بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

النكسة والأدب

أعتقد أن تأثير نكسة 1967 في الأدب المصري لم يظهر ـ بكل أبعاده ـ إلا متأخرا. في حينه اقتصرت النكسة ـ تقريبا ـ على وقائع الهزيمة العسكرية والسياسية ومحاولة التصدي لها بحرب الاستنزاف وحشد القوى لتصحيح أخطاء النظام. أما اختمار نتائج النكسة، خاصة في المجالين الروحي والنفسي، وهما مادة الإبداع الأدبي، فقد استلزم وقتا طويلا، لتصبح الهواجس، والشكوك، والأسئلة شيئا من صميم الروح المصرية.

لكن ظهور آثار النكسة كان أسرع في المجال الأيديولوجي والسياسي والثقافي بمعناه العام. ولهذا برزت مبكرا عام 1974 دعوة توفيق الحكيم في “عودة الوعي”(1) لمراجعة حصاد مواجهة الاستعمار بفكرة رئيسية هي أن المواجهة بلا جدوى، ولا فائدة، وأن هذا هو الدرس المستفاد من نكسة يونيو 67. والنتيجة المنطقية المترتبة على تلك الفكرة هي أنه لا مفر من القبول بشروط العدو، ولا مفر من الصلح معه.

هذه النتيجة التي لم يعلنها الحكيم صراحة، وإن وضع كل الأسس لاستنتاجها، سرعان ما وجدت من يلتقطها ويصوغها صراحة مثل د. إبراهيم عبده في كتابه “تاريخ بلا وثائق”(2) الذي تحدث بوضوح عن أن: “مواجهة الاستعمار جنون مطبق”. ومن هنا أخذ الكثيرون في مجال الثقافة يضعون الأساس الأيديولوجي لعملية تراجع فكري شامل عن قضايا التصنيع والتنمية والعداء للاستعمار والتزام مصر بقضايا التحرر العربي وغير ذلك.

وسرعان ما ظهرت رواية “فجر الزمن القادم”(3) لعبد الله الطوخي التي تدعو إلي النظر للصراع مع إسرائيل من منظور المحبة والتسامح، وتجاوز “العقدة النفسية”. وأخذ يرسخ تيار للتطبيع مع إسرائيل تولى زعامته الأدبية علي سالم(4) وأشباهه، وظهرت على أرضيته روايات كثيرة تستدعي قصص الحب الموهومة بين مصري ويهودية وتنسج عليها كل نقوش الخلط بين مختلف المسائل الدينية والسياسية بهدف أخير هو النظر لإسرائيل باعتبارها ليست عدوا. ولست بصدد حصر تلك الروايات، أكتفي فقط بالإشارة إلي عمل لنعيم تكلا(5) باسم “نهلة” يروج فيه لفكرة أن الكثيرين في إسرائيل يتعاطفون مع الحق الفلسطيني، بل وأن: “النضال الفلسطيني يعتمد عليهم كثيرا”!

هناك رواية أخرى باسم “حد الغواية” لعمرو عافية(6) وفيها تلتقي سميحة ليفي اليهودية المصرية بمحمود حنفي المصري في المغرب عام 1950، أي بعد إقامة الكيان الصهيوني، وتنشأ بينهما قصة حب، ويقومان معا برحلة إلي قرطبة، وهناك تلتقي بهما سائحة أمريكية وتندهش من اجتماع مصري ويهودية فتقول لهما: “كنت أظن أنكما في حالة حرب؟”، فيرد عليها محمود: “نحن في حالة حب”! وخلال حالة الحب تلك ينهمك محمود في إعداد رسالة دكتوراه حول “نزوح العرب مسلمين ويهودا من إسبانيا” في إشارة إلي اضطهاد مشترك يفترض أنه يجمع العرب واليهود ويفترض أن يكون ركيزة للمحبة، وهي الفكرة ذاتها التي أشار إليها علاء الأسواني في روايته الأخيرة شيكاجو(7) خلال قصة حب بين مصري ويهودية في أمريكا.

تيار التطبيع في الأدب إحدى أوضح نتائج النكسة، وإن كانت ثماره هي الأشد رخصا وابتذالا من الناحية الأدبية والفكرية والفنية، لأن أعين أصحاب تلك الأعمال معلقة بجوائز ومؤتمرات في عواصم أخرى.

