في «محمد محمود» وفي كل مكان
الجرافيتي.. فن تحاربه السلطة

لقد كانت معركة طويلة ومستمرة حتى استطعنا تحريره، وها هو الشارع قد أصبح لنا حيث ظهر جرافيتي الثورة المصرية كالمارد الخارج من القمقم، يحول حوائط المدينة إلى معرض عام يكلم المارة ويتحاور معهم ويقدم نفسه كإعلام بديل عن أبواق ماسبيرو ومنابر الجوامع والكنائس ويؤرخ دون قصد للثورة المصرية.
ويعرف أي مواطن عاش في هذا البلد قبل ثورة 25 يناير تمام المعرفة أن الشارع لم يكن لنا، كانت تحتله سلطة الدولة بأجهزتها الأمنية والرقابية. يطاردون الأحبة والباعة وراكبي المواصلات العامة. فقد كان شعار «ممنوع الاقتراب أو التصوير» هو شعار المرحلة. ففي السنوات الثلاثين الأخيرة، التي تربع فيها مبارك على عرش مصر، كان عدد عساكر الداخلية يزيد يوما بعد يوم، ليحتلوا الفراغ العام. إن تحرير هذه المساحة ارتبط ارتباطا وثيقا بالحركة الجماهيرية التي حولتها إلى مساحة للحرية والتعبير.. ومن هنا بدأ الجرافيتي.
الفن المسروق من سلطة الدولة
الجرافيتي هو الكتابة أو الرسم أو الحفر أو رش سبراي على حائط أو أي مساحة عامة، يتراوح بين كلمة مكتوبة على الحائط حتى جدارية. هو قديم قدم الإنسان، وجدناه في الكهوف، أما في العالم الحديث فقد اعتبرت الدولة أن الرسم على “ملكيات الآخرين” تخريب يعاقب عليه القانون.
يمثل فن الشارع أو الجرافيتي صوت من لا صوت له، ويأخذ هذا الفن أهمية خاصة في حالة الأزمات الاقتصادية والثورات، حيث أخذ على عاتقه، في حالة الثورة المصرية على سبيل المثال، توصيل صوت من لا يملكون إعلام الدولة وأدواتها في السيطرة. وفي رحلته هذه يستخدم الحوائط والشوارع كمساحة للإبداع تتحدى مفهوم الملكية الخاصة. إنه ينتهك حرمة الدولة مرتين، المرة الأولى: عندما يسطو على جدران المنشآت العامة (أقسام الشرطة، وزارة الداخلية، وزارة الدفاع، إلخ)، والمرة الثانية: عندما يرسل رسالة ممنوعة في الإعلام الرسمي. فلا عجب أن تخرج علينا الآن حكومة السيسي لتُسن قانون جديد لتجريم الرسم على الحوائط. لا يمكننا إدراك الهجوم على هذا الفن خارج سياق الهجوم على الثورة. فالخطاب الطبقي الذي روّجت له منابر الثورة المضادة نعت الثوار بالبلطجية، واتهمهم بتعاطي «الترامادول»، بممارسة العلاقات غير الشرعية. كما هاجم أطفالا قُصّرا، وبرر تعذيب الأجهزة الأمنية لهم لأنهم أطفال شوارع. «هؤلاء ليسوا ثوار 25 يناير الأطهار». هم المخربون في مقابل «المواطنون الشرفاء».
إعلام بديل
ليلة مذبحة ماسبيرو، أهاب التلفزيون المصري بالمواطن الشريف أن ينزل الشارع «لإنقاذ الجيش المصري الذي يتعرض للقتل على يد المواطنين الأقباط». في الوقت الذي كان فيه المشاهد يرى دبابات الجيش تدهس المتظاهرين على الهواء.
أدرك الثوار سريعا أن من يملك المعرفة هو من يملك السيطرة. ولأن ماسبيرو هو صوت الثورة المضادة، كان لابد من وجود شيء آخر ينقل وجهة نظر الثورة فيما يحدث. فإذا بفن الشارع يلعب هذا الدور، ويحكي لنا عن كل هذه المذابح والأحداث الهامة ليقدم نفسه كإعلام الثورة ويفضح الإعلام الرسمي، يقاوم الكذب ويحرض على النضال ويستكمل الثورة على الجدران. ففي سكرة الانتصار التي أعقبت سقوط مبارك كان الجرافيتي يطبع صور الشهداء في كل الشوارع، وعندما اكتشف الناشطون تحويل المدنيين إلى السجن الحربي ومحاكمتهم عسكريا ظهر «عمرو البحيري» على الحائط ليخبرنا «أنا في السجن الحربي لأني شاركت في الثورة»، مرورا بمحمد محمود 2011 وما تلاها من مذابح ارتكبها المجلس العسكري الأول، ثم تسليم السلطة للإخوان ، فحُكم الإخوان ذاته لم يترك الجرافيتي حدث سياسي لم يبد موقف منه، فحتى يومنا هذا بينما الإعلام الرسمي و«المستقل» يطبّل ليل نهار للجنرال، نري عبارة “cc قاتل” تنتشر على حوائط المدينة.
تبنى الجرافيتي حملات عدة مثل «لا للمحاكمات العسكرية» للمدنيين، وعسكر «كاذبون». بالإضافة إلى «أسبوع الجرافيتي العنيف» الذي جاء كدعاية وتحريض على النزول إلى الشارع يوم 25 يناير 2012 وجذب الآلاف من المتابعين والمؤيدين إلى التظاهر ضد حكم العسكر في فترة المجلس العسكري الأول.
