بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

فن وأدب

بين الفن والمال:

التاريخ الاقتصادي للسينما المصرية

يُحتفل هذا العام بمرور مئة عام على بداية السينما المصرية. وقد تم التأريخ لهذه البداية بفيلم عزيز دوريس التسجيلي “زيارة الخديوي عباس حلمي الثاني لمسجد المرسي أبو العباس” الذي تم تصويره في 1907. وبعيدا عن الجدل القائم حول ما إذا كان هذا الفيلم هو البداية الحقيقية للسينما المصرية، إلا أن الاختراع المسمى السينماتوجراف ظهر في مصر مع بدايات القرن، في نفس وقت ظهوره في الخارج، مع عروض بعثات تصوير الأخوين لوميير في 1896.

كان الاهتمام بالسينما وعروضها منصبا على الجاليات الأجنبية. وجاءت المحاولات الأولي للمصريين للعمل في مجال السينما انطلاقا من الروح الوطنية المحبة للتقدم وإثبات أن المصريين على قدم المساواة مع الأجنبي. ولعل نموذج محمد بيومي خير مثال لهذا المفهوم. حيث سافر لدراسة السينما على حسابه الخاص في ألمانيا، وعاد لينشيء شركة خاصة تقوم بإنتاج الأفلام، بل ومدرسة مجانية لتعليم من يرغب في تعلم أسس هذا الفن الجديد.

تبع ذلك رغبة كثير من المصريين من أبناء الطبقات الراقية في تقديم أفلام مصرية صرفة سعيا وراء الشهرة وحبا في الفن الجديد الذي بدأ ينتشر. والغريب أن رواد الانطلاق المصري في هذا المجال كن من السيدات اللاتي كان لهن دور كبير في الحركة الوطنية. فسنجد في بدايات نهضة السينما المصرية أسماء مثل بهيجة حافظ وعزيزة أمير وأمينة محمد وغيرهن ممن أسهمن في إرساء اللبنة الأولي لهذا الفن في الواقع المصري.

ومع بدايات ظهور الصوت بدأت السينما المصرية تأخذ منحي جديد يتخطى مجال تجارب محبي السينما من الهواة، أو ممثلي المسرح الباحثين عن الخلود عبر الصورة السينمائية. فقد بدأت السينما تدخل مجال الاستثمار الرأسمالي بمعناه الواسع. ويشير كثير من مؤرخي السينما إلي الدور الذي لعبته شركات تسجيل الأسطوانات، التي كانت كلها أجنبية، في دعم ظهور أفلام لمطربيها، بالذات أفلام الموسيقار محمد عبد الوهاب التي كانت تطبع وتحمض وتسجل أغانيها في فرنسا. هذا بالإضافة إلى معدات الصوت التي كانت شركات الأسطوانات تشرف على كونها من أجود الأنواع لضمان نوعيات صوت نقية.

كانت السينما الناطقة منذ البداية غنائية، وذلك للدور المهيمن الذي لعبه الغناء في الفن المصري مع انتشار الفرق المسرحية الغنائية، سواء تلك التي كانت في روض الفرج أو في عماد الدين. ومع ظهور السينما الناطقة بدأت السينما تعرف نظام النجم؛ ليس النجم الخاص الذي خلقه هذا الفن الجديد، لكن نجم الغناء الذي دخل السينما.

من هنا استغلت السينما شهرة نجوم الغناء، كما استغل هؤلاء النجوم السينما كطريق للوصول إلى أوسع قاعدة من الشعب (كانت الإذاعة المصرية في بداياتها، ولم يكن في مقدور الجميع الحصول على جهاز للراديو أو جرامافون لتشغيل الأسطوانات)، وذلك قبل أن تصنع السينما مطربيها وتجعل منهم نجوما، ولعل أشهرهم على الإطلاق في تلك الفترة المطربة ليلي مراد التي تدين بشهرتها الواسعة للسينما.

