينمائي، مثّل فيه عدد كبير من النجوم، وحقّق إيرادات تجاوزت 20 مليون جنيها، ثم تم تحويلها إلى مسلسل، لم يكن أقل نجاحًا من الفيلم. وقد تحولت “يعقوبيان” إلى ظاهرة “عالمية” إذ ترجمت إلى 27 لغة، وتجاوزت مجمل طبعاتها اليوم، المليون نسخة، حسب ما أعلنه الكاتب نفسه. في فرنسا وحدها بيع من ترجمتها 150.000 نسخة في الشهور الستة الأولى بعد صدورها، وأصبحت “بست سيلر”، يُباع في محلات مطار باريس، إلى جانب أشهر الروايات العالمية. ومع ذلك لا زال من الصعب تحديد مبيعات هذه الرواية النجمة، في السوق المصرية والعربية.

جاء هذا النجاح مفاجئًا في حقل أدبي لم يعرف منذ زمن طويل ظاهرة الـ”بست سيلر”، ولم تصل فيه مبيعات روايات نجيب محفوظ إلى هذه الأرقام أبدًا، رغم حصوله على جائزة نوبل سنة 1988. جاء مفاجئًا ولكنه لم يأت منفردًا، إذ توالت منذ ذلك الحين قصص نجاح نصوص أدبية مختلفة. كان منها “شيكاجو”، لعلاء الأسواني، التي صدرت في يناير 2007 عن دار الشروق، بعد أن نشرت مسلسلة في جريدة”الدستور” الأسبوعية، و”تاكسي”، وهي مجموعة نصوص للكاتب خالد الخميسي، صدرت أيضًا عن دار الشروق في ديسمبر 2006، ورواية “ربع جرام”، لعصام يوسف، الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية سنة 2008

وفي سياق الحديث عن “الطبعات المتتالية”، هناك أيضا سلسلة “البلوجات”، المدونات، التي تنشر محتويات “بلوجات” أصحابهان على غرار “أنا عايزة أتجوز”، (7 طبعات)، و”أرز بلبن لشخصين”، (4 طبعات)، المنشورتين في دار الشروق و”الألبومات الاجتماعية الساخرة” لعمر طاهر، المنشورة في دار أطلس، وكتاب أسامة غريب”مصر ليست أمي، هي مرات أبويا”

أثارت هذه الوفرة المفاجئة نقاشات عديدة، على الساحة الأدبية، منها ما تطرق إلى طبيعة هذه النصوص (وجاهة جمع كتابات منشورة على الإنترنت في كتاب)، ومنها ما تطرق إلى القيمة الأدبية لبعض الإنتاجات “البست سيلر”. وكانت أعنف هذه النقاشات تلك التي طالت إنتاج علاء الأسواني نفسه. “عمارة يعقوبيان”، نالت إعجاب عدد من الشخصيات الثقافية العامة، على غرار الكاتب الاقتصادي جلال أمين أو الناقد رجاء النقاش، إلا أن نقادًا آخرين رأوا أنها أقرب إلى كتابة “مسلسلات” منها إلى نص أدبي، وكان أعنف هؤلاء النقاد صبري حافظ، أحد أقطاب “النقد الشرعي”، الذي اعتبر “عمارة يعقوبيان” أقرب إلى “شهادة صحفية على حوادث موقوته” وأن”لا أدبية لهذا النص”.

هذه النقاشات ليست جديدة، إذ أن الساحة الثقافية المصرية عرفت أنواعا عديدة من الأدب “الخفيف” أو “الترفيهي”، على غرار الأدب الساخر والأدب البوليسي، لم يكن بينها وبين الأدب الشرعي “حدود واضحة” وهو ما ظل يغذي الجدال حول ما إذا كانت هذه “الممارسة الأدبية أو تلك”، تستحق أن تدرج ضمن الأعمال المعترف بها في إطار “الحقل الشرعي”، وإن كان هذا الأخير يميل في الغالب “إلى استبعاد أشكال الكتابة غير القصصية”.

بالإضافة إلى هذا، فإن ظاهرة انتشار أعمال أدبية على هذا النحو، ليست في حد ذاتها جديدة على تاريخ الأدب المصري الحديث، إذ حققت روايات يوسف السباعي (1917-1978)، وإحسان عبد القدوس، وأشعار صلاح جاهين، مبيعات، ربما كانت أعلى من تلك التي حققتها “عمارة يعقوبيان”، نسبة بعدد السكان آنذاك. يكفي بهذا الصدد أن نشير إلى أن مبيعات “الرباعيات” لصلاح جاهين وصلت إلى 125.000 نسخة في طبعة منشورة في الهيئة المصرية العامة للكتاب، نفذت بعد أيام من صدورها، حسب ما قيل آنذاك.

