بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الفنانون كسلع داجنة!

هل يمكن أن يكون الفنان محايداً في المعركة الطبقية؟ وهل هناك إمكانية لتحرر حقيقي للفن في ظل الرأسمالية؟ خالد الصاوي يرصد تاريخ العلاقة بين الفن والسلطة في مصر منذ مطلع القرن العشرين في محاولة للإجابة على هذه الأسئلة.

الرأسمالية هي فن الاستيلاء “القانوني” على العالم وتحويله لسلع، حطمت الإقطاع ولكنها لم تحرر البشرية لأنها استحدثت نظامها الخاص للاستغلال والقمع، الذي هو أكثر لؤماً وفجراً، طورت الإنتاج والتكنولوجيا مفجرة دماء البشر، وألقت بالإنسان الى حياة ميكانيكية مليئة بالاغتراب والعبث والانحطاط الروحي. ولهذا نعاديها كلّ في موقعه، يعاديها اليوم عالمياً ملايين العمال والفلاحين والطلبة والمهنيين والفنانين مع ملايين الفقراء والمضطهدين والمهمشين والمعطلين عن العمل، فالمعركة بين القلة المترفة التي تحكم العالم والأغلبية المحرومة التي تصنع ـ وياللعجب ـ ثروات العالم تدق كل باب.

والفنانون ككافة الأجراء متورطون شاءوا أم أبوا في المعركة بين رأس المال والعمل المأجور، قد ينتقلون حين يصبحون نجوماً من معسكر الجماهير إلى معسكر الطبقة الحاكمة لكنهم لا يخرجون أبداً من دائرة الصراع مهما ابتلعوا الوهم الحيادي، فككل مواطن، إما أن يكون الفنان منتجاً لثروة الملاك ومستغَلاً بالتالي، أو لا يكون مصدر استثمار براق فيصبح عبئاً إنفاقياً يتحتم على الرأسمالي اختصاره ما استطاع.

بالنسبة للرأسمالي ليس الفن والثقافة والتربية قيماً جوهرية إلا حينما تمثل مصدراً للإثراء، ولو استطاع لخصخص جميع المستشفيات ودور العبادة والمتاحف والمكتبات ودور الفن. لم تتحرك لدونالد رمسفيلد شعرة واحدة عند السطو على جزء كبير من التراث الثقافي للانسانية في العراق، لأنه لا يؤمن بالتراث الجماعي وإنما فقط بالملكية الخاصة. فلماذا تترك تلك التماثيل لتهترئ في المتاحف في بغداد في حين يمكن أن تستخدم من أجل الربح من طرف تاجر ماهر في نيويورك؟! هذه هي مبادئ السوق ومكونات الديمقراطية! ففي عالم يعاني فيه 35 مليون شخص من المجاعة تتم رشوة الفلاحين في الغرب للكف عن الانتاج لأنه يوجد فائض في الحبوب واللحوم والحليب!

تاريخ سري
إذا تساءلت اليوم لماذا الفنانون جبناء في مواجهة السلطة ومداهنون لها؟ فلا تظن أن الحال كانت هكذا دائماً في مصر، لقد شهد مطلع القرن العشرين تمرد المسرح المصري ـ رغم تخلفه الفني ـ ولم يتم تدجينه إلا عبر عملية مركبة من تدخل السلطة ورأس المال في تكوينه. ففنانو مطلع القرن العشرين لم يكونوا جميعاً أشخاصاً تافهين خانعين.

مسرحية “عرابي باشا” عام 1900 تثير الشغب في تياترو أبي خليل القباني، والحكومة تمنعها وتمنع حسن مرعي من التمثيل مطلقاً عام 1909 لأنه مثلها هي ومسرحية دنشواي. ومنعت الحكومة أيضاً مسرحية “في سبيل الاستقلال” تأليف ابراهيم النجار وتقديم جوقة عزيز عيد. كما منعت السلطة مسرحية “شهداء الوطنية” عام 1906، وتدخلت الشرطة في عام 1909 لتمنع تمثيلها بالتياترو المصري من تقديم جوقة إسكندر فرح. فتحدى الممثلون السلطة وقدمتها شركة التمثيل العربي بعد أسبوعين، وفي رواية “العواطف الشريفة” يصرخ الممثل في حضور الخديوي: “لا تغتري بالرتب والنياشين فقد أصبحت هذه الأيام كالسلع تباع في الأسواق!”.

