بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

فن وأدب

السينما بعد الهزيمة:

تحولات وتنويعات دفعة 67

قد يكون من المصادفات المثيرة أن أشهر دفعة تخرجت من معهد السينما تسمى “دفعة 67″، وهي تضم أهم مخرجي الواقعية الجديدة: خيري بشارة وداوود عبد السيد، وتضم أيضا المخرج على بدرخان، كما تضم المخرج التسجيلي الراحل حسام على، وكلهم زملاء قسم الإخراج بالمعهد.

يحكى داوود عبد السيد كثيرا عن توقف أحلامه حين قامت حرب 1967 أثناء إخراجه مشروع تخرجه، وكيف انكسر الحلم وانشغل بالتفكير في المستقبل.

سبق داوود لحقل العمل زميله خيري بشارة الذي جعلته الهزيمة يفكر في طريق آخر لتسجيل الواقع يختلف عن سينما تمجيد النظام الناصري وترديد شعاراته التي ظهرت جليا في أعمال صلاح التهامي وعدد آخر ممن شاركوا فيما سمى وقتها “إزالة آثار العدوان”، ومنهم فؤاد التهامي، أحمد راشد، وآخرون لم يتخرجوا في “دفعة 67″، ولكنهم بدأوا نشاطهم فور الهزيمة بسلسلة أفلام تدافع عن الصمود وتشارك في خدمة بلدهم بطريقتهم.

عمل خيري بشارة بهمة على تطهير الأفلام من آفة “البروباجندا”. فور تخرجه في 1967، عمل مساعدا للإخراج مع عباس كامل في فيلم “أنا الدكتور” عام 1968، ومع توفيق صالح في “يوميات نائب في الأرياف” عام 1969.

في فيلمه التسجيلي الأول، اختار بشارة المجند “عبد العاطي” الذي لُقب بـ”صائد الدبابات” ليعبر من خلاله عن انتصارات الجنود في حرب أكتوبر 1973، ليكون بهذا قد قرر كتابة التاريخ ليس من خلال القادة الكبار والزعماء، ولكن من خلال فرد بسيط من الشعب المصري وجده خيري البطل الحقيقي الذي حقق النصر لمصر.

بعد هذا الفيلم قدم بشارة “طبيب في الأرياف” عن طبيب يذهب للعمل في فترة التكليف بوحدة صحية بصعيد مصر ويعدد مشاكل الفلاحين وصعوبة حصولهم على العلاج والدواء. نجح الفيلم بامتياز وحصل خيري عنه على جائزة الدولة التشجيعية، وحصد جوائز أخرى عديدة منها جائزة النقاد وجمعية الفيلم. إذ كانت الأفلام التسجيلية آنذاك تعرض بدور العرض ويشاهدها الجمهور العادي قبل الفيلم الروائي. ولهذا كانت تخضع لمسابقات الأفلام التي تم عرضها على الجمهور.

يستمر خيري في طريق سينما تركز على ملح الأرض من شعبنا، بإلقاء الضوء على نماذج متفردة منهم. فعندما طُلب منه وزملاؤه تحقيق أفلام عن الفنانين التشكيليين، اختار خيري “عبد البديع”، الفنان التلقائي الذي عمل طباخا لهدى شعراوي، ولم يلتحق بدراسة من أي نوع، وشكّل تماثيله بإبداع متميز. اسم الفيلم “حديث الحجر”، وفي بدايته يستعرض خيري منزل عبد البديع. نرى الزوجة في حركتها اليومية تمسك بفرخة وصوت عبد البديع يحكى عنها، ثم نرى الابن شريف خريج الفنون الجميلة يساعد أباه في نقل ووضع قطعة الرخام على عربة بدائية إلى الورشة. ويعلق عبد البديع بصوته عن مسابقة هدى شعراوي: “مسابقة ست الحسن، أجمل حاجة عند كل واحد، عملت التمثال بأدوات بدائية، ثم أصبحت طباخ هدى شعراوي.”

وعن “طبيب في الأرياف”، الطبيب خليل فاضل، قال خيري بشارة: “.. كنت أرى فيه الجزء الذي أحب أن أكونه ويكونه الجيل الذي أنتمي إليه. مثل طيور النورس، كنت أشاهد نفسي وأيضا كل أبناء جيلي. إنهم نوارس في رحلة بحثهم القلق عن الأفضل”.. “كانت المشكلة المطروحة أمامي من أجل عمل فيلم تسجيلي ــ منذ صائد الدبابات ــ هي كيفية تخليص الفيلم من البروباجندا.. وتطوير محاولات زملائي السابقة في التعبير عن الواقع المصري.. ثم كيف أجعل الفيلم التسجيلي مثيرا للاهتمام.”

