بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

الثقافة والفن والتطبيع

“كل علاقة بإسرائيل؛ اعتراف، أو صلح، أو تطبيع، أو تعامل، أو تعايش.. هي الخيانة بحذافيرها” ( جمال حمدان)

قذيفة ألقاها جمال حمدان، في وجه كل المطبعين، والمتعاملين مع الكيان الصهيوني، وقبل أن نتحدث عن التطبيع الفني، وآثاره ورموزه، كنمط من أنماط التطبيع الثقافي، ينبغي أن نعرض لمفهوم التطبيع. التطبيع: هو تغيير ظاهره ما، بحيث تتفق في بنيتها وشكلها واتجاهها، مع ما يعده البعض طبيعياً، ونقصد بمصطلح التطبيع بين بلدين، جعل العلاقات طبيعته مقبولة وعادية، وهذا ما قاومه الشعب المصري، بعد اتفاقيه السلام(كامب ديفيد)، إذ طالبت الدولة الصهيونية بتطبيع العلاقات بين البلدين.

لذلك كان اتجاه الدولة حثيثاً، بعد اتفاقيه السلام، في تعديل الرؤية للكيان الصهيوني، عن طريق رموزه السياسية والثقافية الفنية، في طرح قبول الآخر والسلام. ولعلّ اتفاقيه التطبيع الثقافي بين مصر وإسرائيل،1980، كان لها الدور الأكبر في تحديد اتجاهات النظام المصري، في أُطر التطبيع، ومن أهم بنودها: تشجيع التعاون في المجالات الثقافية والعلمية والفنية، وتشجيع تبادل الزيارات، بين العاملين والخبراء، في هذه المجالات، فضلاً عن تبادل المطبوعات الثقافية والعلمية والتعليمية وبرامج الإذاعة والتلفزيون، والأفلام الثقافية والعلمية.

لا يخفي علينا أهمية دور الثقافة والفن، كمحدد لرؤية وأفكار أصحاب الهوية الواحدة، ولعل أبرز ما قيل في ذلك المضمون، ما أتى علي لسان إسحاق نافون، في جامعه بن جوريون، وفي حضور السادات: «إن تبادل الثقافة والمعرفة لا يقل أهمية عن أي ترتيبات عسكرية وسياسية».

كان للنظام المصري أبواق دعائية، لتنفيذ هذه الاتفاقية، من أبرزهم «علي سالم»، النصير الأول لإسرائيل في مصر، والذي جاء علي لسانه أنه لا خطر من إسرائيل ولا طموحات لها في بلادنا، والشعب المصري شعب جاهل، لن يستطيع أن يفهم زيارته إلي إسرائيل. ولم يكن علي سالم، بالطبع، الوحيد، ولكن للأسف، شارك معه العديد من رموزنا الثقافية من أمثال توفيق الحكيم، الذي كان من أوائل من أيد مبادرة السادات للاستسلام لإسرائيل.

لعل مثقفينا الكبار، وقعوا فريسة لرؤية الجهل، وضيق الأفق في نظرهم لجذور الصراع وأبعاده، واستهدافه للمنطقة، وإن كان هؤلاء هم الجيل الأول ممن دافعوا عن التطبيع، وروجوا له، إلا أن موجات المطبعين لا تنتهي، فيكفي أن نذكر اسم البهجوري، الذي شارك في معرض كاريكاتير من اجل السلام في إسرائيل، أو مدحت صالح الذي سافر إلى إسرائيل للغناء. لم يتوقف الأمر إلي ذلك فقط، لقد كسرت شركه عالم الفن الحظر المفروض من النقابات الفنية، بحظر التعامل مع الكيان الصهيوني، عندما باعت البوم هيفاء وهبي إلى شركة هواتف إسرائيلية، عام 2008.

كما شارك الفنان جابر البلتاجي، فنان الأوبرا، في احتفالات الطائفه اليهوديه بالقاهرة، بدعوة من السفارة الإسرائيلية بالقاهرة، بمناسبة ترميم المعبد اليهودي، وغني إحدى أغنيات صلاح جاهين، وفايدة كامل، «أغنية بحب السلام، الأمر الذي أدى إلى استفزاز ابن الراحل صلاح جاهين، ولجوءه إلى القضاء.

كل هذا، غيرما يقوم به المركز الأكاديمي الإسرائيلي، من محاولات مستمرة للتطبيع عن طريق توجيه الدعوة إلي العديد من المثقفين والفنانين لحضور ندوات ومهرجانات، ومحاولة تسريب الأفلام الإسرائيلية لمهرجاناتنا السينمائية، مثلما حدث في مهرجان الأفلام التسجيلية بالإسماعيلية، وكذلك فيلم سلطة بلدي للمخرجة نادية كامل الذي صور في تل أبيب، عمرو واكد، الذي اعتذر مؤخرا عن مشاركته في فيلم بين النهرين، والذي كان يشارك فيه ممثل إسرائيلي، وكان اعتذاره عن عدم علمه بأن الممثل إسرائيلي.

لكن من الأحداث الجسام، ما قام به الكاتب لينين الرملي، من تأييد التطبيع الثقافي، ودفاعه عنه، من خلال دعوته للملحق الثقافي الصهيوني، لحضور عرض «اخلعوا الأقنعة»، معللاً موقفه في ذلك بنجيب محفوظ، و مواقفه التطبيعية، وعدم محاسبه أحد له طوال عمره . ومن آخر المواقف حديثاً، ما قامت الكاتبة إيمان مرسال، بترجمة كتابها إلي العبرية. في حاله من الاستغراب، لماذا العبرية تحديداً ماذا يهمنا من قراءة هؤلاء لأدبنا وتراثنا!

لعل قتامة هؤلاء قد أضفت علي المقال جانب من السوداوية، إلا أنه ما يجعل الواقع مشرقاً، مساحات التصدي الصامدة، لكل هذه الموجات التطبيعية المتلاحقة، سواء من النقابات المختلفة، ومواقفها الصريحة في رفض التطبيع، ومعاقبة كل من يوصم بذلك. كذلك من فنانينا المتمسكين بمبادئهم الوطنية، من الوطنيين والشرفاء. ولا ننسى موقف مجموعة من مطربي الجيل الجديد، الذين رفضوا عروضا لإقامة حفلات، أو حتى عرض أغنياتهم، في القنوات الفضائية الإسرائيلية.

من هنا نقول أن اتجاهات المبدع والفنان، تنطلق من أيمانه الحقيقي بدوره في فنه وإبداعه، حتى لو أُصيبت الثقافة السائدة بالإهدارات الملوثة، فالأصل هو الضمير الإنساني، والثوابت الوطنية، فهي أشياء غير معروضة للبيع، مع نخاسي التطبيع، وخيانة الثوابت الوطنية، ليست وجهه نظر أو حرية فكر أو إبداع، إنما هي قضيه وطن. إن التطبيع هو مناط الأنظمة العميلة الخائنة، للحفاظ علي مصالحها ووجودها، وهذا يفهم من إطار النفعية البحتة والمصالح الشخصية.