وفي عام 1910 توجه مأمور القسم ومعه 20 جندياً للتياترو المصري الذي يقدم عرض نقولا كارتر لمراقبة المسرحية ولمنع الممثلين من إلقاء الخطب المهيجة للجمهور. ويرتجل إمام افندي العبد خطبة في تمجيد الحرية بين الفصلين الثالث والرابع بمسرحية “ضحايا الجهل” لإسكندر فرح فيوقفه المأمور ويصادر قصيدة كان ينوي قراءتها ويصرف جنوده الجمهور ويطفئون الأنوار ويأخذ المأمور إمام افندي ورئيس جوقة التمثيل ليعمل لهما محضراً بالواقعة.

وفي عام 1910 أيضاً أشار حسن كامل زجلاً إلى مصطفى كامل فهيج المشاعر فهاجم البوليس التياترو وأغلقه. وفي خضم الجدل الدائر حول المرأة وهل يصح لها ارتياد المسارح للفرجة، تكونت فرقة من الممثلات فقط ـ جوقة السيدات ـ قدمت عروضها خلال الفترة ما بين عامي 1910 و1914.

وتكررت المناوشات فصدرت لائحة التياترات عام 1911 لتقبض على رقاب المبدعين وهي اللائحة التي لا زال يحكمنا روحها حتى هذه اللحظة. لقد هبت الدولة المنافقة ضد “تهديد الفن للقيم” بينما كانت وقتها تبيح الدعارة!

مولد الجبن مع جهاز الرقابة
لا يمكن اتهام الرأسمالية المصرية وحدها بمصادرة الأفكار والفنون، فذلك شأن كل دولة استغلال من المجتمع العبودي حتى اليوم، ولكن الرأسمالية، دون بقية نظم الاستغلال، هي التي تضطهد الفن والفكر تحت راية الحرية! حدث هذا في أوروبا وأمريكا خلال القرن التاسع عشر واستورده بالتالي النظام الرأسمالي المصري الوليد في مطلع القرن العشرين.

ففي عام 1913 أصبحت رقابة الصحافة والمسرح والسينما ملكاً لوزارة الداخلية تحت إشراف إدارة الأمن العام!! كانت الرأسمالية المصرية تتبلور على خلفيتها الإقطاعية المتخلفة من جهة وعلى أرضية النفاق الوضيع الذي يجعلها تهادن الاستعمار وتتملق الجماهير معاً، ولهذا سلعت الفن والفكر ودست في بنيانهما سموم الرقابة على كل فكرة متمردة، وصدرت لائحة الرقابة عام 1928 وتم إنشاء لجنة تضم المدير العام لقسم التفتيش بالداخلية “رئيساً” وانتدب للجنة توفيق الحكيم ـ وهو من أكثر المثقفين العرب دفاعاً عن حرية الإبداع ـ بصفته مدير إدارة التحقيقات بوزارة المعارف! ثم انتقلت الرقابة بعد فترة من وزارة الداخلية إلي وزارة الشئون الاجتماعية واشتد الصراع بين الوزارتين حتى آلت مهمة مصادرة الأفكار لوزارة الإرشاد القومي في 1952 حيث أصبحت الرقابة تابعة لمصلحة الفنون التي كان يرأسها الكاتب الكبير يحيى حقي!

خمسون عاماً بين رأسمالية الدولة والليبرالية الجديدة
ليست السلطة السياسية وحدها التي تشرد وتغتال، فالمثقفون أيضاً يمارسون الشيء نفسه رغم التحرق الظاهري للعدل والحرية. فتيارات الثقافة العربية المعاصرة قاطبة شاركت في هذا الإثم المتكرر ضد قضية الحرية فتضيق بالتسامح وتنفر من التعايش السلمي بين الأفكار، وكل تيار لديه الاستعداد أن يخون التيار الآخر مع السلطة في أقرب سانحة لتصفية الآخر وإن بأساليب منحطة.