هل كان خيري يجرّب شكلا جديدا للفيلم يعتمد على قيام بطل فعلى بإعادة أداء دوره في الحياة أمام الكاميرا، مازجا بين تلقائية الحدث الواقعي والأداء الدرامي المعد سلفا من قبل السينارست/المخرج؟ يقول خيري: “قيام شخص ما بأداء مشاهد متفق عليها من حياته الخاصة ليس شكلا جديدا، وأنا أتعلم ممن سبقوني: فلاهرتي وجريرسون.”

وحينما حانت الفرصة لخيري وقابل المنتج “ممدوح يوسف” الذي اقتنع به، أخرج فيلمه الروائي الطويل “العوامة 70″، الذي كان بطله مخرجا للأفلام التسجيلية يكتشف، أثناء معايناته لتحضير فيلم، جرائم في حق العمال، وتشاركه خطيبته الصحفية في الكشف عن المجرمين. البطولة كانت للفتى الأسمر أحمد زكى (الذي راهن ممثلو السينما المصرية التقليدية على استحالة تقبله كبطل شعبي وهو ما ثبت خطؤه).

وبدأت موجة جديدة في السينما المصرية أطلق عليها النقاد “الواقعية الجديدة”، بموضوعاتها التي تتسم بحس تسجيلي وأبطالها الذين يشبهون رجل الشارع العادي. ولمع في هذا السياق عاطف الطيب الذي تخرج عام 1970 وقدم واحدا من أهم أفلام هذه الفترة: “سواق الأتوبيس” الذي نبه لقوانين الانفتاح. وأكمل المناقشة داوود عبد السيد بفيلمه “الصعاليك” عن أثرياء فترة الانفتاح، وهو الفيلم الذي قدم نظرة مستقبلية لصعود طبقة جديدة تسيطر على الاقتصاد المصري، كأحد النتائج السلبية لهزيمة 67 وتراجع الحلم الاشتراكي الناصري.

ولد داود عبد السيد عام 1946 وتخرج في معهد السينما عام 1967. وقدم من إنتاج المركز القومي للسينما “وصية رجل حكيم في شئون القرية والتعليم” عام 1976، و”العمل في الحقل” عام 1979.

يدور الحوار بين الصديقين الزميلين العاشقين لفن السينما خيري وداود على النحو الآتي: “أنا حاعمل سينما جديدة، أفلام تكسر الدنيا”.. “إنت مش حتعمل حاجة أبدا. أنا حاغير شكل الدنيا. من هنا حنبدأ موجة جديدة..”

دون الالتجاء لتكوين جماعة، دون شعارات، وبمضامين تعكس القلق والرغبة في التعبير، وُلد جيل جديد يقدم سينما أخرى بدأت إرهاصاتها مع السينما التسجيلية التي لا تكذب، ولكنها تتجمل، في عملين بديعين “وصية رجل حكيم في شئون القرية والتعليم” و”العمل في الحقل” عن الفنان التشكيلي حسن سليمان.

في “وصية رجل حكيم في شئون القرية و التعليم”، استخدم داوود التعليق بشكل جديد يحقق جدلا بين فريق يعارض تعليم أبناء القرية ويعتقد أن تعليم الفلاحين يهدد سلامتهم، وفريق آخر منحاز إليه بقوة ويدافع عن قضية تعليم الفلاحين وتطوير القرية إلى حد يعرضه للقتل.

وعن هذا التكنيك يقول داوود “لكل منا طريقته في التفكير. كنت أكره التعليق الغالب على أفلام الفترة التي سبقت عملي في الفيلم التسجيلي. كان التعليق عادة رسميا جدا، أقول عنه “صوت ربنا”.. صوت لا يأتيه الباطل أبدا، وهو يناسب المنهج الإعلامي والأنظمة الشمولية. وحدث تغيير لجأ إليه عدد من المخرجين بأن يستنطقوا الناس العاديين. جعلوا الشخصيات العادية تتحدث. ولكن كانت هناك صعوبات تقنية كثيرة. فالعمل كان يتم بوسائل بدائية ويخرج الصوت رديئا وغير متزامن مع الصورة. ثم ظهرت أفلام تستغني تماما عن التعليق كرد فعل لمشاكله. وظهرت محاولات لعمل شكل جمالي بعيدا عن التعليق. أما في فيلم “وصية رجل حكيم” فإن طبيعة الموضوع فرضت وجهتي نظر. ففكرت في استخدام التعليق للتعبير عن وجهة النظر المسكوت عنها لتظهر بشكل واضح وفج. وفي نفس الوقت أردت اللعب على تراث السينما التسجيلية الذي يظهر فيه التعليق معبرا عن وجهة نظر ربنا ـ الحقيقة المطلقة ـ وأترك المشاهد للحظات يصدق هذا المنطق، ثم بعدها يرى وجهة النظر الأخرى.”

