بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ليون تروتسكي.. الفن والثورة

كانت إحدى الإشكاليات السجالية التي ظهرت بعد استيلاء مجالس العمال على السلطة في روسيا 1917 هي إشكالية العلاقة بين الفن والثورة، وكان أحد أهم المساهمين في السجالات حول هذه الإشكالية هو ليون تروتسكي، الذي نظم انتفاضة 1917 وأنشأ الجيش الحمر وقاده خلال الحرب الأهلية وقاد المعارضة التي حاربت ببسالة ضد ستالين والثورة المضادة في روسيا.

كتب تروتسكي عديدًا من المقالات حول النقد الأدبي قبل الثورة، ومع انتهاء الحرب الأهلية في 1921 وإعادة إحياء الفنون تم نشر بعضهم في مجلد خاص من أعماله الكاملة، وفي 1922 كتب تروتسكي مقدمة طويلة لهذا المجلد نشرت بشكل منفصل فيما بعد ككتاب “الأدب والثورة”.

تناول تروتسكي في هذا الكتاب العلاقة بين الفن والثورة ومهام البروليتاريا الحاكمة في هذا المجال، وتبلورت أفكاره حول الفن من خلال السحال الحاد الذي دلر في بداية العشرينات حول طبيعة وهدف الأدب والفنون تحت ديكتاتورية البروليتاريا ترتسكي هو مدرسة “الثقافة البروليتاريا” التي عبرت عن نفسها من خلال مجلة كانت تحمل نفس الاسم ومجموعة من الورش الأدبية وأقسام متخصصة في الموسيقى والشعر والمسرح، وهذه المدرسة تمتعت بتأيد واسع النطاق خاصة بين صفوف قيادات الحزب البلشفي مثل بوخارين ولوناتشارسكي.

أما منظر هذه المدرسة فقد كان بوجدانوف، العضو السابق في الحزب البلشفي والشهير بسحاله الفكري مع لينين 1909. طرح بوجدانوف أن ديكتاتورية البروليتاريا تتطور في ثلاث اتجاهات مستقلة: السياسي والإقتصادي والثقافي؛ الجهاز السياسي هو الحزب والجهاز الإقصادي هو النقابات والجهاز الثقافي هو “الثقافة البروليتارية”، وقد نجحت النضالات الاقتصادية والسياسية في أكتوبر 1917 ولكن الثورة لا يمكن أن تكتمل إلا بنجاح الثورة الثقافية وبناء ثقافة بروليتارية، وهذا يعني أن هناك إحتياج لشكل مستقبل تنظيميًا للنضال الثقافي.

طرحت “الثقافة البروليتارية” أنه لا يمكن لنفس الثقافة أن تخدم نظم مختلفة طبقياً فالبراجوازية القديمة لها ثقافتها الخاصة ولابد للبروليتاريا المنتصرة أن تبني ثقافة مستقلة عن الثقافة البرجوازية، بما في ذلك فنها الطبقي الخاص.

إن الثقافة البرجوازية من هذا المنظور، هي نقيض الثقافة البروليتارية التي تستند إلي الوعي الطبقي الثوري والأممية والمادية، ولذا يجب رفض الثقافة البرجوازية ككل وعدم أستخدامها في التعبير الثقافي البروليتاري. لا بد للثقافة البروليتارية الجديدة أن تستند علي العمل الإجتماعي والتعاون الرفاقي، وهو العامل المشترك بين كل البشر في المجتمع اللاطبقي المستقبلي.

طرح تروتسكي في ضحده لهذه النظرية وجود ثقافة الطبقة البرجوازية ووجود ثقافة المجتمع الاشتراكي اللاطبقي ولكن لا وجود لشئ أسمه ثقافة بروليتارية. فقد تحكمت البرجوازية في أدوات الإنتاج المادية والذهبية داخل المجتمع الأقطاعي قبل قرون من وصولها إلى السلطة السياسية. وكانت تملك الظروف والكثرة الضرورية لنمو وازدهار الفن.

أما ظروف الطبقة العاملة عند إستيلائها على الحكم فكانت مختلفة تماماً، فهى لم تملك في أي وقت أدوات الإنتاج المادي والذهني في المجتمع القديم، وخرجت من ذلك المجتمع مستغلة وغير متعلمة وفي حالة فقر ثقافي شديد، ولذلك فلم يكن هناك سبيل لأن تدشن الطبقة العاملة علي الفور مرحلة جديدة في تطور الثقافة البشرية، حيث لم يعطيها التاريخ تلك القرون من الزمن التي منحها للبرجوازية حتى تنمو وتتبلور.