لقد كُتب المسرح المصري مثلاً بعد “الثورة” من وجهة نظر واحدة فسقط منه مبدعون لم يكونوا على وفاق مع السلطة ولا مع مثقفي تلك المرحلة، الذين وصل بعضهم للمناصب الثقافية الكبرى، فأحاطوا أنفسهم برجالهم وأبعدوا العناصر المستقلة بوسائل شتى. وصُرفت أموال المؤسسات الثقافية بطرق غامضة، وتعلم الفنانون فنون مداهنة السلطة وخرجت الأفواه التي رضيت بالعار لسنين طويلة لتتنبأ بالثورة بعد وقوعها! وتتكرر في كل اللجان والمؤسسات الفكرية والثقافية نفس الأسماء والألوان حتى الآن.

وجرى طوال عصري السادات ومبارك التبشير بالرأسمالية بينما تقلصت تباعاً الاعتمادات النسبية لإنتاج الثقافة والفنون، وألقي بالفنانين بين مطرقة الرقابة ـ السياسية بالذات ـ وسندان القطاع الخاص، الذي يستمتع بشفط دماء من يعملون به من كافة المأجورين ما عدا النجوم طبعاً، وإن بقوا خاضعين في غالبيتهم العظمى للسلطة السياسية.

ترى كيف يمكننا الآن أن نرى مسرحاً شجاعاً كما حدث في مطلع القرن العشرين؟ ومن أين سيخرج؟ من المسرح التابع للدولة أم من المسرح التابع لمنطق الربح المجرد؟ وهل فعلاً يستطيع هذا النظام رعاية الفن والفنانين؟

أسست السوق المسرحية انتعاشها طوال عصري السادات ومبارك على ركائز محددة: اللعب في المسموح، البهارات المسرحية المبتذلة، استجداء المشاهدين الخليجيين والمصريين العائدين من الخارج في الصيف (هذا طبعاً باستثناء عروض نادرة تنجح عكس التيار). وهكذا يولد الفنان بالسوق ونصب عينيه هدف محدد: أن يكون سلعة داجنة في يد منتجين يقودونه هو والإنتاج إلى الهاوية.

نظرة على المسرح المصري الآن
برغم عبودية مقاولي المسرح لجيوب الجمهور ـ بل ولهذا السبب بعينه ربما ـ ولأنه نظام رأسمالي متخلف، يشهد المسرح المصري الآن تراجعاً شديداً في الإيرادات وانحسار الجماهير عنه وهو ما اضطر بعض فرق القطاع الخاص لإغلاق أبوابها ثلاثة وأربعة أيام أسبوعياً لتقليل حجم الخسائر. بعض المسرحيين أكدوا أن سبب هذه الأزمة هو ارتفاع أسعار التذاكر التي تتراوح ما بين خمسين ومئتي جنيه في ظل أزمة السيولة التي يعاني منها الاقتصاد المصري، وتغلق أكثر من فرقة تضم نجوما كباراً أبوابها في عز الموسم. وشملت الأزمة أيضاً مسرح الدولة. ويعلق المخرج الكبير سمير العصفوري في أحد الحوارات الصحفية على أزمة الإيرادات قائلاً: “إن المسرح الخاص تحديداً لابد أن يعيد حساباته في التعامل مع الجمهور ولابد أن يعتمد في المقام الأول على الجمهور المصري العادي، لأن الاعتماد على السياحة العربية والمصريين العائدين من الخارج أثبت فشله خلال السنوات الماضية ولابد أن يتكاتف الفنانون مع المنتجين لتخفيض الأجور، وأعتقد أنه قد آن الأوان لكي يتصالح الفنانون مع جمهور المسرح الحقيقي لأن هذا الجمهور لا يستطيع أن يدفع ثمن التذكرة في المسرح الخاص في ظل أزمة السيولة والدروس الخصوصية وارتفاع أسعار السلع الأساسية”.

السينما المصرية تحقق أعلي إيراداتها ولكن..
هناك على النقيض انتعاش شهدته السينما المصرية خلال عامي 2005 و2006 بعدما كادت تلقى حتفها في التسعينيات فأنقذتها “السينما الشبابية” التي أسالت لعاب مقاولي السينما فتبنوها. وصار كل شيء شبابياً فجأة، وتمت التضحية بنجوم كانوا يبيضون لهم الذهب لذنب نسجه المنتجون بأنفسهم وهو تكرارهم لأنفسهم. ومرة أخرى تتكرر كل تيمات الأفلام لضمان أقل قدر من المغامرة الإنتاجية. وفي عز هذه الانتعاشة ـ المؤقتة غالباً ـ تندلع حرب أقطاب السوق قبل استقرار الأوضاع مما يهدد بنسف السوق السينمائية مرة أخرى في غضون سنوات قلائل.