يحصل الفيلم على جائزة التحكيم الخاصة من مهرجان الأفلام المصرية التسجيلية والقصيرة لعام 1977 وجائزة اتحاد النقاد المصريين في نفس العام مناصفة مع فيلم زميله خيري بشارة “طائر النورس”.

يقول داود: “عمل الأفلام التسجيلية كان سلاحي ووسيلتي لأعرف بلدي وناسي.. وأنا مخرج صغير لا يعقل أن أقعد مع حسن سليمان على قهوة مثلا. كان عمل فيلم عنه هو وسيلة لمعرفته. العمل في حقل الفيلم التسجيلي يمثل طرقا مختلفة للدخول في عوالم أخرى، عالم الفلاحين في (وصية رجل حكيم)، وعالم كبار الفنانين في (العمل في الحقل)، لم تكن رغبتي فقط أن أكون مخرجا، بل متعتي أيضا كانت الذهاب لرؤية أماكن وشخوص.”

لم يلتحق خيري بشارة ولا داوود عبد السيد بالجيش، وخدما وطنهما من خلال المشاركة في تغيير وجه السينما التسجيلية، وبعدها السينما الروائية، بأعمال يعاد اكتشافها كلما عرضت. لكن زميلهم “حسام على” جُند في الحرب باختياره. فهو أحد فرسان كتيبة دفعة 1967 المحاربة وأكثر أبناء جيله رومانسية.

فبمجرد هزيمة 67 قرر أن يترك الامتحانات الوشيكة، وأن يلتحق بالجيش لإزالة أثار العدوان. لكن صلاح أبو سيف أقنعه بأن الموضوع سيطول ومن الأفضل إنهاء الدراسة أولا. فتخرج في قسم الإخراج بمعهد السينما، ثم قسم الدراسات الاجتماعية والنفسية بكلية الآداب عام 1971، ثم تم تجنيده وعمل مراسلا حربيا خلال حرب أكتوبر 1973.

قدم حسام علي فيلمه “الحصاد” بتناول وصل فيه لفكرة عدم جدوى الحرب وقسوتها على شباب العشرين حتى لو كانوا من الأعداء. قصد أن يقول في فيلمه “انظروا.. إنه حصاد حرب ضد الإنسانية، حرب لا يريدها أحد.” رهافة حس المخرج المتحمس لبلده، وللقضية الفلسطينية، لم تمنع تعاطفه مع شباب، بشر لا ذنب لهم في قرارات رجالات السياسة. فجاء فيلمه مختلفا، بعيدا عن التفاخر والنبرة الدعائية.

التعاطف مع الإنسان في كل مكان هو ما سيقود خطوات حسام على طوال مسيرته التسجيلية، بدءا من فيلم (صورتي الجديدة – 8 دقائق) عن رسالة طالب فنون جميلة انضم بعد تخرجه للقوات المسلحة على الخطوط الأمامية إلى زميلته الفلسطينية التي انضمت للمقاومة، مرورا بفيلمه البديع عن العمالة المصرية في الداخل والخارج “سوق الرجالة”، وفيلمه “اوكازيون” الذي يقدم فيه تقابلا بين لافتات أحداث حرب الخليج الثانية، ولافتات الاوكازيون وعاصفة الأسعار التي تحطمت تحطيما، تلك الكوميديا السوداء التي تنقل كيف تعامل الشارع المصري مع قضية الغزو العراقي للكويت وقضية القصف الأمريكي للعراق بينما يقيم اوكازيون للملابس والأحذية، وصولا إلى (ثلاثية رفح – 12 دقيقة) الذي يقدم فيه صورة قاسية عن سكان مدينة رفح التي تقسمها أسلاك الحدود إلى رفح المصرية ورفح الفلسطينية.