وإذا تركنا تأليف الحكايات السخيفة عن الحب المصري الإسرائيلي، خاصة بعد افتضاح أنباء المجزرة(8) التي قتلت فيها إٍسرائيل مائتي وخمسين أسيرا مصريا أعزل في سيناء عام 67، لننظر إلي أثر النكسة في الأدب المصري الحقيقي ـ المكتوب للمصريين وليس للترجمة ـ فسنرى كيف احتاجت النكسة السياسية والاقتصادية والعسكرية إلي زمن طويل تختمر فيه لتغدو هزيمة داخل الروح تتجلى في الشعور العام باليأس وغياب المخرج وافتقاد أي أمل.

تشير إلي ذلك بحدة واحدة من أحدث الروايات للكاتب الكبير بهاء طاهر وهي “واحة الغروب”(9). يرصد بهاء طاهر كل ذلك التناقض في شخصية “المثقف” على النحو التالي، فهو في حالة محمود عبد الظاهر ـ الشخصية الرئيسية في العمل ـ يعتبر أن عرابي باشا زعيم الثورة العرابية “أشرف من عشرة خديويين”، لكنه يشيح بوجهه عن الثورة في صفقة مع المحققين، لينقذ نفسه ووظيفته، وهو يعشق نعمة السمراء، لكن الزواج من جارية أو خادمة يظل عنده عارا طبقيا، إنه يكره الحكومة، لكنها إذا أوفدته مأمورا حاكما لواحة سيوه فإنه مستعد لجلد أهالي الواحة وسجنهم كما فعل أسلافه لكي يستوفي للحكومة الضرائب المقررة، إنه يشفق على سكان الواحة، لكنه مستعد للعمل معهم بمبدأ مستر هارفي الإنجليزي “فرق تسد”، وذلك بإلقاء بذور الفتنة بين القبيلتين اللتين تقطنان في الواحة بحيث تسهل عليه السيطرة. إن محمود عبد الظاهر على حد قوله لنفسه وقف دائما: “في منتصف شيء ما”، ولم يكن أبدا: “شخصا واحدا كاملا في داخله”، ومن ثم فإنه يلخص أزمته بعبارة واحدة: “لا ينفع في هذه الدنيا أن تكون نصف وطني ونصف خائن، نصف شجاع ونصف جبان”. وخلال ذلك كله لا يدري محمود عبد الظاهر هل هو أحد صناع الطغيان والخوف والخيانة بمواقفه المتناقضة أم أنه ضحية لكل ذلك؟

في روايته الجميلة يضع بهاء طاهر ثقله كله خلف شخصية “مليكة” رمز الفن والذكاء والنهم للعلم والجرأة على تحطيم التقاليد البالية، لكن “مليكة” الطائر الحر الوحيد تموت بطعنة سكين. وبذلك يغلق الكاتب أمامنا باب الأمل في المستقبل والعلم والفن والتحرر، ليس فقط بقتل مليكة، بل وبموت محمود عبد الظاهر هو الآخر.

في وقت ما، مختلف، قبل النكسة، كتب يوسف إدريس قصته الشهيرة “خمس ساعات” يصف فيها رحيل أحد أبطال الحركة الوطنية داخل مستشفى. ويقول د. شكري عياد عن تلك القصة: “أما البطولة الكاملة، البطولة التي لا يمكن أن تحطمها الطبيعة لأنها هي الطبيعة، فتلك هي بطولة شعب مصر الضاربة في أعماق الماضي والحاضر والمستقبل. في خمس ساعات يموت عبد القادر، ولكن بعد أن تمتلئ حجرة المستشفى ببطولة لا تموت.”(10)

إن مرحلة تاريخية واجتماعية مختلفة قد طرحت في الأدب حينذاك ليس فقط بطولة فرد، بل وبطولة شعب. وحتى حينما يكتب روائي معاصر، الآن، رواية، يحتاج أن تكون شخصيتها الرئيسية ذات ملامح نفسية مختلفة، فإنه يعود إلي الزمن الماضي، ليعثر هناك ـ وليس في واقعنا الراهن ـ على نماذج مرتبطة بالمقاومة، كما فعل صنع الله إبراهيم حين عاد إلى السبعينات وإلى جبهة تحرير ظفار ليستعيد من هناك “وردة”(11)، وكما فعل إدوار الخراط الذي رجع ـ في روايته “طريق النسر”(12) ـ إلى خضم الغضب الوطني على الاحتلال والإقطاع في الخمسينات، ليعثر على حلقة حزبية من طلبة وعمال يجرفها الشوق إلي الثورة والعدل. هناك يمكن للروائي أن يجد بطلا روائيا يبلور المقاومة بشكل أو بآخر، أي أن يعثر على تلك الشخصية التي تجسد النموذج الجمالي والفكري الذي يؤمن به. ذلك أن الواقع الذي نعيشه حاليا لا يمكن أن يوحي إلا بشخصيات يائسة، لا ترى بصيص ضوء في نهاية النفق.

