بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الأدب في مصر الآن

نشرت “أوراق اشتراكية” (العدد الثاني عشر ـ يناير/ فبراير 2006) مقالة عن أدب التسعينات تطرح أن هناك أدباً جديداً يبحث لنفسه عن مكان اليوم، متأثراً بخبرة السنوات الماضية وحراكها السياسي، ومتجاوزاً لتجربة التسعينات.. د. عبد الحكم سليمان يشتبك مع هذا الطرح، رافضاً لمنطقه، وكاشفاً عن التعدد القائم في التجارب الأدبية اليوم، ومؤكداً على استمرار تجربة التسعينات حتى اللحظة الراهنة، وداعياً في النهاية إلى تلقي هذا الأدب باحترام بصرف النظر عما يعبر عنه من قيم مباشرة..

ليس مهماً أننى لا أتفق فى الرأي مع معظم ما جاء في “أوراق اشتراكية” فى عدد سابق: “أدب التسعينات يبدأ رحلة النهاية”، ولكن المهم هو فتح نقاش حول ظاهرة الأدب فى مصر الآن. فالأدب هو فن آداته اللغة. والفن هو الإدراك الحدسي للواقع، إدراك قابل للانتقال ـ رغم ذاتيته ـ من شخص لآخر عبر وسيلة هي هنا اللغة في شكل رواية وقصة وشعر. والإدراك الحدسي هو نوع معين من الإدراك يمارسه الذهن من خلال لعبه وظنونه وهواجسه ومخاوفه وتأملاته وغيرها من مئات الأماكن في الذهن الانساني، إلا تلك الأماكن الواقعة تحت سيطرة المنطق والقياس العقلي والأخلاق والذوق. إنه الطفولة، والتمرد، والغرائز ضد المسئولية، والنظام والتنميط. وهو فى مستوى الممارسة، قدرة المبدع على نقل حالة ما لمتلقي في شكل نصوص لها أنواع أدبية. وليس جديداً في هذا المقام التأكيد على أن فنون الأدب تختلف عن كتابة المقال، الذي يقوم على القدرة على نقل موقف عن طريق الإقناع المنطقي والحجج والغرض المستوفي للمواقف الأخرى وتفنيدها.

خصوصية المجال الأدبي

ومثل كل نشاط إنساني يتطور الأدب عن طريق الصراع بين قوى التجديد وقوى المحافظة، حتى أنه يمكن إعتبار المجال الأدبي ساحة حرب حقيقية بين نصوص تتقاطع، وتتداخل، وتتجاور، وتتضامن، وتنفي بعضها بعضاً. فكل نص يعيش في عالم من النصوص، ويعي بالضرورة كل أو معظم تاريخ الجنس الأدبي الذي ينتمي إليه. هكذا تتطور الأشكال القابلة للحياة، وتموت الأجناس الغير قابلة للتطور، وتولد أجناس جديدة كل الجدة.

ويبدو لى أن هذا المجال الأدبي مجال مفتوح تماماً، لا تستطيع أية سلطة فرض نفوذها داخله، أو إملاء شروطها عليه بما فى ذلك السلطة السياسية. ولعل هذا هو مصدر حساسيته الفائقة للتغيرات الاجتماعية الداخلية، والتأثيرات الإقليمية والخارجية. فدائماً ما يوجد من يريد أن يعبر عن ذاته من دون دعوة أو تشجيع. ودائماً ما يوجد من يريد أن يقرأ ليشعر أنه ليس وحيداً، حتى لو حدث ذلك على مستوى تجمعات صغيرة. يحدث التدخل عندما ترتفع تلك الأصوات عن مستوى معين يهدد استقرار النظام الثقافي، ويكون حظر النشر والإقصاء، وتشويه صورة الجديد في مرحله أولى، ثم يكون السماح المحدود أو الاحتواء في مرحلة تالية. وطبعاً سلوك المبدعين الشخصي له دور هام هنا. فالملاحظ أن (معظم) المبدعين ينقلبون سريعاً من التمرد والتجديد والمغامرة إلى المحافظة والتكلس. هل نقول إن عدم وجود حركة اجتماعية تدعم هذا التطوير وتشجعه له دور. ربما، ولكن الأكيد هو أن المغامرة والانفلات لهما مكانة أدنى من الرغبة في الصعود الطبقي والارتقاء الاجتماعي في نفسية معظم مثقفينا، على الاقل فيما قبل العشرة سنوات الأخيرة.

