بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

محاولة لقراءة “عزازيل” من منظور مختلف: حياة وآلام الأب هيبا المصري

على الرغم من صدور ثلاث طبعات متتالية بين يناير 2008 وأكتوبر من العام ذاته لرواية د. يوسف زيدان “عزازيل” عن دار الشروق، وعلى الرغم أيضا من القصف المتبادل على شبكة الإنترنت بين أقباط ومسلمين – شارك فيه للأسف بعض رجال الدين – إلا أنني أرى أن ما نالته الرواية من شهرة طبقت الآفاق، كما يقولون، يعود إلى أسباب لا علاقة للراوية بها.

أكاد أقول أنها رواية مظلومة. وبدلا من التعامل معها كنص أدبي، اعتبرها الكثيرون عملا سياسيا، وربما طائفيا، على هذا النحو أو ذاك، وجري استخدامها كورقة فى الحرب الطائفية المكتومة، بل والمعلنة، بين المسلمين والأقباط، واستفادت الرواية بشدة من تلك الحرب!

لا أريد أن أدخل فى جدل ديني، فالدين لله والوطن للجميع – حسب المقولة التي كانت أحد أهم انجازات ثورة 1919 – كما أنني لست طرفا فى ذلك النزاع وتلك المعركة الحامية الوطيس والدائرة بين “النساطرة” و”الكيرلوسيين”، بل أكن احتراما وتقديرا للإسلام والمسيحية. فالدين مرة أخرى لله والوطن للجميع. ومع ذلك فقد صدمنى بشدة ما نشر على الإنترنت منسوبا لأحد رجال الدين المسيحي يهاجم الرواية وكاتبها، ليس باعتبارها نصا أدبيا، بل باعتبارها رأيا أو وجهة نظر أو سردا تاريخيا.

وإذا كان هناك من علق على الرواية – على النت – سواء من المسلمين والأقباط من هذه الزاوية الضيقة والمعتمة، إلا أنه من المؤسف أن يصدر هذا القول من أحد رجال الدين.

ولعلي لا أضيف جديدا عندما أؤكد مرة أخرى أن النقد الأدبي علم له أسانيده وتحليله وتناوله الخاص للأعمال الأدبية، وأن الأزهر ومجمع البحوث الإسلامية، وغيره من الهيئات المرتبطة به، لا يجوز له أن يحاكم الأعمال الأدبية من وجهة نظر دينية، بل عليه أن يهتم بعمله المتعلق بشئون العقيدة والدعوة، وليترك الأعمال الأدبية لأصحابها من الروائيين والنقاد المشتغلين بعلوم الأدب والنقد.

والأمر ذاته ينطبق على الكنيسة والهيئات المرتبطة بها، فعليها أن تتولى مهامها في شئون العقيدة، ولا تجور على الأعمال الأدبية أو تحاكمها بوصفها كتبا دينية.

وما جرى لرواية “عزازيل” أنه جرى تناولها بوصفها عملا دينيا وبالتالى محاكمتها على هذا الأساس، وهو أمر ظالم للمسيحية والرواية معا. وإذا كان الراوي المصرى الأب “هيبا” قد بدأ تدوينه لسيرته الذاتيه عام 431، ويعود إلى الوراء حتى أواخر القرن الثاني الميلادى، فإن الفترة التى وقع الاختيار عليها مسرحا للعمل كانت فترة شديدة الاضطراب، ولا يعنى اختيار المؤلف لراهب ذى ميول “نسطورية” انحيازه الدينى والعقيدى للنسطورية، وفى الوقت نفسه أيضا ليس معناه أيضا عدائه الدينى والعقيدى للمذهب المضاد الذى مثله فى الرواية، والواقع أيضا، الأب كيرلس.

لذلك أود أن أؤكد في البداية أننا لسنا أمام كتاب في شئون العقيدة، بل أمام عمل روائي له قوانينه الخاصة، وعلى الأزهر والكنيسة معا أن يرفعا أياديهما الكريمة عن الأعمال الأدبية ويهتمان بشئونهما مع خالص الاحترام لهما كهيئات دينية.