قبل النكسة قدم لنا إحسان عبد القدوس روايته “في بيتنا رجل”، حيث نرى بطله الذي يجسد البطولة بالمعنى المتعارف عليه حينذاك: الكفاح ضد الاحتلال من أجل تحرير الوطن. نجيب محفوظ قدم لنا شخصية أحمد عاكف الذي جسد بطولة أبناء الطبقة الوسطى المتمثلة في التضحية بالأحلام الذاتية من أجل استمرار الأسرة. كما عثرت لطيفة الزيات ـ قبل النكسة ـ على بطلتها في “الباب المفتوح” (1961)، المرأة التي تبحث عن نفسها وحريتها فلا تجدها إلا في ارتباط بحرية الوطن والمجتمع.

تعتبر “وردة” بطلة صنع الله إبراهيم المستعادة من الستينات أن يوم ميلادها الحقيقي هو اليوم الذي شنّت فيه أول هجوم مسلح على القواعد البريطانية في سلطنة عمان. تقول: “سيكون هذا اليوم هو عيد ميلادي الحقيقي”. بينما تقول بطلة سيد البحراوي في روايته الأولى “ليل مدريد”(13) : “أكاد أؤكد أنني أعرف بالضبط ما هي المشكلة. أعرف أنني أعيش حالة ضياع كامل. لا أعرف من أنا، ولا ماذا أريد، ولا ماذا أفعل بحياتي”. هذا الضياع عند بطلة الأعوام الأخيرة ــ مقارنة بوضوح رؤية وردة في الستينات ــ هو الفارق الذي خلقته النكسة بين شخصيتين وروايتين وواقعين.

لقد أخذت الرواية المصرية الحديثة تقدم لنا في أغلب نماذجها أبطالا يعيشون بلا رؤية ولا موقف ولا فاعلية. وانظر من الروايات المصرية رواية “أيام الثلاثاء” لتوفيق عبد الرحمن، وغيرها. هناك حيث شُلت إرادة البشر، وتم بتر التفاعل بينهم وبين المجتمع، وفقد الفرد شعوره بأهمية دوره في تغيير ما حوله، بل وفقد حتى مجرد الأمل في إمكانية التغيير.

وإذا توقفنا عند روائي آخر كبير هو محمد ناجي وروايته “رجل أبله.. امرأة تافهة”(14) سنجد أن بطل الرواية صحفي يناهز الستين، اعتقل سنوات شبابه لانغماسه في العمل السياسي، ذكرياته كلها مستمدة من الستينات، لكن حياة هذا البطل الخاملة التي لم تعد تشتبك مع الواقع اشتباكا حيا تسوقه إلى الخواء الروحي، وتتحالف عليه عوامل العجز الذاتي مع عوامل أخرى موضوعية، فيجد نفسه في النهاية أسيرا لامرأة تافهة، لا تتذكر من مشهد العالم الذي يحترق بالصراع سوى أسعار الخضروات والملابس.

ويقدم محمد ناجي في روايته شخصية أخرى، وقعها أشد قسوة، هي شخصية زغلول الدسوقي ـ صديق البطل ـ وكان في فترة سابقة المسئول عنه سياسيا في حزب سري. يقودنا ناجي لنرى الدسوقي، المحارب القديم وهو يموت وحيدا في بيت للمسنين من دون قطرة عطف أو لمحة تقدير من المجتمع. البطل الصحفي في رواية ناجي شخصية مهزومة مثله مثل شخصية “شرف” عند صنع الله إبراهيم، ومثل شخصيات محمود الورداني في رواية “أوان القطاف”(15) الذين بترت رؤوسهم وأحلامهم وأمانيهم في لحظات تاريخية مختلفة بدءا من سيدنا الحسين وانتهاء بشهدي عطية الشافعي. هكذا طارت رؤوس الجميع دون أن يتقدم العالم خطوة بفضل التضحية والبطولة.

