بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

فن وأدب

حوار مع الفنان خالد الصاوي

الناس لما صوتها يعلى.. السينما لازم تستجيب

أنت فنان حريص على التأكيد على هويته الاشتراكية دائما، هل هناك علاقة من وجهة نظرك ما بين التوجهات السياسية والإبداع أو ما بين الموقف السياسي والعمل الفني؟

أنا اشتراكي باعتباري إنسان مناهض ومنحاز، وعارف إن فيه صراع طبقي قبل ما أكون فنان. وأنا طالب كنت طالب اشتراكي وعندما أصبحت محامي ، أصبحت محامي اشتراكي. باستمرار أتغير، وأطور أفكار جديدة، داخل أفكاري الاشتراكية، لكني حددت موقفي بالمعنى البسيط للاشتراكية، وهي إن الغالبية من المجتمع ومن البشر تعاني برغم شغلها وتقديمها لكل ما لديها، وإن فيه قلة متحكمة في مصير كل هؤلاء من خلال تحكمها في السلطة والثروة. تعمقت هذه الرؤية برؤيتي لنفسي كفنان وفي الحقيقة لا أرى تعارض ما بين المواقف السياسية والفن، بالعكس فإنني أرى أن كل منهما يثري الآخر.

الفن الذي لا أحبه بنسبة 99% يكون مناصراً للأفكار الرجعية، ويدعو لانتصار الوجه المظلم من الدنيا، حيث تحكم القلة وحيث السيطرة والسطوة وحيث انعدام كلا من الحرية والعدالة الاجتماعية. برغم أن مساحة التعبير السياسي التي تتوفر لي كشاعر وكمخرج دائماً ما تكون أكبر، وطبعا أوضح، بحيث يستحيل طمسها، لكن التمثيل قصة مختلفة. فالمخرج يتحكم في كل العناصر بصفته مخ العمل، والكاتب يضع خطة الأفكار الرئيسية التي يطبقها الجميع، ويكون الممثل بأدواته – جسمه وصوته ووجهه – جندي في هذه الكتيبة.

رأيي إن الممثل صاحب الموقف لا يكون اختياره للقيام بعمل بناء على أسباب فنية فحسب، لكن بناء على الإطار الفكري الذي يقوم العمل الفني بخدمته. للتوضيح، لا يمكن أن يوافق فنان مناصر للعدل على القيام بعمل يقلل من شأن المرأة أو يروج لفكرة ” الست ما بتتعدلش إلا أما تتضرب”. الأفلام ممكن تلعب دور في تجميل هذه الأفكار الرجعية، وأنا أضع خط أحمر أساوي فيه ما بين المبتذل فنياً والرجعي فكرياً.

لأي مدى يمكنك أن تقول أن توجهاتك الفكرية والسياسية انعكست في أفلامك الأخيرة، وبالتحديد فيلم الفرح، وربما أيضا فيلم كباريه كجزء من الثلاثية؟

هناك منطق جماعي حكم هاذين الفيلمين أو التجربتين أتاحت لي، ولغيري طبعا، في مرحلة التحضير مساحة من المناقشة مع المؤلف أحمد عبد الله، بحيث تمكنا من البناء على مساحة التقارب ما بيننا خطوة بخطوة. فأنا أرى أن الاشتراكي الجذري هو من لديه استعداد للعمل مع الآخرين، ومن خلال المنطق والتجربة، يسعى لطرح التساؤلات، وتعميق الأفكار بالتدريج، وبدون الارتكان للأفكار السائدة أو النمطية.

أيضا، أنا رأيت أن الفيلمين كانوا عن الفقراء في مصر. في الفيلم الأول، يجتمع الفقراء مع الأثرياء المترفين والماجنين في الكباريه، الفقراء يبيعوا والأثرياء يشتروا. أما فيلم الفرح، فقد أظهر الفقراء وهم يسعون للتكافل، وأظهر نوع الانحطاط الذي يؤدي إليه الفقر. في الفيلمين برغم أي عيوب اقتربنا من حياة الناس.