فعلى سبيل المثال لو عدنا لكتاب “تاريخ المسيحية الشرقية” لعزيز سوريال عطية أو “الكنيسة والدولة” و”الفكر المصري فى العصر المسيحي” للراحل الكبير د. رأفت عبد الحميد، أو الملاحق العديدة التى أضافها عبد العزيز جمال الدين فى تحقيقه لـ”تاريخ الآباء البطاركة” لساويرس بن المقفع، لأدركنا بيسر أن النزاعات والصراعات الدينية ووجهات النظر المتعارضة بعنف شديد لم تكن تدور في فضاء خال فسيح، بل كانت جزءا من صراعات ومعارك حكام الإمبراطورية الرومانية، وكان وضع مصر وضعا بالغ الخصوصية، ليس فقط بسبب الدور الفكري والفلسفى الذى بعثته مدرسة الإسكندرية قبل وبعد المسيحية، بل أيضا لأن مصر ظلت على مدى تلك القرون مزرعة القمح ومخزن حبوب الإمبراطورية.

وهكذا لم تكن العقيدة وحدها في الساحة، ويكفى أن أنقل عن كثيرين ممن تناولوا قيام الإمبراطور قسطنطين بالدعوة لعقد مجمع نيقيا فى صيف عام 325م والذي حضره 318 أسقفا لتسوية القضايا العقائدية التي كانت موضوع الجدل وترتبت على الخلاف بين آريوس وأثناسيوس. إن كل المصادر التي بحثت فيها اجمعت على أن الإمبراطور قسطنطين كان مهتما بالدرجة الأولى بوحدة إمبراطوريته، بل وكتب إلى طرفي النزاع “يأمرهما بالكف عن هذا الهراء اللامفهوم”.

(2)

أما إذا انتقلت إلى “عزازيل” ذاتها، فإنني أوكد أن هذا العمل المحكم والمتمكن والمكتوب برهافة شديدة فاجأني إلى أقصى حد. فالكاتب الذي تجاوز الخمسين بعام واحد، لم أكن قد قرأت له إلا بعض تحقيقاته لبعض كتب المتصوفة المسلمين. وعلى ظهر غلاف “عزازيل” هناك إشارة سريعة إلى أن هذه هي روايته الثانية.

على أى حال، هذه رواية فاتنة ومؤلمة معا لسيرة الأب “هيبا” الذى رحل من أخميم فى مطلع شبابه الباكر ومنها الى ليكوبولس ثم إلى الإسكندرية ومنها إلى القدس، ليستقر به المطاف في “الدير السماوي” شمال حلب حيث يخطئ خطيئته الثانية مع “مرتا” الجميلة، بعد أن هزمه “عزازيل” – الشيطان – وقاده إلى تلك الخطيئة، وبقي أربعين يوما بعدها عاكفا فى صومعته على تدوين سيرته الذاتية للإفلات من حبائل وشباك عزازيل.

لجأ د. زيدان إلى “حيلة فنية” قد تكون تقليدية إلى هذا الحد أو ذاك لكنها مقنعة فنيا. هذه الحيلة تنهض على أن أوراق الأب هيبا اكتشفت عام 1997 في الخرائب الأثرية في شمال غرب حلب، وهي أوراق مكتوبة على مجموعه من الرقوق (اللفائف) بالسريانية، قام المؤلف بكتابة تصدير لها باعتباره مجرد مترجم قضى سبع سنوات فى الترجمة.

(أغلب الظن أن من هاجم الرواية لم يفهم هذه الحيلة، فبينما تكررت كلمة رواية مرتين على الغلاف الخارجي والداخلي، يفاجأ القارئ على الصفحة التالية مباشرة بمقدمة المترجم، وضاعف من هذا اللبس الصور الفوتوغرافية الملحقة بآخر الكتاب لأماكن واقعية لأطلال فى مصر والاسكندرية والشام. وهكذا أدى هذا اللبس إلى أن ينسى بعض القراء – وخصوصا من هاجموها – كلمة رواية تماما وتعاملوا مع النص باعتباره ترجمة من السريانة إلى العربية لمخطوط حقيقى وليس حيلة فنية).

كاتب هذه السطور ليس ناقدا، وبالتالي فإن ما أكتبه هنا لا يعدو أن يكون قراءة لـ”عزازيل”، وانطباعات شخصية حول النص وليس حول أمور العقيدة.