ولم يقتصر وجود النجم في السينما في ذلك الوقت على نجوم الطرب والغناء، بل امتد ليشمل نجوم المسرح المشهورين أمثال يوسف وهبي ونجيب الريحاني وعلى الكسار. حيث مث~لت السينما أكبر فرصة لانتشارهم. وليس من الغريب أن الفيلمين اللذين دار الجدل حول أيهما هو بداية السينما الناطقة في مصر، (أولاد الذوات لمحمد كريم) أو (سيف الجلاد ليوسف وهبي)، كان يوسف وهبي قاسما مشتركا بينهما.

كان الازدهار الاقتصادي للسينما هو الدافع لظهور كيانات اقتصادية في تلك الصناعة تمثلت في نظام الأستوديو مع قيام أستوديو مصر عام 1935. لكن التجربة لم يُكتب لها النجاح واقتصرت على وجود الأستوديو نفسه فقط لتصوير وتحميض وطبع الأفلام. وأصبحت السينما مجالا للنشاط الفردي، سواء في مجال الإنتاج أو ملكية الاستوديوهات أو المعامل والتوزيع ودور العرض، مع بعض الاستثناءات التي تمثلت في شخصيات مثل يوسف وهبي الذي ساعده نجاحه على إنشاء أستوديو (رمسيس) وشركة إنتاج بنفس الاسم. لكن كل هذا كان موجها لأعماله الخاصة التي كان يكتب معظمها ويخرجه ويمثل فيه، ولم يكن لغرض قيام صناعة سينمائية بالمفهوم الرأسمالي المتعارف عليه لنظام الأستوديو. وبالتالي، فعندما خفتت نجومية يوسف وهبي انتهت إمبراطورته السينمائية.

وكانت السينما المصرية منذ الأربعينات، بالتحديد في الخمسينات والستينات، هي السينما العربية الوحيدة التي تُصنع للتوزيع في السوق على نطاق واسع. ولذا فقد كانت هي سينما العرب. حيث لعبت دورا كبيرا في إيقاظ الهوية العربية عند الكثير من الشعوب العربية التي كانت واقعة تحت الاستعمار، وبالذات شعوب المغرب العربي التي كانت تتوق شوقا للاستماع إلي الحوار باللغة العربية والغناء العربي.

وهكذا فإن السوق الخارجي لعب منذ اللحظة الأولي دورا مهما في تشكيل اقتصاديات السينما المصرية وطبيعة أفلامها ونوعية الموضوعات التي تطرحها، مع بعض الاستثناءات النادرة التي كان يفرضها وجود نجم كبير ذو جماهيرية تجعل أفلامه ذات أرباح مرتفعة. وقد غلب على أفلام فترة الأربعينات والخمسينات، بل وحتى بعض أفلام الستينات، وجود راقصات شرقيات ومطربين وأحداث تدور في الكباريهات والملاهي الليلية من أجل تلبية رغبات الموزع الخارجي.

الثورة وتغير المجتمع

اختلف الأمر بعض الشيء مع قيام ثورة يوليو ودخول فصيل اجتماعي كبير لسوق مستهلكي السينما. إذ ظهرت مع هذا الفصيل دور العرض الخاصة به في الريف والأحياء الشعبية داخل المدن، وهي تلك الدور التي عرفت بسينمات الدرجة الثالثة. وهنا أخذت السينما المصرية تتناول شخصيات وموضوعات لم تكن تتناولها من قبل، مثل أفلام المخدرات وأفلام الحارات الشعبية، وفُتح الباب أمام شخصيات جديدة لتأخذ دور البطولة، مثل الجنود الصغار وأولاد البلد، ولتكون محورا للعمل السينمائي من دون أن تنتقل من واقعها الاجتماعي إلى واقع الطبقات العليا، كما كان يحدث في معظم أفلام ما قبل الثورة من خلال الإرث أو نتيجة للموهبة في الغناء والرقص.

