بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

فن وأدب

عندما تكون أبا لمليونيرات من عينة "عماد" و"عمرو" و"عادل".. فأنت تستحق تكريما يتكلف فقط 50 مليون جنيه

البيبي دول.. ليلة “ساخنة” انتاجيا “باردة” فنيا

من المعروف أن الحدث السياسي كثيراً ما يفرض تأثيره على الإنتاج الفني في حقبة زمنية ما، وصناعة السينما بطابعها التجاري هي أحد أكثر الفنون استغلالاً للأحداث السياسية في الدراما الداخلة في صناعتها. والأمثلة على ذلك كثيرة، ففي الصراع السياسي بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة ظهر العديد من الأفلام السينمائية التي لاقت نجاحاً تجارياً كبيراً منها سلسلة أفلام جيمس بوند، وفى حدث مثل حرب فيتنام نجد فيلماً مثل «نهاية العالم الآن» لفرانسيس فورد كوبولا الذي حصل به على السعفة الذهبية لمهرجان كان في عام 1979 وعلى أوسكار أحسن سيناريو وأحسن صوت في عام 1980 . إن الأفلام التي تسعى لأن تستغل الأحداث السياسية في مادتها السينمائية كثيرة في تاريخ السينما، غير أن القليل منها جداًُ ما يمنحه الجمهور تقدير أو ما تمنحه المهرجانات جوائز.الأحداث السياسة في العالم العربي في السنوات العشرة الماضية كانت متتابعة وربما بعض الشيء على درجة من الترابط. لعل أهمها ما يحدث بشكل يومي ثابت في كل من فلسطين والعراق الأمر الذي وضع هذه القضايا في بؤرة اهتمام عدد من المخرجين في العالم فمثلاً نجد المخرج والممثل الكوميدي الايطالي روبرتو بنينى يقدم منذ ثلاثة أعوام فيلمه «نمر تحت الثلج» الذي تناول فيه الحرب على العراق من خلال شاعر إيطالي يتلقى مكالمة من شاعر عراقي صديق بأن طليقة الأول المتطوعة في الصليب الأحمر أصيبت في الغزو الأمريكي على العراق والفيلم تدور أحداثه في خليط من الرومانسية والكوميديا في العراق بعد 9 ابريل عام 2003 في رحلة إنقاذ الشاعر لرفيقة عمره (السابقة والتي مازال يحبها).