وما وصلني أن الصراع الحاسم والمسيطر على كل صفحات الرواية، هو صراع بين الأب هيبا والشيطان عزازيل. وسيرة الأب هيبا المضطربة والعذاب النفسى المضطرم ليسا سوى صراع ومعركة محتدمة بين الإنسان والشيطان بأوسع المعاني. فالأب هيبا يبتهل لله منذ الصفحات الأولي للمخطوط – الحيلة – قائلا: “ما أنا يا إلهي إلا ريشة فى مهب الريح، يمسكها أصبع ضعيف ينوي أن يغمسها فى الدواة، ليخط كل ما وقع معي، وكل ما جرى ويجري مع أعتي العصاة عزازيل وعبدك الضعيف”.

وبإيجاز شديد، وربما مخل، تكشف أوراق الأب هيبا أنه ولد عام 391م، وفى التاسعة من عمره عندما كان يقيم بالقرب من جزيرة ألفنتين (قرب أسوان الحالية) تربص به وبأبيه الصياد مجموعة من المسيحيين العوام لأن أبيه كان يحمل السمك كل يومين لـ”الكهنة الحزاني المتحصنين” في معبد الإله خنوم. “سحبوا أباه من قاربه، وجرّوه على الصخور ليقتلوه طعنا بالسكاكين الصدئة التي يخبئونها تحت ملابسهم الرثة”. ويضيف صاحبنا “كنت أزوم متحصنا بانكماش فى زاوية القارب، وكان أبى غير متحصن بشئ، يصرخ مستغيثا بالإله الذي كان يؤمن به. كهنة خنوم أفزعتهم الأصوات التي شقت السكون”. وينتهي الأمر بقتل الأب وكهنة معبد الإله خنوم.

(3)

وقبل أن امضى مع الرواية، أود أن أشير فقط إلى أن عشرات المصادر والمراجع التاريخية عالجت تلك الفترة البالغة الاضطراب بين دخول المسيحية واستقرارها فى القلوب بعد عصور من الاضطهاد وآلاف الشهداء تحت حكم الرومان، وبين الاعتراف بهذا الدين الجديد، لتدخل مصر في نفق دموي استمر عدة عقود جري خلالها صراع عنيف وصل إلى حد القتل، بين آخر أيام دين مصر القديمة – ولا أقول الوثنية متعمدا بالطبع –وبين المؤمنين بالدين الجديد الذى كان أحد الاسباب الأساسية للايمان به، تلك الوشائح العميقة بينه وبين ديانة مصر القديمة (لنتذكر فقط إيمان المصريين القدامى بإيزيس وحوريس.. الخ الخ).

فضلا عن هذا لم تكن مصر التي تضعضعت وتفككت وغزاها أراذل الأرض بعد أن كانت إمبراطورية ضخمة، لم تكن مجرد ولاية احتلها الإسكندر والبطالمة من بعده ثم الرومان، بل كانت واحدة من حواضر الدنيا، وأنجبت الإسكندرية عشرات الفلاسفة وكانت جامعتها ومكتباتها كعبة للعلم والفلسفة، وهذا يفسر أن الصراع لم يكن سهلا بين الدين الجديد وبين الدين المصري القديم ومدارس الفلسفة وتياراتها.

لا أريد أن أمضي طويلا في هذا الأمر، لكنني وددت أن اشير سريعا إلى المسرح الذى جرت على خشبته وقائع تلك الفترة الغامضة من تاريخ مصر، مؤكدا أن غروب شمس الدين المصري القديم لم يكن مفاجئا كما أن عناصر منه انتقلت إلى المسيحية، ومن جانب آخر كانت مدرسة الإسكندرية معقلا من معاقل التقدم الفكري والفلسفي في كل أرجاء العالم القديم.

(4)

أعود إلى الأب هيبا الذي قتل العوام والده وهو في سن التاسعة بسبب مساعدته للكهنة المحاصرين، وتزوجت أمه من أحد أتباع الدين الجديد، وتلقى هو العلم في أخميم ثم انتقل إلى الإسكندرية ليواصل تعليمه هناك، وبدلا من ذلك التقى بامرأة سكندرية فاتنة اسمها “أوكتافيا” كانت تنتظره حسبما أخبرتها الآلهة بنبوءة خروجه من البحر!