دعّم هذا التحول إيرادات السينما المصرية الآتية من السوق المصري. ثم أتت بعد ذلك تجربة سينما القطاع العام لتقدم سينما جديدة من حيث النوعية مع دخول الريف المصري ضمن الموضوعات التي تتناولها السينما في أفلام مثل الحرام والأرض وجفت الأمطار ويوميات نائب في الأرياف، وهي أعمال اعتمدت في معظمها على أصل أدبي. وجاء ذلك لأن المنتج، وهو الدولة، لم تكن لديه نفس مقاييس الربح والخسارة التي كانت عند المنتج الخاص الذي كان يفكر في مشتري التذاكر الذي لم يكن يضم بالطبع سكان الريف الذين تدور عنهم الموضوعات التي تناولتها الأفلام السابق ذكرها. فقد كانت الطبقة المتوسطة المدينية في الأغلب الأعم هي الوقود الدافع لأرباح شباك التذاكر.

بعد النكسة تقلص إنتاج الدولة إلي أن مات مع إلغاء القطاع العام. وانحسر الإنتاج الخاص لتقلص السوق مع زيادة الإنفاق على المجهود الحربي. ولم تشهد تلك الفترة نجاحات مدوية إلا مع فيلمين هما أبي فوق الشجرة وخلي بالك من زوزو، الأول بسبب وجود نجم الجماهير الأول ومطربها المفضل عبد الحليم حافظ، والثاني بسبب ظروف المجتمع الذي تحول في تلك الفترة إلي مجتمع تحتل فيه النساء مكانة مميزة بعد تجنيد معظم الشباب واحتلال النساء لمكانة مهمة في عجلة تسيير المجتمع. إذ تطابق التغير في المجتمع مع شخصية زوزو الفتاة الجامعية والراقصة بعد الظهر التي تصر على الوصول لقلب حبيبها. كان ذلك مخالفا لشخصية المرأة الضحية التي اعتادت السينما تقديمها على يد ماجدة وفاتن حمامة في نموذج “مانوي” شديد الحدة كعاهرة أو شريرة أو ملاك طاهر.

الانفتاح والانحسار

مع قدوم فترة الانفتاح الاقتصادي شهدت السينما انتعاشا نسبيا، خاصة بسبب الطفرة البترولية وإقدام الموزعين اللبنانيين على الفيلم المصري بقوة أكبر بعد فتح أسواق الخليج أمام الفيلم المصري. وسيطر الموزع اللبناني سيطرة كاملة على سينما تلك الفترة، وهي الفترة التي عرفت بفترة الموزع الخارجي. وفي الداخل، غيّر التضخم وإعادة توزيع الدخل الهيكل الاجتماعي لجمهور السينما لتسيطر عليه الفئات الجديدة من أصحاب الحرف ذات الدخول القابلة للزيادة بفضل التضخم. وبدأت الطبقة المتوسطة في الانحسار وفقدت سيطرتها على التركيب الهيكلي لجمهور السينما. وظهرت نجوم جديدة تتوافق مع ذوق تلك الفئات واهتماماتها، لعل من أهمهم عادل أمام ثم نادية الجندي بعد ذلك.

ووفقا لتقرير المجالس القومية المتخصصة (“تقرير الثقافة والفنون والآداب، السينما في مصر: واقعها ومستقبلها، 79/80″، مأخوذ عن “صناعة السينما في مصر بين الوضع الراهن ودور الدولة والقطاع الخاص وضرورات التطوير”، “التقرير الاستراتيجي العربي”، ص 306)، فإن حالة اقتصاديات الإنتاج السينمائي في سنوات منتصف السبعينات كانت على النحو المبين في الجدول التالي (الجدول مأخوذ عن المصدر السابق):

السنة الأفلام المنتجة الأرباح
1974 42 5%
1975 52 8.9%
1976 49 7%
1977 51 7.2%
1978 51 12.5

ثم تراجعت أرباح السينما المصرية وحجم إنتاجها في السنوات الخمسة التي تلك 1978 لأسباب سياسية أهمها مقاطعة الدول العربية بعد معاهدة السلام مع الدولة العبرية التي أدت إلى غلق الأسواق العربية أمام السلع المصرية ومنها بالطبع الفيلم مصري. لكن مع تغير النظام السياسي بعد مقتل السادات عادت السينما المصرية من جديد للازدهار والنمو كما يوضح الجدول التالي (الجدول مأخوذ عن المصدر السابق):