الفيلم حصل على العديد من الجوائز المحلية في ايطاليا لكنه لم يصل إلى المرتبة العالمية، المهم في الفيلم أنه لم يتقاطع مع السياسة إنما فقط كانت الأحداث السياسية تمثل مناخاً عاماً لدراما الفيلم.في مصر قدم المخرج والسيناريست محمد أمين منذ 3 أعوام فيلمه ليلة سقوط بغداد بطولة الممثل الكوميدي الصاعد وقتها أحمد عيد والفيلم يقدم في إطار كوميدي أقرب إلى الفنتازيا هواجس ناظر مدرسة ثانوية يخشى أن تتحول الولايات المتحدة بعد ضرب العراق لتنقض على مصر مما يدفعه للبحث والاستعانة بأكثر التلاميذ ذكاءاً وتفوقا في العلوم ليخترع سلاح ردع يواجه به الغزو. الفيلم اعتمد على خليط من السياسة والسخرية وهى التي تتحكم في الدراما وبالتالي فالفيلم جاء ممتعاً في أجزائه الكوميدية أما المضمون القوى المختلط بالسياسة فهو في الأساس أقرب لأفكار مراهق متحمس قليل التعمق ولكن لديه الجرأة والاندفاع لأن يكون موقفا دون أن يدرى ما هي التفاصيل أو المبررات لهذا الموقف.والعام الماضي قدم المخرج خالد يوسف فيلم «حين ميسرة» مقترباً من الحرب على العراق باعتبارها مناخا سياسياً عاما مصاحباً للفيلم ومن الممكن أن تتقاطع مع الدراما في بعض الأحيان عن طريق الخط الدرامي لشقيق البطل الذي يعمل في العراق ونكتشف في النهاية أن رجال أمن الدولة يبحثون عنه لأنه من أعضاء تنظيم القاعدة في العراق ويسعى لإنشاء خلية للقاعدة في القاهرة.أما الآن ففيلم «ليلة البيبى دول» الذي يعرض حاليا في دور العرض والذي كلفته شركة جود نيوز رقم يقترب من ال50 مليون جنيه مصري لإنتاج آخر سيناريوهات الكاتب الراحل عبد الحي أديب (والد رئيس مجلس إدارة الشركة المنتجة -الإعلامي عماد أديب) ويخرجه الابن الأصغر عادل أديب هو أحدث الأفلام المصرية التي اقتربت من الأحداث السياسية في منطقة الشرق الأوسط.الفيلم يستند في مرجعيته على الربط السياسي بين ما حدث في 11 سبتمبر 2001 وغزو العراق وتفجر الصراع في فلسطين بعد 28 سبتمبر 2000، هذه الفكرة في ربط الإحداث السياسية في الشرق الأوسط بعضها ببعض لم تكن جديدة من الناحية النظرية فالعديد من الكتاب السياسيين يسعون في تحليلاتهم السياسية إلى الربط بين خريطة المنطقة ونقاط الصراع عليها. ولعل هذا التناول في مجال السينما لم يكن الأول بل سبقه بعدة أعوام فيلم سريانا الذي أخرجه عام 2005 ستيفن جاجهان وقام ببطولته نخبة من نجوم هوليوود منهم جورج كلونى ومات ديمون وكريستوفر بلامر وشارك في التمثيل عمرو واكد. الفيلم حصل على عدد من الجوائز منها أوسكار أفضل ممثل مساعد لجورج كلونى. و الفيلم يتماس مع فيلم ليلة البيبى دول في كثرة النجوم المشاركة وأيضا في تقنية السيناريو المتقاطعة في أكثر من خط درامي.ففي ليلة البيبى دول سعى الراحل عبد الحي أديب لأن يقدم أحداث تمر بأبطالها في ليلة واحد هي ليلة رأس السنة التي يحتفل بها العالم كله بغض النظر عن دينه أو عرقه. لم يستهلك أديب ( السيناريست الراحل) والمخرج عادل أديب وقتاً في التمهيد لمعرفة الشخصيات أو أبعادها إنما هو يسعى منذ المشاهد الأولى للوصول إلى نقطة البداية السياسية – من وجهة نظره- التي بلا شك تأثرت بالإعلام الأمريكي على مر السنوات الماضية: فالبداية بالنسبة له كانت 11 سبتمبر وهى التي يقفز بها في وجه الأحداث بعد أن يصور لنا بطل الفيلم حسام (محمود عبد العزيز) وهو رجل يعمل في نيويورك. وينزل من شقته في هذا اليوم نهاية 2007 وليلة رأس سنة 2008 لينتقل بنا الفيلم فلاش باك إلى أحداث 11 سبتمبر أي قبل ذلك ب6 سنوات لحظة سقوط البرجين وهلع كل من كانوا في الشارع وقت الحدث. لا يعلم المشاهد لماذا تذكر فجأة ذلك لحظة خروجه من المنزل هل معنى هذا أنه في كل يوم يهبط فيه من الشقة طيلة الأعوام ال7 يتذكر ذلك المشهد؟ تقنية الفلاش باك هي تقنية تقليدية يستغلها المخرج في العادة للخروج من الإطار الزمني المحدود للفيلم وهو يوم واحد. لذلك فإن المشاهد عندما يتعرف على سارة شرودر (ليلى علوى) النشطة في مجال السلام والتي ترأس الوفد الأمريكي الذي يزور القاهرة ليلة رأس السنة والذي سيعقد ندوة عن السلام في الشرق الأوسط فإنه يتعرف من خلال أحد حواراتها مع حسام على قصتها -التي هي بلا شك قصة تقليدية غير مبتكرة – فأمها هربت من الهولوكوست وهى طفلة، ذات 4 أعوام تقريباً، بعد أن قتل ضابط نازي والديها (جدا سارة). غير أن سارة ليست اليهودية التقليدية في السينما العربية- ليست صهيونية إنما هي ما قد يسعى المؤلف والمخرج لأن تكون العنصر الصحيح سياسياً: أمريكية يهودية الديانة والأهم أنها ترتبط بعلاقة حب برجل الأعمال وعضو مجلس الشعب عزمي (عزت أبو عوف) وهو خال حسام، وهو فقط يهتم بالأعمال على حساب أي شيء آخر وليس لديه أي مبدأ.السياسة في الفيلم تبدو شديدة التسطيح والذي يساعدها على ذلك كثرة استخدام المخرج لتقنية الفلاش باك لتخلق مبررات شخصية للمواقف السياسية لأبطال الفيلم: فسارة كأي يهودية في العالم تصر وتؤكد على أحقية إسرائيل في العيش لما تحتويه ذاكرتها من مشهد هروب جدها وجدتها وأمها الطفلة من معسكر الاعتقال النازي ثم مقتل الجدين وهروب الأم، غير أن سارة تحمل على الجانب الآخر تعاطفاً مع الفلسطينيين فهي لا تنفى أحقيتهم في العودة وقيام دولة فلسطين.