قد لا تختلف أسباب النجاح في ذلك الزمن، كثيرًا، عنها اليوم في عصر”البست سيلر”، فهي أولا قدرة الكاتب على التعبير عن “روح الزمن”، على كتابة ما يريد الناس قرائته. لم يسبح واحد من هؤلاء الكتاب الناجحين ضد التيار، ولم “يصدم” الذوق العام ولم يتبن أيديولوجية، أو أفكار، تفصله عن الأفكار المهيمنة في زمنه. ومثلما حملت “رد قلبي” ليوسف السباعي (1954) قيم مناهضة للإقطاع الكبير، فور تولي الضباط الأحرار مقاليد الحكم، وعبرت “أنا حرة” لإحسان عبد القدوس عن آمال عشرات الآلاف من النساء في تحسين قوانين الأحوال الشخصية، في ظل الحكم الجديد، وعبرت هاتان الروايتان عن توافق عام كان يسود الساحة أثناء الحكم الناصري، بل وتجاوزتها في بعض الأحيان، دون أن تدخل في صدام مباشر معها، جاءت “عمارة يعقوبيان” لتعبر عن توافق من نوع مختلف.

في نظر صبري حافظ، تعبر هذه الرواية في الحقيقة عن فكر إسلامي لأن جميع شخصيات النص “فاسدة” إلا “الشيخ “شاكر” وجماعته، المرسومة على غرار فكر التكفير والهجرة وتشييد مجتمع جديد في العراء، ولأن “طه الشاذلي” هو الشخصية البريئة الضحية غير الفاسدة في العمل كله”. كما يرى هذا الناقد أن أيديولوجية “عمارة يعقوبيان” تحمل “طائفية مقيتة” في اختيارها لشخصيات قبطية تقوم بأدوار سلبية ،(أبسخرون خلة وملاك خلة).

قد يكون صبري حافظ مبالغًا في آرائه هذه، لكن الأكيد أن “عمارة يعقوبيان” تعبّر عن انعدام الأمل، وعن أفق مسدود، وهو الشعور الذي أصبح سائدًا في المجتمع المصري، بمختلف طبقاته الاجتماعية، إذ تضاءلت الفئة المستفيدة من النظام القائم. وفي حين كانت “أنا حرة” أو “رد قلبي” تعبّران عن إمكانية تحرّر، لا يرسم هذا العمل أفقا لمواجهة الشعور بالظلم، وباللاجدوى، في عصر المحسوبية والفوضى، سوى الانضمام إلى جماعة إسلامية، للانتقام من الحاضر المرير، أو التحالف بين الطبقات البسيطة والطبقات الأرستقراطية، التي تعبّر عن الحنين إلى الماضي الإقطاعي، إلى زمن الباشوات، زمن “الرقي والحضارة”. يبدو هذا أفق العمل الوحيد الواضح، رغم تأكيد علاء الأسواني أنه لم يقصد ذلك، وتمسكه بشخصية جمال عبد الناصر.

جاءت البنية الدرامية لـ “عمارة يعقوبيان” تقليدية تعتمد على حبكة روائية كلاسيكية، لتعبّر عن مضمون لا يخبئ للقارئ أية مفاجآت، وهي بنية لا قدرة لها على تجديد الأشكال الأدبية، السائدة أو إحداث ثورة في الذوق العام. لا تتطلّب “عمارة يعقوبيان” مجهودًا من القارئ ليفهم “ما المقصود”، فهي تتميز ببساطة، تسمح بتحويلها إلى أشكال فنية أخرى، سواء على شاشة السينما أو التلفزيون، تمكن من انتشارها شعبيًا وتجاوز العقبات الخاصة بالأمية.

إلا أن الفارق الجوهري بين “عمارة يعقوبيان” و”بست سيلر”، الفترة الناصرية، هو مستوى النشر. لم تعد مئات الألوف من النسخ تباع من قبل المؤسسات التابعة للدولة، بل من قبل ناشرين من القطاع الخاص وبدأ نجم مؤسسات النشر العملاقة التابعة لوزارة الثقافة، على غرار الهيئة العامة للكتاب، والتي احتكرت “سوق الأدب” في الفترة الناصرية، في الأفول. وقد جاء هذا التغيير في ظل تحوّلات اقتصادية أشمل، طالت جميع القطاعات. سمح “الانفتاح” الاقتصادي”، إلى جانب الفساد والبيروقراطية اللذين نخرا المؤسسات الضخمة، بظهور مبادرات فردية ازدادت أهمية في السنوات الخمسة الماضية، فتم تأسيس العديد من دور النشر الخاصة التي غيّرت خريطة النشر، خصوصا النشر الأدبي وكذلك ميزان القوة بين الدولة والأدباء.