تحتاج الدولة العمالية في تصور تروتسكي إلى امتداد الثورة العمالية على النطاق العالمي حتى تضمن بقائها. ولابد لهذا الإمتداد أن يحدث في عشرات وليس مئات الأعوام. خلال هذه الفترة الانتقالية سوف تركز كل الجهود والطاقات على الصراع الطبقي الأممي العنيف، وسوف تكون طبيعة هذا الصراع سياسة أكثر منها ثقافة، وكلما نجحت البروليتاريا في هذا الصراع وأصبحت بالتالي الظروف أكثر ملائمة لازدهار الثقافة كلما أصبحت البروليتاريا أقرب لأن تندئر كطبقة وتذوب في المجتمع الإشتراكي.

إن هدف الثورة البرجوازية هو تأكيد وتدعيم هيمنة البرجوازية كطبقة، أما هدف الثورة البروليتارية هو أن تذوب البروليتاريا في المجتمع اللاطبقي في أسرع وقت ممكن.

تصل البروليتاريا للحكم وهى فى حالة جهل بالتراث الفني والأدبي، ولذا فمطالبتها بأن ترفض التراث للبرجوازية ليس له معني. أن مهمة البروليتاريا هي إستيعاب ذلك التراث والتفاعل معه ومن خلال ذلك تجاوزه، ومهمة الثورة ليست خلق ثقافة جديدة لكن الإستيعاب النقدي للثقافة الموجودة ونقلها للجماهير.

حذر تروتسكي من خطورة الاستعجالية المثالية لمدرسة الثقافة البروليتارية وطرح أن الفن ينضج ببطء ويحتاج إلى وقت طويل ليثمر، فالفن يختلف عن السياسة بسبب الدور الكبير للعمليات اللاواعية في الإبداع الفني ذاته، وتلك العمليات بطيئة ويصعب إدارتها والتحكم فيها بسبب طبيعتها اللاواعية.

تقول الثقافة البروليتارية: أعطونا شيئًا من إنتاجنا نحن حتى وإن كان ضعيفًا، ورد تروتسكي بأن الفن الضعيف ليس فنًا لذا لا تحتاجه الجماهير. في يوم من الأيام ستكون أعمال شكسبير مثل مجرد وثائق تاريخية، ولكن هذا اليوم لم يأتي بعد، لذا علينا اليوم استخدام واستيعاب شكسبير بدلًا من محاولة استبداله.

كان رأي تروتسكي ليبرالي للغاية تجاه علاقة الحزب البلشفي بالتطور الفني. فطرح أن الفن يحتاج إلى الحرية ولا يحتمل الأوامر. ولا بد للفن ألا يتحدث فقط عن حياة العمال ووصف أوضاعهم ولكن على الخيال أن يرتفع إلى مستويات أعلى وأشمل. لا بد أن تكون توصية الحزب للشاعر “أكتب عن أي شيء تفكر فيه”، وفي بيان أصدره تروتسكي مع الشاعر الفرنسي أندريه بريتون حول الفن والثورة رفع في نهايته هذا الشعار:

استقلال الفن – من أجل الثورة
الثورة من أجل التحرر الكامل للفن

لكن هذا التصور “التروتسكي” للفن والثقافة سرعان ما وقع تحت نيران الهجمات الستالينية، خاصة مع اكتمال الثورة المضادة واستقرار البيروقراطية في الحكم في أواخر العشرينات، فكانت رؤية تروتسكي تزعج البيروقراطيين أنصاف المثقفين فهي لم تسمح لهم بالتحكم الكامل في الحياة الثقافية وسرعان ما تكونت جبهة عريضة مناهضة للتروتسكية في المجال الثقافي، وأصبح الصراع ضد تأثير تروتسكي في المجال الثقافي جزء من المشروع الستاليني لتصفية نفوذه السياسي.

لكن تروتسكي ظل متفائلا فكتب أن الفن في المجتمع اللاطبقي المستقبلي سيصبح أقوى سلاح لبناء الحياة في كل المجالات، وستسقط كل الحوائط بين الفن والصناعة وبين الفن والطبيعة، وسيعيد البشر تشكيل أنفسهم من خلال التحريب الجماعي وإخضاع العمليات المادية والنفسية لتحكم العقل.

وسيعلو الإنسان العادي إلى آفاق أرسطو وجوتة وماركس وفوق هذه الآفاق ستعلو قمم جديدة.