بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الجرافيتي في مواجهة البوستر

اليوم مع تدشين مرشحي الرئاسة لحملاتهم الانتخابية، تنتشر بوستراتهم لتنافس الجرافيتي على الجدران. لكن ظاهرة الجرافيتي، والتي انتعشت بقوة منذ الأيام الأولى للثورة المصرية، تختلف كثيراً، فنياً وسياسياً، عن ظاهرة البوستر الموسمية والمرتبطة بفترات الدعاية الانتخابية.

من الناحية الفنية، يرتبط فن الجرافيتي بالحركة والتنوع، وكأنه رسوماً حية من لحم ودم، تتكلم وتعبر للإفادة برسالة مباشرة، أو ربما في كثير من الأحيان رسالة ضمنية قد يفهمها الجمهور بطرق مختلفة. وبالتالي فإن الجرافيتي يتيح بطبيعته حرية أرحب في أداء ممارسيه؛ حيث يمكنك أن تصمم رسمتك، أو أن تستعين بتصميمات الآخرين، وتقوم بالتفريغ ومن ثم الرش مباشرة على الجدران.

وهذا بالتأكيد يختلف اختلافاً جذرياً عن نمطية البوسترات المنتشرة حالياً في كل شارع للدعاية لمرشحي الرئاسة، ومن قبلها الدعاية لمرشحي البرلمان، حيث التصميمات الثابتة الميتة فقيرة الإبداع، والتي تقتصر فقط على وجه مبتسم مضافاً إليه شعاراً انتخابياً مملاً يخلو من أي ابتكار. علاوة على التكرار المقيت للبوسترات المتراصة سوياً لتغطي أحياناً شوارع بأكملها.

أما من الناحية السياسية، يزداد الأمر تعقيداً. فالرسالة السياسية للجرافيتي هي الحض على الفعل المباشر، سواء من خلال التشهير بجرائم المجلس العسكري والداخلية، وبخيانة البرلمان والقوى الإسلامية بداخله، أو بإطلاق الدعوات للحشد على فعاليات قادمة، إلخ. وبالتالي فإن الهدف منه هو تحويل المتفرج أو المتلقي إلى فاعل ومشارك في الاحتجاج والثورة.

أما بوسترات الانتخابات، فرسالتها تتخلص في الدعاية لشخص المرشح. وبالتالي، على العكس تماماً من الجرافيتي الثوري، يصبح الهدف من تلك البوسترات هو تحويل أولئك الفاعلين والمشاركين في الاحتجاج والثورة إلى مجرد أصوات في صناديق انتخابية لصالح هذا المرشح أو ذاك.

ونظراً لارتباط الجرافيتي بالمعارك الثورية فهو فن معادي للسلطة التي في المقابل تلاحقه بالمحو والطمس، على عكس بوسترات الدعاية الانتخابية التي تبقى على الجدران أحياناً لعدة شهور بعد انتهاء الانتخابات.

ومن زاوية أخرى، هناك اختلافاً أكثر دلالة بين الجرافيتي والبوستر. فالجرافيتي يقوم على الجهد والتمويل الذاتي، حيث يعتمد رسامو الجرافيتي على أنفسهم في شراء أدوات الرسم من ألواح وعبوات للرش أو الطلاء. أما البوستر فهو مموّل من صاحبه سواء كان مرشحاً لمجلس الشعب أو لرئاسة الجمهورية الذي يطبع آلاف، أو ربما عشرات الآلاف، من البوسترات، ليقتصر دور المشاركين في الحملة على لصقها بإحكام على الجدران.

ولا يمكننا أن ننفي بأي حال إمكانية استخدام البوستر ثورياً ضد السلطة القمعية. فعلى سبيل المثال، في مايو 1968 في فرنسا، أثناء انتفاضة الطلاب والعمال في باريس، كان الثوار يستخدمون البوسترات كوسيلة ليس فقط لفضح الممارسات القمعية من جانب السلطة، لكن أيضاً كأداة تحريضية مباشرة على المشاركة في الإضراب العام. وأيضاً في الثورة الروسية 1917، كان للبوسترات تأثير كبير في الحشد للتصدي للثورة المضادة، لاسيما في الريف الذي شهد ارتفاعاً هائلاً في نسبة الأمية.

ولا يفوتنا هنا أن نشير إلى البوستر الساخر الذي أعده بعض الفنانين الشباب والذي حمل عنوان "قناع الحرية"، حيث صوّر قناعاً متخيلاً من إنتاج المجلس العسكري مصمم خصيصاً لتكميم الفم وحجب العينين وسد الأذنين.

ولا يمكن أيضاً أن ننفي أنه في بعض الأحيان يمكن أن يُستخدم الجرافيتي لأغراض رجعية، مثلما كان أبناء مبارك ينشرون قذارتهم على الحوائط للدعاية ضد الثورة ولتأييد الطاغية المخلوع.

لا شك أن الثورة، كما تقوم بعملية فرز مستمرة للقوى السياسية والاجتماعية من خلال مواقفها بالانحياز أو العداء للجماهير، تقوم أيضاً بفرز أنواعاً وألواناً مختلفة من الفنون. والفنون التي ترتبط بمعارك الثورة واحدة تلو الأخرى، هي التي ستعيش وتستمر وتنتعش. أما تلك الفنون التي تبدو كـ"الفواصل الإعلانية" والتي لا ترتبط زمنياً سوى بالمواسم، كانتخابات البرلمان والرئاسة، ولا ترتبط سياسياً سوى بأشخاص المرشحين، فتلك هي التي ستهلك في مضمار الفرز "الفني" للثورة.. وستبقى الجدران لتخلد صور الشهداء وشعارات الثورة المصرية.