في الذكرى الثامنة لمحرقة بني سويف
لن ننساكم

مرت ثمان سنوات بالتمام والكمال، وكأن المحرقة كانت بالأمس، وعطر الأحباب لا يزال يملأ كل ركن من أركان المدينة، وكل ركن من أركان أماكن تجمعاتنا السابقة، لا تزال أرواحهم الطيبة تحلق في سماء المدينة التي ملأ شوارعها الدم والنار، دم الثورة الذي سال فى شوارع المدينة، ونار السلطة التي طالتهم وطالت كل من وقف فى مواجهتها، تلك الثورة التي كانوا يحلمون بها ويخططون لها في أعمالهم المسرحية.
ثمان سنوات ولازالت ذكراهم محفورة في الأذهان، لن أستطيع أن أنسى صباح السادس من سبتمبر عام 2005، أي قبل انتخابات الرئاسة بيوم واحد، عندما اتصل بي أحد الأصدقاء ليخبرني: “ياسر وسامية ماتو في بني سويف.. شمعة وقعت على الأرض وولعت في المسرح”. وقتها لم أستطع استيعاب فكرة أن شمعة من الممكن أن تودي بحياة 64 شهيدا، لكنها كانت الفاجعة وكان اليوم الأسود.. في كل عام نتذكر أصدقاءنا ورفاقنا شهداء هذه المحرقة، لكنني في هذا العام قررت أن أتذكر مواقف الخزي والعار التي خرجت بها الدولة والنخبة السياسية والثقافية والدينية في تلك الأيام.
ودعونا نبدأ بما كان وقعه وقتها أكثر ألما من أي شئ، وهو موقف النخبة الدينية المنبطحة وشيوخ الفضائيات المسمومة ومؤسسات الدولة الدينية التي كانتولا زالت تتلقى الأوامر من أمن الدولة، وقتئٍذ تسابق بعضهم على الإدلاء بتصريحات خسيسة مفادها التساؤل عما إذا كان شهداء بني سويف، شهداء المحرقة، شهداء حقا أم لا، وقال بعضهم أن هؤلاء كانوا يفعلون ما يغضب الله، وأن هذه هي سوء الخاتمة، كانت تلك تصريحاتهم وفتاواهم المسممة التي لم تعبأ أبدا بأي شيء.
أما النخبة المثقفة تلك التي قال عنها نجيب سرور: “الحق قال الأولون.. مات الذين يختشون.. ماتوا وعاش الداعرون الفاجرون.. أنظر اليهم يعرضون عوراتهم مثل البغايا فى المعابد.. ومثقفون فيما يقال مثقفون”، هؤلاء المثقفون الذين لم تنطق حناجرهم بكلمة واحدة بعد الكارثة، ووجدتهم يتسارعون لإدلاء التصريحات عقب تقديم وزير المخلوع، وزير الثقافة استقالته، فتجد من يقول: “إنه يذكرنا بأخلاق المثقفين الحقيقيين”، “إنه لفارس قادر على مواجهة الحقيقة”، وغيرها من تصريحات الخزي والعار، وهم من يطلقون على أنفسهم مثقيون، وفي بعض الأحيان يدعون أنهم يساريون!.. يسار على يمين الدولة!.. المجد للشهداء والعار عليكم..
كان جديرا بالبحث كيفية تعامل الصحف الحكومية مع الأحداث، منذ مايقرب من العامين عكفت على البحث فى أرشيف الأهرام اليومي لأطالع صفحاته وأرى كيف تعاملت هذه الجريدة مع الحادثة وقتها، وجدت أن جريدة الأهرام لم تتحدث إطلاقا، لا من قريب ولا من بعيد عن الحادثة إلا بعد مرور 10 أيام – أي بعد انتهاء الانتخابات الرئاسية المشئومة تماما وإعلان فوز المخلوع – فى خبر صغير الحجم مهمَل تماما.
الدولة تعاملت مع الحدث كحادثة تمر ككل الحوادث، فلا تزال المسارح غير مؤمنة حتى الآن، بل لم يعد هناك مسارح أصلا، فالحركة المسرحية المصرية تعاني من تدهور فاق كل الحدود.
أخيرا.. فحق شهداء المسرح المصري لم يأتِ إلى الآن، مثله مثل حق شهداء الثورة الذين يتساقطون الواحد تلو الآخر يوما بعد يوما على يد آلة الدولة القمعية وأيدي الجماعات المسلحة، فى صراع واضح على السلطة بين تلك الجماعات وهذه الدولة.
ستبقون في الذاكرة.. وسنخلد ذكراكم..
لن ننساكم..





