بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

على أنغام السمسمية.. بورسعيد تحتفل بعيد النصر

“زي النهاردة من خمسين سنة.. أممنا قناتنا ودي أعظم قنا.. قالها جمال في المنشية… الميه ديه مصرية”. على أنغام السمسمية, وفي شارع أبو الحسن معقل السمسمية وأحد أقدم شوارع بورسعيد, ووسط حشد كبير من مختلف الأعمار والمشارب من أبناء تلك المدينة الصغيرة، احتفل أهل بورسعيد بمرور خمسين عاما على طرد العدوان الثلاثي من مدينتهم. صورة رائعة من التلاحم بين الجمهور والعازفين, في العيون تجد مزيجا غريبا من الفرح والانتماء. مجموعة من الأطفال لم يتعدى أكبرهم الثانية عشرة ولأول مرة، يعزفون السمسمية ويغنون أغاني المقاومة التي تربى عليها آبائهم. فرغم طوفان الاستهلاك وثقافة المنطقة الحرة ما زال هناك من يغني للوطن، ومن تراث الوطن. فهذا الجمهور الذي يغني على أوتار السمسية “زي النهاردة من خمسين سنة”، هم أبناء وأحفاد من غنوا منذ خمسين عاما “بلدي يا بلد الفدائيين .. بلدي يا بلد الثوريين .. بفخر بيكي في كل مكان .. واحلف بيكي ألف يمين”.

هذا العام واحتفال ذو طابع جديد

ولأول مرة، ومنذ أعوام, يتخذ الاحتفال طابعا شعبيا منظم, فتتبارى الأحزاب في الاحتفال بعيد النصر. فها هو حزب الوفد وقد أقام احتفالية كبرى في أحد أكبر القرى السياحية في المدينة ويدعو إليها رئيس حزب الوفد وقيادته في احتفال كبير يغنى فيه سمير الإسكندراني. و بينما يقيم الأخوان المسلمون احتفالهم في نقابة المحاميين، يقيم حزب التجمع في مقره احتفالا كبيرا يكرم فيه من تبقى من أبطال المقاومة. وبين هذا وذاك نجد الشركات والمصالح الحكومية وشركات القطاع الخاص وقد علقت لافتات التهاني في أغلب شوارع المدينة.

بنظرة مدققة, نجد أن الاحتفال رغم انحساره رسميا منذ سنوات, واقتصاره على احتفال تقليدي رسمي لا يسمن ولا يغنى من جوع, إلا أنه موجود وراسخ في قلوب أهالي بورسعيد. فكل عام، ومع احتفال المدينة بعيد شم النسيم، نجد أهالي المدينة كبارها قبل صغارها وقد أعدو “اللنبي” لإحراقه. و”اللنبي” هو دمية تمثل اللورد “اللنبي”، المندوب السامي البريطاني أثناء الاحتلال الإنجليزي لمصر, والذي لا زال أبناء بورسعيد حتى اليوم يحتفلون بإحراق دميته في شم النسيم. يحرقها الأطفال وهم يسمعون من الأهل حكايات المقاومة والفدائيين. وتصبح حكايات مثل قتل “ويليامز”، قائد المخابرات الإنجليزي, أو خطف مور هاوس ابن عمة ملكة إنجلترا، تصبح هذه الحكايات ذات تأثير كبير في عقول ووعي وخيال هؤلاء الصغار. وتصبح أسماء مثل سيد عسران، ومحمد مهران، وعلى وزنجير، وطاهر مسعد، ومحمد حمد الله، وأحمد هلال، وحسين عثمان، تصبح هذه الأسماء عندما يسمعها الطفل مصحوبة بما فعلوه من عمليات مقاومة كحائط صد أخير أمام طوفان العولمة ومسح الهوية.

أسماء أخرى لم نعرف عنها شئ, أدوار ضاعت ولم نسمع عنها. فعلوا ما فعلوه على اعتبار أنه واجب وطني, لم يسعوا يوما لشهرة أو لتكريم, لم يدخلوا الصراع الدائم بين الفصائل السياسية والتي تسعى كل منها لنسب النصر لنفسها.

في ميدان المنشية, وأمام معدية بورفؤاد, نجد مطبعة من أقدم مطابع بورسعيد، وهى مطبعة مخلوف، وقد علقت لافتة تقول: “مطبعة مخلوف تحيي روح المجاهد البطل مخلوف، الذي بدأ المقاومة ثم قادها، وطبع المنشورات، وأصدر جريدة الانتصار عام 56 واعتقل وعذب وحطمت مطبعته ولم يكرمه أحد”.

