الجرافيتي:
الجدران تهتف ضد حكم العسكر

الكثير لا يعرف كلمة جرافيتي (بالانجليزية- Graffiti) أو يعرفها ولكن لا يدرك قيمتها. وقليل منا يدركها ويفهمها ويطبقها. كم قابلنا على الحوائط كلمات مثل: متستحمرنيش، كن مع الثورة، إبحث مع الشعب، الثورة مستمرة، UA07، يسقط يسقط حكم العسكر، والكثير من عبارات أخرى تعبر عن صوت الشعب وضميره.
الجرافيتى أحد أهم فنون اللحظة؛ أى الفن المرتجل، أبسط أدواته بخاخة ألوان spray لا أكثر ولا أقل من الممكن أن تتطور لتكون أكثر تعقيداً، وقد تكون أبسط ما تكون، كما مع روابط ألتراس زمالك وأهلى، حروف مرسومة على الجدران بتلقائية مبالغ فيها، ولكنها جميلة.
وقد يظن البعض أنها تلويث بصري، وقد يظن آخرون أنها شغب.. وما إلى ذلك من الأوصاف الدارجة عن الجرافيتي. لمن لا يعرف الجرافيتي فهو بمنتهى البساطة: “شخبط ع الحيط”، فن الجمال اللانظامي، فن الارتجال، عبر عما تريد فى سرعة وخفة.. لا تدع أحد يراك.. كن سريع كالبرق فالنظام لا يريدك.
أثناء مروري أمام المتحف المصري وجدت آثار الجرافيتي ممسوحاً من قبل أولئك الذين يريدون إبطال صوت الشباب، قاموا هم بالتلويث ولم نكن نحن من قمنا به، أزالوا الرسوم بطلاء أصفر فاقع يتناقض تماماً مع اللون الأصلي لجدار المتحف الأحمر الوردي، فلا هم أزالوا الجرافيتي ولا هم تركوه جميلا كذلك “حكومة ثورتنا”.
ومنذ أسبوع انطلقت حملة “أسبوع الجرافيتى العنيف”. وكما المعتاد: اصنع نموذجك الخاص واذهب لشوارعك الحيوية وارسم الجرافيتي الخاص بك، لكن لا تنسى لا تكن وحيداً كن مع آخرين (الدار مش أمان) وللحفاظ على صحتك خذ معك قُفازاتك الطبية (احنا محتاجينك) وبخاخاتك الأحمر والأسود معك، يفضل أيضاً ألا تنزل مبكرا،ً والأفضل أن تنزل فى جوف الليل.. عفواً تلك قواعد الجرافيتي.
ونظراً لحرية التعبير المنتشرة فى ظل حكم العسكر، فقد تم القبض علي ستة أو أكثر من فنانى الجرافيتي فى مصر الجديدة وبنها والإسكندرية بعدة تهم، بدءا من التلويث وحتى التخطيط لقلب -لا مؤاخذة- نظام الحكم والتحريض، لإيهام الناس بوجود طرف ثالث يهدف للتخريب.
من المعروف أنه طالما كنا هناك فعل كان رد فعل، وطالما زاد الضغط فلابد من انفجار، ذلك ما حدث بالضبط مع الشباب الفرنسي من قبل ويتكرر الآن. فإذا عدنا للوراء ما يقارب الأربعين عاماً مع بداية انتفاضة الطلبة فى فرنسا في مايو 1968، كان ذلك أبرز ظهور للجرافيتي بشكل فعال كما يقول أستاذنا “محى الدين اللباد”. ولكن ما يهمنا هنا هو العلاقة بينه وبين الشباب وبين الثورات أو الانتفاضات.
فنظراً للفقر والاستغلال وبسبب الرأسمالية المتوحشة والبطالة وما إلى ذلك من سلبيات الرأسمالية فى أوروبا، كانت الانتفاضة دفاعاً عن الحقوق. وكذلك كانت ثورتنا، ولذلك كان لنا نحن الشباب حق أن ننزل للشوارع لنعبر عما فشل فيه إعلامهم ومساجدهم وكنائسهم فى أن يعترفوا بثورتنا ومطالبنا وحقوقنا (لا للمحاكمات العسكرية ولا للعسكر ولا لمبارك ومن أجل العدالة والتغيير).
و مع اليوم الأول للثورة انتشرت فى شوارع القاهرة وخاصة وسط المدينة وبعض المحافظات وحتى فى القرى عبارات يسقط حسنى مبارك وعيش حرية عدالة اجتماعية وما إلى ذلك من شعارات الثورة. وعلى النقيض، بعد موقعة الجمل، وجدنا “نعم لمبارك، مبارك زى أبونا، ويسقط البرادعي” التي انتشرت على استحياء فى القليل من الأزقة حيث يظنون أن الناس لا تدرك الواقع، رغم أن أبناء تلك الأزقة كانوا هم الداعم الأساسى وهم من استشهدوا فى الميدان.
الجرافيتي فى الأساس هو فن اللا قواعد ومتى حاولت تنظيمه أو وضع القواعد له فسوف يفسد شكله ومضمونه. الجرافيتي صناعة أبناء الوطن هو ذلك الفن الذى يمكن استيراده ولا يمكن ترجمته ولا يمكن أن يصنعه خبراء ولا يمكن أن تصنعه أنظمة حاكمة أو في إطار منظم، لأنه دائماً خارق للنظام ونظامه هو اللانظام فجماله ينبع من عشوائيته وارتجال مبدعيه.