السنة عدد الأفلام
1983 51
1984 63
1985 76
1986 96
1987 70
1988 82
1989 91
1990 77
1991 56
1992 66

يرجع هذا الرواج في معظمه إلي سببين، أولهما انتشار ظاهرة عرض أفلام الفيديو في مصر وخارجها، بالذات في الدول العربية، وهو ما أدى إلى جعل سوق الفيديو أحد أهم منافذ تسويق السينما المصرية. وقد أنتج ذلك ظاهرة سينما المقاولات، وهي الأفلام التي صُنعت خصيصا للعرض على شرائط الفيديو، ويكون عرضها في دور العرض نوع من البقشيش للمنتج. وهي تتميز بكونها منخفضة التكاليف، وكوميدية في معظمها، وبدون نجوم، وسريعة الاستهلاك والنسيان.

السبب الثاني أن تلك الفترة كانت بداية اهتمام رأس المال العربي بالاستثمار في مجال السينما المصرية، وإن أخذ شكل الإنتاج الفردي، مع قدوم المنتج حسين القلا إلي مصر بحجم ضخم من الأموال ساهم في إنتاج العديد من أفلام الثمانينات، بالذات تلك التي عرفت باسم الموجة الثانية من واقعية السينما المصرية وضمت مخرجين كبارا كانوا جددا في تلك الفترة أمثال عاطف الطيب ومحمد خان وخيري بشارة وداوود عبد السيد وغيرهم.

ثم جاءت سنوات منتصف التسعينات لتعلن موت السينما المصرية غير المعلن. حيث انخفض عدد الأفلام انخفاضا ملحوظا وتقلصت دور العرض السينمائي لأقل عدد وصلت إليه في تاريخ مصر منذ ظهور السينما. ففي 1949 كان هناك 244 دار عرض، ارتفعت في عام 1954 إلي 360 دار عرض، لتصل إلي 255 دار عرض عام 1966، ولكن استمر التدهور حتى وصل في عام 1992 إلي 62 دار عرض (المرجع السابق ذكره ص 311).

وقد ساهم في تراجع السينما ظهور المحطات الفضائية التي بدأت في عرض الأفلام المصرية، بالتحديد القنوات المشفرة التي كانت تعرض أفلاما حديثة نوعا مما أثر علي توزيع الفيديو الخارجي. وانتشرت مقاهي عرض أفلام الفيديو للعامة داخل مصر، وكثرت سرقة ونسخ الفيلم المصري على شرائط فيديو في الخارج، بالتحديد في السوق الأوروبية والأمريكية، وأيضا ارتفعت تكلفة إنتاج الفيلم وأجور النجوم.

لكن أهم سبب من وجهة نظري كان التغير الحادث في اهتمامات الجمهور الذي أصبح يسيطر عليه الشباب من سن 14 سنة حتى 35، وهو جيل جديد لم تعد له مقدسات ولم يعد يرتبط بأي ثوابت سوى المرح والمتعة الوقتية، وهي مسألة لم ينحصر أثرها في مجال السينما فقط بل امتدت لعالم الغناء الذي شاهد نهاية عصر مطربي الكاسيت. هذا الجيل الجديد لم يعد يهتم بأفلام النقد الاجتماعي والسياسي مثلما كان الحال مع أفلام الثمانينات. فهو جيل تغيرت اهتماماته وذوقه وأصبح أقل اهتماما بكل ما هو عام؛ جيل لا يأخذ أي مواقف ويسعى للمتعة اللحظية التي تقدم له من خلال عمل بسيط ساذج مليء بالنكات والقفشات. ولمدة طويلة لم يدرك أحد هذا التغير واستمر الجميع في إنتاج أفلام من نفس النوعية السابقة، إلي أن جاء الانفجار الكبير مع إسماعيلية رايح جاي!

