بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

فن وأدب

تصدر ألبومها الثالث دولياً ومحلياً وتصور فيديو كليب به موديلز!

الطنبورة لا تكذب ولكنها تتجمل

على مدى مايقرب من سبعة عشر عاماً، مثلت فرقة الطنبورة البورسعيدية حالة فريدة وتجربة مميزة بحق، بالنسبة لكونها مشروعا جادا لإحياء تراث موسيقي عظيم كاد أن يندثر، قائماً من الصفر على يد أفراد عاديين، وفي ظل صعوبات كانت ستجعل من فشل المشروع –وهو لم يفشل- شيئاً مفهوماً وعادياً. وها هي الطنبورة تستعد لإطلاق ألبومها الرابع «بين الصحرا والبحر» بإنتاج لشركة إنجليزية، وتوزيع في السوق العالمي والمحلي، وها هي الطنبورة تصور فيديو كليب مجهز خصيصاً للعرض على قنوات الأغاني الفضائية، وها هي في نفس الوقت تتواجد بنجاح في سوق الموسيقى العالمي عبر مهرجانات وأحداث موسيقية متميزة عبر العالم.مصر الخمسينيات: مجتمع نابض بالأمل والرغبة في التغيير، تصادره حركة عسكرية باسم الثورة، تحتكر التفكير السياسي والمستقبل، ولا تميز، وسط غبار معاركها الداخلية والخارجية، بين أعداء تاريخيين، على رأسهم محترفو السياسة قبل 52، وبين أصدقاء محتملين لشعارات بدأت الحركة في طرحها مبكرا، مثل الاشتراكية والتقدمية.

استمرار فريق كالطنبورة طوال كل تلك السنوات، كان أمراً شديد الصعوبة، لولا وجود فنان مغامر ومؤمن بالفكرة وقادر على إدارتها مثل «زكريا إبراهيم» مدير الفرقة، ولولا وجود دعم مادي من جهة ما وتلك الجهة كانت مؤسسة «فورد» الأمريكية، ولولا وجود قاعدة أساسية من جمهور متعطش لجذوره كالجمهور الذي تابع ودعم الطنبورة منذ بدايتها وحتى اليوم.

تكونت الطنبورة في ظروف شديدة الصعوبة في ثمانينيات القرن الماضي، عندما استمر «زكريا إبراهيم» الشاب البورسعيدي البسيط ما يقرب من تسع سنوات، محاولاً جمع شتات الصحبجية القدامى من عازفي ومغني السمسمية في بورسعيد، والذين كانوا قد فرقتهم الظروف الجديدة التي وصلت لها بورسعيد بشيوع أخلاق وثقافة الانفتاح في الثمانينيات، فانتشر الإحباط بينهم وبدأ الموت يأخذ بعضهم، بينما انهمك الباقون في مهنهم الأصلية كصيادين وعمال وحرفيين.

كان الباقي من السمسمية وقتها لا يزيد عن تواجد خجول في بعض الأفراح الشعبية وسط أجواء التحايا والنقوط في ضيافة أغنياء الانفتاح الجدد، أو في قصور الثقافة التابعة للدولة باهتة وخجولة ومنزوية كحالها هناك إلى اليوم. أعاد زكريا ابراهيم ورفاقه الحياة والمجد الغابر إلى السمسمية بعد محاولات مضنية، بإعادة جمع وتسجيل تراث السمسمية الذي وصل حتى اليوم لأكثر من 20 ساعة صوتية من التراث الغنائي الشفاهي الذي لم يسبق له التدوين، من أغاني (الضمة) ذات الطابع الصوفي الذي يشبه جو الحضرة، وأدوار العشق الروحانية، والأغاني الكوميدية الساخرة، وغيرها من تراث السمسمية البورسعيدي الذي تكوّن في ما يزيد عن مائة عام، بعد أن تجمعت روافده في بورسعيد قادمة من الشام والنوبة والعراق ودمياط والمنزلة وسيناء والصعيد والقاهرة، وعبر أحداث تاريخية واجتماعية مهمة شكلت هذا الوعي والفن الجمعي بالتدريج؛ بدءاً بحفر القناة وانتهاءاً بالعدوان الثلاثي وحرب الاستنزاف، مروراً بتهجير وعودة أهل القناة.

مع فرقة الطنبورة تطورت موسيقى السمسمية بشكل ملموس، حيث دخلتها آلات جديدة مثل «الطنبورة» التي تم جلبها من حفلات الزار وتطويعها للمشاركة مع السمسمية، ومثل الكوَلة والصاجات، وكذلك تطورت السمسمية نفسها متخذة أحجاماً مختلفة على غرار عائلة الكمان. وانطلقت الطنبورة من حفلها الأسبوعي الثابت كل يوم أربعاء في قهوة النجمة ببورفؤاد، إلى مهرجانات الموسيقى الشعبية حول العالم محققة نجاحات وجوائز وتواجد مهم للموسيقى الشعبية المصرية، وأصبح للفرقة اليوم جدول عامر من الحفلات في أماكن ومحافل موسيقية محترمة في أوروبا وغيرها.