يقول البعض أننا بصدد موجة أفلام العشوائيات أو المهمشين، أو بلغة يسارية موجة أفلام واقعية؟ ما رأيك في هذه الفكرة؟ وما هي دلالتها إن صحت وما دلالة ظهور هذا النقد إن لم تكن صحيحة؟

نحن لدينا مجموعة من الأفكار والمصطلحات التي يقوم بتصديرها بشكل أساسي مثقفون ينتمون لليسار التقليدي في مصر، مثقفون كانت فترة زهوهم في الستينات والسبعينات. يبدو لي أن هذا التيار في مجال الثقافة والفن والأدب، نظرا لبعده عن الناس وبعده عن الشارع، لم يعد قادرا على ملاحقة التغيرات والتطورات التي تحدث من حوله. ولا يقوم بمراجعات حقيقية في نسق أفكاره، وعندما يقوم بعمل مراجعات يقدم تنازلات. فكرة الوقوف من الخارج والقيام بإصدار أحكام، وتسمية موجات يندرج تحت بند الثرثرة، وليس محاولة خلق وعي إيجابي يحركنا للأمام.

بفرض وجود موجة بهذا التوصيف، فهل يمكن التأريخ للموجة بالبدء بفيلم “حين ميسرة” أو فيلم “هي فوضى”. أنا أرى أن هذا تأريخ سطحي. ما يمكن أن أقوله أنه قد أصبح لدينا مجموعة من الأفلام المتحدية، التي ظهرت مبدئيا مع فيلم عمارة يعقوبيان. أين تحليل كل من يتكلمون اليوم عن الموجة الطويلة من الأفلام الخفيفة، التي استمرت حوالي 10 أو 15 سنة، من فيلم “اسماعيلية رايح جاي” وحتى فيلم “عمارة يعقوبيان”؟ لماذا لم يعطني أي من هؤلاء سبب لنجاح فيلم مثل اللمبي؟ لماذا ام يخبرني بالذي لمسه لدى الناس؟ ولماذا لم يوفر أيا من هؤلاء إحصائية عن الأفلام الناجحة، حتى تساعد على الفهم؟

كل الكلام الدائر حالياً سطحي، من وجهة نظري، فالموجات في السينما المصرية ترجع في الأصل لمشكلة هيكلية في الإنتاج، بمعنى أن المنتج لا يغامر من ناحية، ولا يخلق أصول صناعة السينما في مصر من ناحية أخرى. فالخام غالي والكاميرات من برة. ولكي يتم ضغط التكاليف وضمان الربح يلجأ المنتجون للعمل على الأفكار الرائجة فالفيلم الناجح يصنع مثله.

نرجع للسؤال هل هذه موجة عشوائيات، من وجهة نظري لا. هناك حركة اجتماعية صاعدة في العالم منذ سنة 99، في مواجهة الرأسمالية العالمية، وفي مصر من سنة 2000، انفعالا بانتفاضة الأقصى. الجماهير جرت، وأنعشت النخبة السياسية، والنخبة السياسية والجماهير تحركت مع ضرب العراق، وكل هذا فتح المجال لتشكل حركة كفاية، الأمر الذي أدى إلى إنشاء فنانين وأدباء من أجل التغيير. وبعد ذلك بفترة قصيرة حركة للأطباء، وتحركات للتجار الفراخ، وإضرابات في المصانع، ونضال الفلاحين للحفاظ على أرضهم. هل من الممكن أن يحدث كل ذلك في المجتمع دون أن تظهر أفلام تعكس بشكل دقيق صادق لهذه الظواهر، أو بشكل مشوه، أو حتى ساذج؟ هذه ليست موجة عشوائيات، لكن الناس لما صوتها يعلى لازم السينما تستجيب.

على أي حال فيلم مثل الفرح لا يدور في منطقة عشوائية، فأحداث من النوع الذي يجسدها الفيلم تدور في أحياء شعبية كلاسيكية، مثل السيدة زينب.