وعلى الرغم من أن أوكتافيا كانت لا تقاوَم، إلا أنه استطاع فى نهاية الأمر أن يهزم عزازيل. وفي شوارع الإسكندرية شاهد بنفسه العوام بقيادة رجال دين، ممن ينتمون لجمعية محبي الآلام التي كانت مهمتها تبليغ الإدارة الحكومية عن العناصر الوثنية التي تمارس نشاطا فكريا يمكن أن يكون عقبة في سبيل إقرار سلطان الكنيسة، يسحلون واحدة من أهم فلاسفة زمانها هى “هيباتيا” وهي شخصية تاريخية حقيقية تحدثت عنها عشرات المصادر، فالصراع وانعدام الأمن وصل إلى حد الهجوم والاختطاف والسحل والحرق. وعندما حاولت أوكتافيا إنقاذ هيباتيا من بين الأنياب قتلوها أيضا، بينما خاف صاحبنا، وهو ما لم يغفره لنفسه قط، فلم يجرؤ على حمايتها على الرغم من أنها نادته بعينيها!

هنا فقط يقرر صاحبنا أن يطلق على نفسه اسم هيبا ويهيم على وجهه حتى يصل الى القدس، ومنها إلى الدير السماوي حيث يلتقي بالأب نسطور الذي عرفه التاريخ الكنسى كأحد أكبر المناوئين لاتجاه الأب كيرلس السكندري وتنعقد بينهما أواصر محبة. وعندما يسأل الأب هيباتيا نسطور: “يا أبت، هل ترى الوثنية كلها شر؟” يجيبه المبجل نسطور “الله لا يخلق الشر.. ولا يفعله.. ولا يرضى به، الله كله خير ومحبة. لكن أرواح الناس كانت تخطئ الطريق في الأزمنة القديمة، حيث يظنون أن العقل كاف لمعرفة الحقيقة، من دون خلاص يأتيهم من السماء”.

ويتابع الأب هيباتيا تدوينه لصراعه الدائم مع عزازيل الذي يتربص له على الدوام. ويقع صاحبنا في خطيئته الثانية مع “مرتا” التي لا تقل فتنة عن أوكتافيا، ولم يستمر طويلا أيضا في خطيئته الثانية بسبب تردده وضعفه وجُبنه الدائم.

استطاع الكاتب في حقيقة الأمر أن يشيّد واحدة من أهم شخصيات الرواية العربية هي شخصية الأب هيبا في صراعه المضطرم مع عزازيل الذي يكمن في كل منا. ولم ينجح الكاتب هذا النجاح الباهر إلا بسبب توفره على مادته وعمله الشاق الذي استوجب معرفة الأدوات المستخدمة والملابس وأدوات الطعام وأنواعه والمراتب الكنسية ودقائق الصراع بين التيارات والاتجاهات المسيحية.. الخ أي أنه بالفعل جهد شاق.

الواقع إننى فوجئت بهذا التمكن والإحكام لكاتب لم يكتب إلا رواية واحدة. حتى اللغه التي اختارها لم تسقط فى مهاوي المحاكاة المباشرة، ومع ذلك تملك رصانة خاصة بكاتبها، بحيث لا يتماهى مع لغة العصر بل يعبر بلغته هو.

لدى الكاتب حساسية ووعي فائقين بالبناء المحكم، وعلى مدى الأربعين يوما التي استغرقها صاحبنا في كتابة سيرته، لن يشاهد القارئ حياة وعصرا كاملا ودنيا فقط، بل سينخرط أيضا في صراع محتدم ووجودي بين الإنسان والشيطان الذي يكمن في كل منا. هل ينسى القارئ أوكتافيا أو هيباتيا أو مرتا أو الأب تيودور أو الأب نسطور.. فكلها شخصيات تنبض حياة بكل تناقصاتها؟

أهدانا د. يوسف زيدان عملا سيبقى طويلا بسبب موهبة الكتابة وعكوفه وإخلاصه للمادة التى يعكف عليها وعمله الشاق فيها.

(5)

تلك هي سيرة وحياة وآلام الأب هيبا المصري، والسطور السابقة ليست سوي قراءة سريعة وانطباعات شخصية، وأخيرا هي محاولة لفض الاشتباك بين تناول البعض لها بوصفها عملا تاريخيا أو دينيا بسبب المناخ الخانق الذي نعيشه والفتنة المكتومة والمعلنة بين الأقباط والمسلمين، وبين ضرورة رفع الوصاية والدفاع عن حرية التعبير في مواجهة السلطة الدينية (أيا كانت هذه السلطة).