نظرية “المجايلة”

والنتيجة المباشرة لهذا الصراع المستمر هي مجموعة من الظواهر التي تم تفسيرها بنظرية المجايلة. كل جيل عشرة سنوات، وعلينا أن نبحث له صفات تميزه عن السابق واللاحق. والمصيبة هي محاولة إيجاد خلفية اقتصادية سياسية لهذه الاختلافات، كما حاول المقال الذي سبق وأشرت إليه عندما أسند اهمية كتلك للحادي عشر من سبتمبر.

فى الحقيقة لا تحدث تلك الانقلابات الاجتماعية بهذه الوتيرة على الإطلاق. ولكن يبدو لي أن هناك جيلين يمكن الاشارة إليهما بعين الاعتبار، وهما السبعينيات والتسعينيات. شكلت الأولى نهاية مرحلة كبيرة، وتمثل الثانية بداية مرحلة أخرى، امتدت للحظة الراهنة، وربما لمستقبل غير منظور. والسمة الأساسية الفارقة لأدب اللحظة الراهنة من وجهة نظري هي التعدد. فبالإضافة إلى قصيدة النثر الت] تتصدر المشهد الشعري الآن، مازالت هناك قصائد التفعيلة، وهي التي كانت تتصدر المشهد في السابق. وربما يوجد على استحياء بعض الشعر العمودي. على كل حال، انسحب الشعر عموماً فى اللحظة الراهنة لصالح ما أصبح يعرف باسم الانفجار الروائي في مصر. فقد اتسع مجال السرد ليشمل كل شىء من الخيال العلمى إلى الفانتازيا إلى الرواية بشكلها التقليدي. والملاحظ هنا أن عدداً ممن بدأوا شعراء انتقلوا إلى كتابة الرواية مثل ياسر عبد اللطيف وشحاته العريان. أما القصة القصيرة فحدث بلا حرج، من حيث كثرة أنماطها والملاحظ هنا أن ثلاثة ممن يقيمون خارج مصر مالوا لهذا الشكل هم هيثم الورداني، وحسام فخر، ووائل عشري. وتمت كتابة معظم الحوارات بالعامية القاهرية فى الثلاث حالات. أضف إلى ذلك بزوغ شكل أدبي جديد أصبح يعرف باسم النص المفتوح مثل خارج الكتابة لإبراهيم داود وطرف غائب لعلاء خالد.

أعتقد أن سمة التعدد هي النهاية الواقعية لفكرة المجايلة، حيث لم يعد ممكنا الإشارة إلى جيل. وإنما الممكن الوحيد في إطار تعددية الأشكال وعملها جميعاً معاً، هو الكلام عن اتجاهات عامة تسود شكل ما من أشكال الأدب فى لحظة ما، حيث إن عدداً لا بأس به من جيل السبعينات، مازال يعمل بكفاءة تحت الشروط الجديدة، مثل محمد المخزنجي وحلمي سالم وغيرهما الكثير.

تغير موقع ذات المبدع من العالم

هذا من ناحية وصفية بحتة. أما من ناحية المضمون، فنجد سمة فارقة لأدب اللحظة الراهنة، وهي من وجهة نظري تغير موقع ذات الكاتب تجاه العالم. فذهب إلى غير رجعة ذلك النبي ـ المهزوم أو المنتصر ـ لصالح ذات إنسانية عادية تكتب عما تلمسه وتحسه، ذات عادية لا هي روح العالم، ولا هي مسئولة عن الجمال والذوق الرفيع، ولا هي حارسة لكهنوت الأدب وسلامة لغته وامتلاك أسراره، ولا هي أكثر وعياً بخصوصية حضارية فارقة من متلقي منتظر لفيض البرج العاجي. وعليه (هذا المتلقي) أن يلوم نفسه لجهله. طبعاً أزعج هذا التبدل في موقع ذات المبدع العديدين، فقالوا عن أدب اللحظة الراهنة أنه أدب مراحيض وحذاءي وطني واللغة المومس كما ردد المقال الذي أشرت إليه.

لقد أصبح المبدع يكتب عن ذاته مباشرة، لا عن تصوره عن تلك الذات. أصبح يمارس نفاذيته تجاه العالم لا عن مكانته فيه. أصبح يكتب عن خيباته وضياعه وعدم فهمه وعدم تحققه في حياة تتجاوز كل ما هو إنساني وفق التنظيم الراهن للعالم. أخيراً، هل علينا أن نبحث عن مبررات لهذه التغيرات مثل انهيار الأمة والانفتاح وأسلوب الحياة الغربي؟ هل نتكلم عن وديع سعادة في “على الأرجح بسبب غيمة” أو عن ميلان كونديرا في “خفة الكائن” كمؤثرات ممكنة؟ كل ذلك ممكن. ولكن ما أدعو إليه هو إعادة تلقي أدب اللحظة الراهنة باحترام وتواضع، بصرف النظر عما إذا كانت له قيمة مباشرة أم لا.