ويواصل حسام رحلته معبرا عن موقفه السياسي عبر أفلامه التي تنتهي بفيلم عن أطفال العراق بعد عشر سنوات من الحصار (أوراس: ترنيمة حب لأطفال العراق – 21 دقيقة)، وفيلمه الآخر الذي يصور وضع النساء في العراق وصمودهن في مواجهة الحصار (نساء تحت الحصار)، ولا يسعفه العمر ليقدم فيلمه عن المطران كابوتشي والذي كان ينوى من خلاله مناقشة القضية الفلسطينية، والوحدة الوطنية بين المسلمين والمسيحيين.

يكرم مهرجان الشاشة العربية المستقلة في دورته الثانية بالدوحة حسام علي، ويُمنح شعار المهرجان ويصدر كتاب عنه. ذلك المخرج الذي تخرج مع دفعة 1967 واختار السينما التسجيلية للتعبير عن مشاكل أبناء شعبه وللتعبير عن تعاطفه مع الإنسان في كل مكان.

أكمل خيري وداوود طريقهما في السينما الروائية، بأعمال تمردت على السينما السائدة، مدفوعين بالتأثير الذي خلقته هزيمة 67 وانكسار الحلم لديهما. وتم الاحتفاء بهما وبالسينما التي أنضجتها صحوة هزيمة 1967، واستمرا يجاهدان ضد سياسة السوق والسينما السائدة، حتى انتصرت سينما المقاولات، وبعدها سينما الكوميديانات، وبعدها سينما المولات الفاقدة للأصالة، وغير المعبرة عن الشعب المصري، والفاشلة في التعبير عن واقع العلاقات الاجتماعية للمجتمع المصري في سنوات ما بعد الانفتاح.

وبينما كان فرسان 67 يُحاربون ويُمنعون من مواصلة طريق الإبداع، كانت بداية على بدرخان مختلفة. إذ انخرط في حقل السينما التجارية وصناعتها، وعمل مساعدا مع يوسف شاهين، ثم مخرجا لفيلم روائي بأبطال كبار(“سعاد حسنى” و”محمود يس” – وهم كانوا نجوم المرحلة)، هو فيلم “الحب الذي كان” بسينما تقليدية شكلا وإن كانت تطرح مفاهيم طليعية ــ قياسا على الفترة ــ من الانتصار لحرية الاختيار ونقد مؤسسة الزواج التقليدية.

بعدها شارك بدرخان في فيلم هام من الأفلام التي تنتقد ممارسات الحقبة الناصرية، والتي سميت بأفلام مراكز القوى، وهو فيلم” الكرنك” الذي كتب له السيناريو ممدوح الليثي. ثم توطدت علاقته بصلاح جاهين وبالشيخ أمام وشاعره الصعلوك “أحمد فؤاد نجم”، وتحول مساره ليخرج أفلاما لها بعد سياسي. وتركزت اختياراته على كل ما له مغزى معاصر. فقدم “شيلني وأشيلك” و”أهل القمة”، ثم قدم رائعة “الجوع” لسيناريو ركبه من 4 قصص من ملحمة الحرافيش لنجيب محفوظ بالاشتراك مع طارق الميرغني ومصطفي محرم، وموضوعه يعكس وعيا سياسيا وإسقاطا على الأحداث المعاصرة، وأهمها ديكتاتورية الحكم التي أدت إلى هزيمة 1967.

وبمرور الزمن عاد بدرخان ليقدم أفلاما ابتعدت عن السياسة وناقشت قضايا اجتماعية كفيلم” الراعي والنساء” المأخوذ عن قصة أجنبية أخذ عنها خيري بشارة فيلمه “رغبة متوحشة”. وفي نفس الوقت تراجعت سينما “الواقعية الجديدة” وهُزمت أمام رموز السينما التقليدية، سواء بالاندماج فيها كما حدث لعلى بدرخان، أو بالهروب إلى الإعلانات والمسلسلات كما حدث مع خيري بشارة. بينما بقى داوود عبد السيد يقدم أعماله المعبرة عن تحولات المجتمع بإصراره على الاستمرار في طريق البداية الذي سلكه بعد انكسار الحلم الذي أنضجه الوعي بأهمية التنبيه لما يحيق بنا من أخطار.

ملاحظات:

* دراسة مختصرة بالاستعانة بعدد من المقالات نشرت في مجلة “الفن السابع” تحت عنوان “جماليات السينما التسجيلية” كتبتها صفاء الليثي متناولة جذور عدد من رموز السينما المصرية الجديدة.