وسنجد عدداً من الآراء المتضاربة حول هذا الأمر للمشتغلين بصناعة السينما في حوارات منشورة على المواقع الإليكترونية. المؤرخ السينمائي يوسف شريف رزق الله يؤكد أن انتشار دور العرض بصورة كبيرة ودخول القنوات الفضائية في مجال الانتاج السينمائي والتليفزيوني سيؤدي إلي انتعاش السينما المصرية بشكل أكبر من خلال إنتاجها لأفلام تلفزيونية وسينمائية كما يحدث في جميع دول العالم. بينما ترفض الفنانة المنتجة إسعاد يونس، وبقوة، دخول القنوات الفضائية عالم إنتاج الأفلام السينمائية. ويرى ممدوح الليثي، رئيس جهاز السينما بمدينة الانتاج الاعلامي ونقيب السينمائيين معاً ـ أي خصم وحكم في آن واحد ـ أن الايرادات التي تحققها السينما ليست دليلاً كافياً علي رواجها أو انتعاشها لأنه لو عرض 25 فيلماً عام 2005 وحققت 150 مليون جنيه فمعنى هذا أنها لم تأت بتكاليف انتاجها. فضرب عدد هذه الافلام في متوسط تكاليف إنتاج 7 مليون جنيه تكون التكلفة 175 مليون وهذا لا يعد رواجاً أو انتعاشاً. ويرفض الليثي تماماً دخول القنوات الفضائية عالم الإنتاج السينمائي لان ذلك سيؤدي إلي حدوث كارثة كما يرى، أما منيب شافعي رئيس غرفة صناعة السينما فيؤكد أن الإيرادات ليست المقياس الحقيقي للانتعاش والازدهار(!).

معنى ذلك كله أن نظامنا قضى ـ أو يكاد ـ على المسرح المصري وسوف تقوده اضطراباته إلى أزمة سينمائية جديدة، فتصاعد الاحتكارات والتنافس العنيف بين الأقطاب، مع شبه غياب المؤسسات العامة والأهلية عن الميدان السينمائي، لا يترك الباب مفتوحاً لفكر أو فن يسعى لتجاوز السائد. لأن الخروج عن السياق يعني مجازفة إنتاجية. ولن تخوض الرأسمالية المصرية بجميع مؤسساتها أي مجازفات إنتاجية لأنها متأخرة على كل المستويات، وكما تقيد الفن بالرقابة تهدر طاقات الفنانين وتقلصها وبالتالي تنمّط المنظومة الفنية بحيث تصبح تبعية الفنان للسلطة ورأس المال نتيجة منطقية لنمط الإنتاج وظروفه.

كلمة أخيرة
لا يمكن للفن ـ في بلادنا وفي العالم كله ـ أن يتحرر فعلياً في ظل السوق الرأسمالية، وليس بإمكان الاتجاهات الجديدة في الفن والأدب أن تؤسس نفسها بثبات إلا على قاعدة مجتمع جديد متحرر من عقال أباطرة الأرباح، مع ملاحظة أن أول خطوة في هذا المضمار تبدأ بنسف جميع أجهزة الرقابة على الفكر والفنون، مع اعتماد التعاونيات والتشاركيات كأساس للإنتاج، وبدعم كامل للثقافة، وبدون أية وصاية على المبدعين والمفكرين والعلماء.

ولنتذكر أخيراً عبارة وردت في بيان “نحو فن ثوري حر” الذي صاغه منذ ما يقرب من سبعين عاماً المناضل والمفكر الثوري ليون تروتسكي، وظهر بتوقيع عدداً من الفنانين التقدمين البارزين كدييجو ريفيرا وبول إيلوار: “إذا كان على الثورة أن ترسي نظاماً اشتراكياً قائماً على التخطيط المركزي من أجل تنمية قوى الإنتاج المادية، فإن عليها فيما يخص الخلق الثقافي أن ترسي وتدعم نظاماً لاسلطوياً من الحرية الفردية .. بلا أدنى سلطة، ولا أدنى إكراه، ولا أدنى أثر للقيادة”.