كان مخلوف بالفعل مسؤول عن طبع المنشورات الحماسية ومطبوعات المقاومة مثل الهاتاشاما. كما أصدر أول جريدة بعد النصر، وهى جريدة الانتصار.

ومثل مخلوف أسماء أخرى قاومت وحاربت ولم يسمع عنها أحد, مئات الرجال لم يتركوا المدينة ليدافعوا عنها, مئات الشباب عادوا من الهجرة للاشتراك في المقاومة والدفاع عن مدينتهم. وحتى الآن ما زال المدفع الآلي الروسي الصغير يسمى في سوق السلاح وفى الجيش المصري “الآلي البورسعيدى”.

شباب بورسعيد واحتفال خاص

ووسط كل هذا نجد من يأتي ليتكلم في التلفزيون ويقول إن بورسعيد لم تقاوم, ومن العار أن نقول إن بورسعيد تغلبت على العدوان الثلاثي، وينسب خروج العدوان للإنذار الروسي الذي أصدره الاتحاد السوفيتي لإنجلترا وفرنسا، ولعدم موافقة الولايات المتحدة على العدوان.

وبينما نجد فصائل اليساريين في المدينة ينسبون المقاومة والنصر لرفاقهم القدامى من الشيوعيين, مؤكدين أنهم كانوا المسؤولين عن تنظيم مجموعات المقاومة. نجد الأخوان المسلمون وقد ارجعوا النصر لهم ولخلاياهم الموجودة في بورسعيد منذ عام 1951 حينما كانوا يقاومون الإنجليز في منطقة القناة.

ووسط تلك الصراعات , نجد أن الحلم ما زال موجودا, وأن روح الصمود والمقاومة ما زالت موجودة ترفرف فوق مجموعة من الأيادي الشابة التي تلاقت في حب تلك المدينة الرائعة وعشق تاريخها. مجموعة من أبناء بورسعيد وعشاقها يقيمون موقعا باسمها على النت يضم كافة المعلومات عن بورسعيد وتاريخها. هؤلاء الشباب تجمعوا يوم 23 ديسمبر وبعيدا عن أي إشراف حكومي أو حزبي ليقيموا معرض “بورسعيد أبيض وأسود” يعرضون فيه صورا من تاريخ بورسعيد بالإضافة لمجموعة نادرة جدا من صور المقاومة. هؤلاء الشباب ابتعدوا عن إغراءات الأحزاب وروتين الحكومة وحملوا معرضهم على أكتافهم ليطوفوا به أرجاء بورسعيد, من المدارس للجامعات, ومن قاعات المكتبات إلي قاعات قصر الثقافة, حتى شاطئ البحر لم يتركوه. وكانت الخطوة الكبرى عندما عرضوا معرضهم في الشارع لتستيقظ بورسعيد على مجموعة من أبنائها وقد عرضوا تاريخ بورسعيد للشارع وليحقق المعرض نسبة مشاهدة لم يحققها معرض مصري قبل ذلك.

خمسة عقود مرت على انتصار 56 منها 3 عقود عاشتها بورسعيد تحت رحمة المنطقة الحرة وما صاحبها من طمس وتشويه لكل ما هو جميل وأصيل في تلك المدينة. إلا أنها ورغم كل ذلك ما زالت تلك المدينة العتيقة , التي تحضن حي الأفرنج كما تحتضن حي العرب, وما زالت تحمل بقايا عبق مدينة متعددة الأجناس جمعت على أرضها يوما خليطا متباينا ومتماسكا من الثقافات. نفس هؤلاء الذين قاوموا الاحتلال هم من كانوا يحتفلون مع الجاليات اليونانية والإيطالية والفرنسية بأعيادهم القومية. رغم كل شئ ما زالت بورسعيد هي تلك الفاتنة على شاطئ المتوسط, تجاهلها كثيرون, ويغازلها الكثيرون, ولكن يبقى قبل هذا وذاك أبناء وعشاق تعرفهم ويعرفونها, عشاق لا يعرفون شئ عن السياسة والسياسيين.

عشاق احتفلوا على طريقتهم الخاصة واحتفل معهم آلاف من أبناء المدينة في مظاهرة حب لم تعرفها الشوارع المصرية من قبل.