فأولاً الإرهابي عوضين (نور الشريف) الذي يسعى لنسف الفندق الذي ينزل فيه الوفد الأمريكي يسعى لذلك انتقاما لما حدث له في العراق عندما كان يعمل مصاحباً لمراسلين صحفيين ويقبض عليه ويمر بتجربة قاسية في سجن أبو غريب تلك التي تفقده رجولته تماما، وهذا هو المبرر الدرامي لعوضين ليستهدف المدنيين الأمريكيين في مصر. المدهش في الفيلم هي الصدفة التي تجعل من المسئول عن سجن أبو غريب الجنرال بيتر (جميل راتب) ضيفاً من ضمن الوفد الأمريكي المشارك في ندوة السلام. وثانياً سائق التاكسي شكري (جمال سليمان) الذي هو نصف سوري ونصف مصري ودرس في مصر طول حياته وشارك في حركات ومظاهرات ضد الحكومة ولم يستطع الحصول على عمل فعمل سائق تاكسي العاصمة، شكري الذي يساعد عوضين على القيام بعمله ومبرر ذلك هو فلاش باك لمظاهرة شارك فيها بالصدفة بدأت على سلالم نقابة الصحفيين وضرب فيها من الأمن المركزي مما أصابه في وجهه بندبة.حسام أحياناً يلقى بخطب عصماء في مواجهة سارة وبالأخص في الندوة التي أقيمت في الفندق ومرجعية ذلك مشهدين فلاش باك لصديقته الفلسطينية (نيكول سابا) التي قتل أخاها على يد الإسرائيليين فحاولت أن تنتقم هي وصديق لها باغتيال أحد السياسيين الإسرائيليين وانفجرت سيارتها وشوهت وهجمت عليها قوات إسرائيلية أثناء احتمائها في كنيسة المهد في بيت لحم وانتهى المشهد- بشكل عبثي- بمقتلها مع صديقها . الأحداث التي واجهت الفتاة الفلسطينية تتماس في الواقع مع أحداث هروب بعض مسلحين فلسطينيين في ابريل عام 2002 للاحتماء في كنيسة المهد بعد العديد من المعارك مع القوات الإسرائيلية.

الخط الدرامي الأهم فنياً وهو الأقرب للكوميديا الفانتازية هو محاولة حسام للقيام بالانفراد بزوجته سميحة (سلاف فواخرجى) بعد أن تم علاجه من العقم في أمريكا ويستطيع الآن أن ينجب غير أن الصدف وحدها هي التي تفشل محاولتهم تلك لتنتهي الليلة ويسافر في الصباح إلى أمريكا ليقيم فيها سنة مرة أخرى مجدداً.أراد أبناء عبد الحي أديب (بما فيهم المذيع اللامع عمرو أديب الذي يظهر في أول الفيلم وآخره -مشاركة بدون مبرر درامي مباشر) تكريم والدهم بعمل فيلمه الأخير إنتاجا ضخماًُ يحتوى على العديد من الأفكار السياسية والأحداث التاريخية الحديثة وبمشاركة كوكبة من نجوم العالم العربي. غير أن الفيلم بدا في النهاية خاوياً من كل شيء: العمق السياسي، وحبكة، والمنطق. الشيء الوحيد في الفيلم القابل للمشاهدة باستمتاع هو الدور الذي قام به الممثل الناشئ أحمد مكي وهو دور زغلول سائق التاكسي «العادي» الفقير ذو السنة المعدنية والخواتم الكثيرة والذي يستمع لشعبان عبد الرحيم.