عصر الموزع الداخلي وظهور الاحتكار

مع نجاح فيلم إسماعيلية رايح جاي أدرك المنتجون – أو حتى لم يدركوا، بل قاموا فقط بالتقليد – أن تلك النوعية الجديدة هي التي يقدم عليها الجمهور. فظهرت أفلاما عديدة تتشابه في معظمها من ناحية التركيب والبناء (كوميديا لفظية – سيناريو مبسط حتى لا أقول تافه – نجم جديد تتم تجربته وإن نجح يستمر وإن خفت نجمه يتراجع حتى يختفي.. الخ). المهم أنه لم يصبح هناك نجوم في السينما المصرية بالمعنى الذي كان متعارفا عليه من قبل سوى نجم أو اثنين من نجوم الكوميديا. أما الباقي فيتم عمل توليفات فيما بينهم، وهذا بعد ظهور منافس لأفلام الكوميديا تمثل في أفلام الحركة والتفجيرات التي يتناوب عليها أحمد السقا ومصطفى شعبان ومؤخرا أحمد عز.

مؤخرا أصبحت الأفلام المعروضة الجاذبة للجمهور بسبب من بطلها بالذات هي أفلام نجم أو اثنين من ممثلي الكوميديا أمثال محمد سعد وأحمد حلمي وعادل إمام. أما بقية الأفلام فقد خضعت لظاهرة لم تشهدها السينما المصرية من قبل، أو على الأقل لم تشهدها بهذه القوة، وهي وجود أفلام بديلة تلعب دور الاحتياطي لأفلام القمة، بمعني أن المتفرج يخرج لمشاهدة فيلم معين وعندما لا يجد مكانا شاغرا في السينما يدخل أي فيلم به أماكن شاغرة. فلقد أصبح مشهدا مألوفا أمام شباك التذاكر أن تجد المتفرجين يسألون “فيه تذاكر في فيلم إيه؟” فمن خرج لمشاهدة السينما لا يعود دون مشاهدة، أيا كان الفيلم!

ومن العوامل التي أدت لعودة الرواج للسينما المصرية قوانين الدولة التي ألغت الضرائب غير المباشرة على تذاكر السينما مما زاد من أرباح المنتج والموزع والصالات. والحق أن هذا كان بداية للاستثمار الواسع في مجال دور العرض. حيث زاد عدد دور العرض بشكل كبير مع دخول شركة نهضة مصر وعثمان جروب والأخوة المتحدين والعدل جروب وبهجت جروب وشعاع والشركة العربية وجود نيوز وغيرها من الشركات، بالإضافة إلى صالات مدينة الإنتاج الإعلامي، هذا بجانب دور العرض التي تعرض أثناء فترة الصيف مثل شاشات المصايف ودور القوات المسلحة.

إذن أصبح الفيلم المصري مدر للربح داخل الوطن واختفى الموزع الخارجي ولعبت القنوات الفضائية نفس الدور الذي كان يلعبه الموزع الخارجي حيث أن الأفلام تباع للقنوات الفضائية، بالذات المشفرة منها، بالملايين قبل عرضها، وهو ما يمثل ربحا مضمونا للمنتج الذي لا يحصل سوى علي 50% من إيرادات دور العرض (المرجع السابق ص 310).

ومع دخول رأس المال العربي مجال السينما بالعديد من الشركات زادت الاستثمارات وكذلك الأرباح. فمثلا ارتفعت الإيرادات من 115 مليون جنيها في عام 2004 (وكالة الأنباء الفرنسية 2/1/ 2005) إلي 210 مليون جنيه مصري في عام 2005. لكنها عادت لتنخفض حتى 100 مليون جنيه في عام 2006 (عشوائية وفوضى وخلافات وضربات تحت الحزام: موسم 2006 السينمائي الأكثر سوءا في مصر، علا الشافعي، الحياة اللبنانية، 10 /11/ 2006).

أما مجال البنية الأساسية للصناعة فقد شهد ازدهارا كبيرا. إذ يوجد في مصر الآن على سبيل المثال 18 كاميرا سينما بعد إضافة 3 كاميرات جدد: 2 لكامل أبو علي وواحدة لنيوسنشري، وهو ما يعد إضافة هامة لصناعة السينما بتكلفة 15 مليون جنيه.