رواية منتصر القفاش “أن ترى الآن”(16) تبدأ بشخصية إبراهيم الذي يعن له ذات مرة أن يصور زوجته عارية. وما تلبث حياته في التعقد حين تقع صور زوجته العارية في يد أحدهم فيرسل بنسخة منها إليه. ثم تصل نسخة من الصور إلى الزوجة ذاتها! إلا أن الكاتب يستخدم هذه الحادثة التي تتطور وتتصاعد لمجرد الكشف عن أزمة البطل الحقيقية وتكثيفها أمامنا. إنه شخصية تحيا من دون أحلام، ولا صدام، ولا أيديولوجية، بطل تكفي مجرد مصادفة أو نزوة عابرة لتدمير حياته وقلبها رأسا على عقب. إنه البطل الذي لا يقود الأحداث، ولا يتحكم في مصيره، بل وتكفي مصادفة عابرة لإنهاء وجوده من دون مقاومة.

في رواية محمد البساطي “فردوس”(17) سنجد لوحة لشقاء الجموع في قرية نائية، وهو شقاء أليم، وكدح بلا أمل في حياة أقصى ما يمكن انتزاعه منها هو كوب الشاي وأنفاس الدخان. لكن المشكلة أن ذلك الشقاء لا يواجه بأية رغبة في مقاومته أو التصدي له. ولا يلوح بين طبقات ذلك الشقاء الكثيفة وعي فردي أو جماعي بما يجري، إنه مجرد شقاء جاثم بلا حل ولا مخرج. وللمقارنة يمكن أن نستعيد صور الفلاحين في رواية الأرض عند عبد الرحمن الشرقاوي، والحلم الجماعي الذي كان يربطهم بالتحرر من سطوة الإقطاع وعلاقات الاستغلال.

وإذا كان البطل في الرواية هو الشخصية التي تجسد النموذج الجمالي والمعرفي الذي يؤمن به الكاتب، فإن أغلب الروايات الحديثة لا تقدم سوى بطل معزول، مهمش، تكفي مصادفة عابرة لتحطيمه، يجتر حياته مع امرأة تافهة، أو يسوقه الواقع إلى الاستغراق في الذات، بينما تغيب تماما الشخصيات التي تحمل مشروعا للتغيير الاجتماعي. ولن تجد في الروايات الحديثة أيضا شخصيات تكثف لنا عمليات الصراع الاجتماعي، أو تمثل رؤية فلسفية خاصة. معظمهم أبطال يكتفون بمجرد التواجد، وفي ذلك تحديدا مأساتهم التي تدعوك للتعاطف معهم. لكن ذلك التعاطف لا يعني أنك تثق في قدراتهم، فهم أبطال بلا فاعلية، ولا طموح، حتى ولو كان ذلك الطموح القديم لصعود السلم الطبقي كما كان حال محجوب عبد الدايم في القاهرة الجديدة لنجيب محفوظ. وفي معظم الروايات لا تنمو الشخصية لتصبح بحجم مصر وأحلامها، وعلى العكس من ذلك فإن مصر تتقلص وتنكمش لتغدو مقاس تلك الشخصيات المتأملة، الغارقة في ضباب ذاتي. هكذا اختفت بعد النكسة نماذج مثل إسماعيل في “قنديل أم هاشم” ليحيي حقي، الذي صارع الظلمة بالعلم، واختفت النماذج التي تكافح ضد الطغيان الاجتماعي والسياسي كما في ثلاثية نجيب محفوظ، ولم يعد لدينا سوى رصد فني للواقع والأفراد الذين لم يعد بوسعهم أن يقوموا بشيء محدد في مواجهة العالم.

من الصعب على الأدب أن يقفز على شروط الواقع. ومن الصعب على الأدب أن يخترع واقعا ملهما. لقد صاح ابن خلدون في مسرحية “منمنمات تاريخية” للمبدع الكبير سعد الله ونوس: “في هذا الغروب الشامل قد تكون قبسة الضوء الوحيدة هي وصف هذا الغروب”! وأضيف من عندي: الغروب الذي نشرته الهزيمة، واستقبله الجميع باعتباره أمرا حتميا.