الفن المتحرك الزائل
إنها الحرب، حرب “الحيطان”. يرسم الثوري وتمحو الدولة، ولكن التغيير في شكل هذه الأعمال الفنية لا يأتي فقط من محاولات المحو، فإنه بالأساس عمل جماعي. ففي حالة الجداريات مثلا يمتزج عمل أكثر من فنان وتختلط التقنيات على نفس السطح، ويتكون العمل من طبقات الواحدة فوق الأخرى، فيصبح ملكية عامة ويعطي الحق لفنان جديد أن يضيف على عمل فنان آخر. وغالبا ما تكون هذه الإضافة مرتبطة بحدث جديد يقتضي رسالة جديدة.
في اليوم الذي كانت فيه الأوبرا المصرية تعلن عن افتتاح معرض جدارية الثورة المصرية، كان عمال نظافة حي وسط المدينة يمحون لوحة «اللي كلف ما ماماتش» ناصية محمد محمود مع ميدان التحرير. يبدو أن الأوبرا المصرية لم تعتبر أن هذه اللوحة هي جزء من الجدارية الأكبر التي زيّنت شوارع وسط المدينة بصور الشهداء ورسائل المضطهدين وآراء الثوار. إنها الجدارية التي اختارت مكانها بجانب دماء الشهداء. وفي يوم 19/9/2012 محى عمال النظافة مرة أخرى جدارية الشهداء (محمد محمود الثانية) كلها. ذهب الفنانون سريعا ليرسموا مرة جديدة. رسم عمار أبو بكر شخص يخرج لسانه ويقول: «كمان يا نظام جبان»، كما كتب آخرون «إحترس الحيطان مفخخة»، و«النهضة شدة وتزول»، و«يا نظام جبان آخرك تحارب الحيطان». تمثل النظام هذه المرة في الإخوان المسلمين.
ليس سلعة ولا ملكية خاصة
بمجرد أن يخرج العمل من جعبة الفنان فإنه يصبح ملكا للجميع. ففن الشارع لا يعرف الفنان الفرد بمعناه الكلاسيكي، فهو مجهول في معظم الأحيان وإن لم يكن، فهو متقبل لتغيير منتجه الفني وتطوره على الحائط . فمثلا يؤلف أحدهم جملة «التغيير على وساخة يجيب تسلخات» ويكتبها على حائط، فيصورها آخر وينشرها على الإنترنت، فتصبح جملة على تصميم ستانسل يظهر فيه المشير طنطاوي، ثم تظهر مرة جديدة تحت ستانسل آخر لأحمد شفيق. فهناك عقل جمعي يتصل ببعضه البعض ويراكم خبرته الفنية والسياسية وينتج أعمال فن الشارع.
يعرض فن الشارع نفسه على أفضل الحوائط التي تمنحها المدينة ولا أحد يدفع ثمن تذاكر لمشاهدته. فأين هي المشكلة إذا؟ تكمن المشكلة – بحسب بانكسي (أحد أهم فناني الشارع العالميين) – في أن «أولئك المكلفون بإدارة مدننا لا يفهمون معنى «فن الشارع» لأنهم يعتقدون أن لا شيء يمكنه أن يوجد خارج إطار قيمة الربح. ففي حقيقة الأمر الذي يشوه مدننا هي الشركات الكبرى بلافتاتها الدعائية التي تظهر على المباني الأوتوبيسات لتجعلنا نشعر بأننا غير راضين إلا إذا اشترينا هذه السلعة».
يتحول كل شيء في عالمنا الرأسمالى (المتحضر) إلى سلعة؛ الملابس، والأكل، والماء، والفن والحب. لكن فن الشارع –حتى الآن – لا يُباع ولا يُشترى، اللهم بعض زجاجات المياه والجنيهات القليلة التي يعطيها بعضا من المارة في بعض الأحيان لترطيب الحلق أو شراء الألوان. قد يكون دربا من الخيال أن نتصور أن هناك فن يمكن أن يوجد في مجتمع رأسمالي خارج إطار مفهوم السلعة، لكنه خيال محبب حققه فن الشارع. إنه يحاول أن يحفر طريقا لوجوده خارج الأطر الرسمية التقليدية. ولكن إلى أي مدى سوف يستطيع فنانو الشارع الذين يرون مستقبلهم في هذا الفن أن يصمدوا أمام السوق وقوانينه؟ هذا ما سوف نعرفه في المستقبل.
إن ما يحكمون هذا البلد الآن يسنون قانون جديد لتجريم الجرافيتي، يخرج هذا القانون في نفس وقت قانون «تنظيم» التظاهر، أو بمعنى آخر تكميم الأفواه والهجوم على حرية التعبير. أي أن ما اكتسبه هذا الشعب بدمائه في السنوات الثلاث الماضية، يريد الجنرال أن يمحوه بقانون لنعود مرة جديدة إلى زمن الشارع الذي لم يكن لنا.
فبين رغبة الجنرال ورغبة فنان الشارع يكمن الصراع الذي نشاهده حيا على جدران مدينتنا.. إنها لحرب الحيطان والثورة المستمرة.