أما بالنسبة للأستوديوهات فيوجد 44 أستوديو، أكثر من 60% منها في مدينة الإنتاج السينمائي، بالإضافة إلي أستوديوهات جلال والأهرام والنحاس ومصر ومدينة السينما (رغم زيادة الإنتاج: سوق السينما في خطر، أحمد عبد الفتاح، موقع شبكة السينما العربية، 20 /6 / 2006).

ولكن مع زيادة الإيرادات زادت التكلفة. فـ”هذه الصناعة الآن ليست بالوردية، ففي الوقت التي زادت فيه الإيرادات 28%، زادت أيضا تكلفة إنتاج الفيلم 5 مرات في السنوات الأخيرة، فأصبح متوسط تكلفة الفيلم 8 مليون جنيه، وارتفعت تكاليف الدعاية والإعلان لتصل التكلفة الإعلانية إلي 700 ألف جنيه للفيلم مع حصول الضرائب علي 36%” ( أحمد عبد الفتاح، المرجع السابق). وأصبح الواقع السينمائي المصري شبه احتكاري مع ارتفاع التكلفة. إذ سُمح بالاحتكار الرأسي (إنتاج – توزيع داخلي وخارجي – دعاية) وباحتكار دور العرض. ولعل تحالف النصر/محمد حسن رمزي/التوزيع الداخلي، وأوسكار/وائل عبد الله/الدعاية، والماسة/هشام عبد الخالق/التوزيع الخارجي، من أهم التكتلات الاحتكارية في مجال السينما الآن في مصر. حيث حقق هذا التحالف 46% من إيرادات السوق المصرية في عام 2005. وهناك أيضا الشركة العربية بقيادة إسعاد يونس التي حققت 33% من إيرادات 2005، ليصل إجمالي دخول الشركتين من إيرادات عام 2005 إلى 139 مليون جنيه مصري، أي حوالي 80% من حجم الإيرادات.

في ظل هذا الوضع اختفي وتلاشي المنتج الفرد لعدم قدرته على توفير ملايين الإنتاج، ولعدم ضمان حصوله على دور عرض في مواسم الصيف والعيدين وأجازة نصف العام، ولعدم توزيع فيلمه تليفزيونيا لعدم وجود نجم بالمعنى السائد اليوم. ولا يبدو أن هناك أي أمل في تغيير النمط المسيطر على السينما المصرية وما يفرزه من أفلام إلا في حالة عدم إقبال الجمهور على تلك النوعية من الأفلام وبحث الشركات على نمط بديل. فمن القصص الشهيرة في السينما الأمريكية في عصر الأستوديوهات أن “ماير” صاحب ومدير شركة مترو جولدن ماير قد قال ذات يوم في تعليقه على موجة الأفلام الموجهة ذات الرسالة أنه في حالة رغبته في تقديم رسالة للجمهور فليس عليه سوى إرسال تلغراف. ولكن بعد نجاح فيلم “علي رصيف الميناء” إخراج إليا كازان سعت كل الشركات الكبرى، بما فيها شركة مترو، إلي صنع أفلام ذات رسالة اجتماعية لجذب الجمهور.

وللأسف فإن الحالات النادرة والمخالفة لما هو سائد من أفلام في السوق المصري إما جاءت صدفة، مثل فيلم “أوقات فراغ” الذي سعي الجميع لتقديم أفلام مشابهة له لم يصادفها نفس النجاح، أو جاءت من خلال أسباب غير اقتصادية، مثلما حدث مع “عمارة يعقوبيان” الذي تكلف 20 مليون دولار (البعض يؤكد أن المبلغ 24 مليون دولار بما فيها تأجير السجادة الحمراء في كان). وبالرغم من وضعه على قائمة أعلي الإيرادات لعام 2006، إلا أن رقم ربحه أو خسارته لم يعلن بالتفصيل، مما جعل البعض يتحدث عن غسيل أموال أو فوائض نفطية أو حتى عمولات سلاح خليجية.

الخلاصة أنه في ظل الجو السائد في سوق الإنتاج والتوزيع في السينما المصرية، انتهي عصر النجم المنتج أو المخرج المنتج، وبقينا مع سينما الاحتكارات الرأسمالية حتى إشعار آخر.