من الملاحظ مؤخرا أن مقاييس الفيلم السينمائي لدى المتفرج قد اختلفت. فلم يعد البناء الدرامي، وحبكة القصة عناصر مهمة، وحل محلها ما يمكن تسميته بالعنصر التسجيلي. فالمتفرج يقيم فيلم الفرح بناءاً على مدى دقته في تجسيد الفرح الشعبي، بكافة جوانبه، ويقيم فيلم دكان شحاتة بكم المشاهد، التي تجسد معاناة الناس، من نوع جراكن الماء، وطابور العيش، وشهداء بني سوي،ف وغيره من المشاهد، التي لا نتجاوز إن قلنا أنها خارج السياق الدرامي تماماً. حتى فيلم مثل إبراهيم الأبيض ينحصر الجدل حوله، في ما إذا كان العنف في العشوائيات قد وصل إلى المدى الذي جسده الفيلم أم أن فريق العمل يتجنى على الناس؟ سؤالي هو: كيف ترى مثل هذا التغير؟ هل هو إيجابي أم سلبي من وجهة نظرك كفنان وصاحب مواقف سياسية؟

وجهة نظري هي أن هذه العناصر متغيرة، وعلينا الإنصات لما يريده الناس ليس بمنطق خدمة التوصيل للمنازل. هناك نماذج كثيرة في التاريخ الفني كسرت الدراما على سبيل المثال؟ بريخت كسر الدراما لصالح الشكل الملحمي، وبيتر فايس كسرها لصالح الشكل التسجيلي. هذه إرهاصات، خطوة للأمام أو شعلة. ومن الممكن أن تكون نتيجة لبعد السينما عن الواقع لفترة طويلة. “كنا نروح السينما نلاقي نفسنا في شرم الشيخ والحياة لوز والبنات لابسة على سنجة عشرة والولاد في التمام”.

نحن في وقت تحولات كبيرة، وهناك جيل يولد ولا يصح مواجهته بمنطق الأكاديمي الجالس على الكرسي، والمسؤول عن عملية التنقيح. لازم يكون التعامل بشكل مختلف، يعني ندخل مع الناس ونتعجن في بعض، لكي نخرج بأشكال جديدة. ممكن نفشل في أكثر من فيلم لكن التوجه للواقع في حد ذاته، باعتباره جاذب للناس، يحمل إمكانيات. لا أقصد تذيل الجماهير وتقديم ما هو سطحي، لأنه يحوز على إعجابهم ، لكن بالتأكيد ليس كل الجماهير سطحية.

ما هي نوع الأزمة التي تقوم هذه الأفلام ” التجريبية” إن صح التعبير بعكسها؟ وما هو نوع الحل الذي تقوم بطرحه؟

هناك أفلام كثيرة عن الفقر مثلا عمارة يعقوبيان، حيث علاقة الناس اللي فوق بالناس اللي تحت، وواحد صفر، وحين ميسرة وهي فوضى وكباريه والفرح. لكن كل مخرج يفهم الفقر، ويعكس الفقر، وحلول الفقر بطريقته، لكن جميعهم يقول أنهم يريد الدخول إلى هذه المنطقة.

نقطة أخرى الفقر ليس من الموضوعات التي يمكن الدخول فيها بمنطق التهريج لأنه “حيتفقس”. كم كبير من الجمهور إما فقير أو من أصول فقيرة أو مأزوم بشكل ما. هذه النقطة مهمة للتأكيد على أنه من غير الممكن أن يكون هناك موجة أفلام الفقر على غرار موجة أفلام المصايف. الفقر له خصوصية تمنع “استغباء” الناس. من يتكلم عن الفقر أو المناطق العشوائية أو الأحياء الفقيرة أو الإضرابات والاعتصامات بمنطق المتاجرة مكشوف لا محالة، إن لم يكن هذا العام ففي العام المقبل.