وما ساهم في تغيير ميزان القوى في الحقل الأدبي أيضًا، ظهور مبادرات لـ”تشجيع” الأدب المعاصر، إذ أطلقت”مؤسسة ساويرس للتنمية الاجتماعية” سنة 2005 جائزة للرواية والقصة القصيرة لها اليوم عدة فروع. وسرعان ما نجحت هذه الجائزة من حيث قيمتها المادية والرمزية في منافسة جوائز الدولة، العاجزة عن مواكبة تحولات الأدب المصري، إذ جمعت لجنة تحكيمها نقاد أدب وأساتذة جامعيين، لهم رصيد مهم من التقدير في الحقل الأدبي، وتاريخ من الاستقلالية النسبية، عن مؤسسات الثقافة الرسمية. بالإضافة إلى ذلك، كرّم فرع الجائزة المخصص لأدب الشباب أدباء لم يكونوا ليحلموا بأن يحصلوا على إحدى جوائز الدولة، حتى التشجيعية منها، قبل أن يتجاوزوا سن الخمسين أو الستين، كما أكّد ذلك مرة أخرى مؤتمر الرواية العربية، الذي نظمه المجلس الأعلى للثقافة، في فبراير 2008، الذي منحت جائزته للروائي إدوار الخراط، رغم عنوانه وبرنامجه المكرّسين لأدب الشباب، والإشاعات التي راجت عن تكريم أحد الكتاب الشباب، قبل أن يتضح أن هذه المؤسسة أعتق من أن تكرّس للأجيال الجديدة.

ساهمت “جائزة نجيب محفوظ”، التي أطلقتها دار نشر الجامعة الأمريكية سنة 1996، هي الأخرى، في ترسيخ قيم جمالية بديلة، إذ اختارت لجنة تحكيمها في دورتها الأخيرة رواية “الفاعل” لحمدي أبو جليل. وكان هذا الاختيار بالغ الرمزية، فهذا الروائي كسر هيبة الكاتب/السارد، بسخرية لاذعة وهو يحكي عن تجربته في”الفاعل”، “أحقر المهن وأصعبها على الإطلاق”، ويسخر في المقام الأول من طريقة تعامله مع هوياته المختلفة، خاصة مجهوده المستمر لإخفاء عمله في “الفاعل”، عن عائلته البدوية، وزملائه المثقّفين. وقد مزج أبو جليل بجرأة بين عامية “الفواعلية”، ولغة السرد الفصيحة، ليسخر من جماعة المثقفين، المتمسكة بالمظاهر الطبقية ويتحدى قيم لا زالت تحكم تعريف الروائيين والكتّاب لأنفسهم. وبالطبع لم تكن مثل هذه الرواية لتحوز على رضا القائمين على جوائز الدولة.

كما لعبت جائزة “البوكر العربي”، دورًا مهمًا في “إضعاف هيبة جوائز الدولة الثقافية، وتعدّد سلطات التقييم”. وهي إن منحت في دورتها الأولى، سنة 2008، إلى كاتب معترف به، في الحقل الأدبي المصري والعربي، هو الأديب “بهاء طاهر”، فإن لجنة تحكيمها لم تتردد في منحها في الدورة الثانية لصاحب رواية “عزازيل”، يوسف زيدان، الذي يصعب اعتباره من الكتاب المحترفين.

وقد شهد “سوق الأدب”، مؤخرًا، انتشار ممارسات احتكارية جديدة، فمما لا شك فيه أن كل دور النشر لا تمتلك نفس الإمكانيات، فيما يخص الدعاية والتوزيع، وأن القليل منها فحسب، ينجح في تحويل منجز روائي ما، إلى سلعة رابحة، أي إلى “بست سيلر”.

ـــــ

المصادر:

ريشار جاكمون ـ حوار “الشروق” 27 مارس 2009
ريشار جاكمون ـ بين كتبة وكتاب ـ دار المستقبل العربي 2004
صبري حافظـ “عمارة يعقوبيان” التبسيط السردي والخبرة السماعية وأدب التلسين السياسي
بير بورديو ـ قواعد الفن