من لم يحضر حفلات للطنبورة، فقد فاته بالتأكيد تلك الحالة المسرحية الموسيقية المبهرة، التي يخلقها أفراد الفرقة على المسرح؛ بتبادلهم للعزف والغناء والرقص والتشخيص بتلقائية وتمرس، على اختلاف أعمارهم التي تتراوح بين العشرينات والسبعينات من العمر. حالة وإن عبرت عن تراث وليس عن واقع نعيشه، فهي تمسك في الصميم وتلمس في روحك مناطق من الفرح والشجن والحماس والوجد.

لا شك أن الطنبورة في طريقها الفني حاولت تلمُس أسباب الوجود الفني الذي يتوائم معها ومع الواقع الفني عموماً، فكونت قاعدة جيدة من الجمهور المصري بتقديمها لعروض ثابتة أو عارضة في بورسعيد والقاهرة وباقي مدن مصر، وكذلك إصدارها لألبومين من إنتاجها هما «نوح الحمام» 2002، و»أهوى قمر» 2003، لم يلقيا حظهما من التوزيع التجاري الجيد والدعاية الملائمة، وحتى الأغنيتين اللتين تم تصويرهما بطريقة الفيديو كليب للترويج للفرقة لم يلقيا فرصاً حقيقية للعرض.

ومؤخراً بدأت إدارة الفرقة في طرق أبواب جديدة لتحقيق تواجد فني أفضل للفرقة محلياً وعالمياً، لا مانع أن يكون تجاريا ومربحا، وكذلك لتغطية نفقات الفرقة المكلفة وضمان استمرارها، فقام الفريق بالتعاون مع شركة 30IPS الإنجليزية بإنتاج وتوزيع ألبوم جديد هو «بين الصحرا والبحر» يصدر قريباً، حيث تتولى الشركة الإنجليزية توزيعه حول العالم، وتتولى توزيعه في مصر شركة مصرية متخصصة، ولغرض الدعاية للألبوم صورت الفرقة إحدى أغاني الألبوم بطريقة الفيديو كليب ليتم عرضها على الفضائيات.

وكان البعض قد اعترض أو تحفظ على الشكل الذي تم تصوير الفيديو كليب به، لاحتوائه على بعض فتيات الموديلز، وكوْن هذا لا يتلائم مع روح الفرقة ورسالتها، وكان رد «زكريا إبراهيم» مدير الفرقة بأن (الطنبورة لا تكذب ولكنها تتجمل)، وأنهم اضطروا لهذا لأسباب إنتاجية ولجذب شرائح أخرى من الجمهور، وأن فن السمسمية لا مساس به ولا إهانة له. وأنا هنا أرى أنه لا بأس، فهي تجربة على أي حال، وعندما شاهدت الكليب لم يكن الأمر سيئاً أو مسيئاً في رأيي.

وعلى أي حال فإن فن السمسمية ليس حكراً على فرقة الطنبورة وحدها، ولو أن التجربة بالنسبة لآخرين بالفعل أصبحت صعبة لأن الطنبورة قد حققت الكثير طوال فترة طويلة، منذ أخذت بزمام المبادرة، ولكن ليجرب آخرون بطريقتهم، فلماذا لا تجرب الدولة مثلاً رعاية الطنبورة وغيرها من الفرق المحترمة لإعفائها من قصة توازنات وتنازلات السوق، وفي نفس الوقت تعفيها من التعليب والتهميش في قاعات بعيدة عن الشارع، ولو أنه نداء في البرية فيما أعتقد! وفي زمن كهذا أفضّل أن تصور الطنبورة فيديو كليب به بعض الموديلز على أن تنتهي تجربة محترمة مثلهم بالتقادم ونُحرم من فن حي وجميل كفنهم.

في انتظار الألبوم الجديد الذي أتشوق فعلاً لرؤية ما سيحققه تجارياً، وفي انتظار تجارب ومبادرات فنية أخرى بهذا المستوى، لأنه يبدو أن هذا هو الطريق الوحيد بكل أسف، فلنأخذ نحن بزمام المبادرة، وسلام يا عم للطنبورة.

تعليق

بينما يقول البعض إن دعم مؤسسة فورد قد ساعد على وجود واستمرار فرق تراثية وأخرى مستقلة مثل الطنبورة، إلا أن هناك جانبا آخر لهذا الدعم. فقد قامت الفرقة بإيعاز من فورد بتسجيل الأغاني التي تؤديها كملكية فكرية. هذا يعني أن الفرقة أصبحت تملك الحق الحصري في استخدام وإذاعة وتسجيل تلك الأغنيات، وعلى الآخرين الذين يودون أن يؤدوها سواء بشكل مجاني او بهدف التربح أن يحصلوا على موافقة الفرقة. ولكن إذا عرفنا أن الأغلبية العظمى من أغاني الطنبورة هي من تراث منطقة القناة، فذلك يعني بشكل مباشر أنه قد تم الاسيتلاء على حق أبناء القناة في ممارسة حقهم البسيط في غناء أعمالهم التراثية.