بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

أمنية نانسي عن كذبة نيسان!

* المسرحية: كم تمنت نانسي لو أن كل ما حدث ليس سوى كذبة نيسان
* المؤلفان: ربيع مروّة وفادي توفيق
* الأبطال: زياد عنتر، ربيع مروّة، لينا الصانع، حاتم إمام
* تاريخ العرض: 2007

كان هو الخبر الذي ظننا أننا لن نسمعه: منعت الرقابة اللبنانية عملا مسرحيا! فقد احتلت بيروت مكانها في قلب الثقافة العربية بوصفها ملعب الحرية، وعودتنا ألا يجتمع اسمها مع لفظة “الرقابة” في جملة واحدة. لكنها أثارت المخاوف مرتين، مرة حين منعت بطلب كنسي رواية “شفرة دافنشي” من التداول، والثانية لم يقدر لها أن تكتمل.

ففور إعلان المثقفين اللبنانيين مواجهتهم وتحديهم لقرار منع المسرحية الجديدة لربيع مروّة، والقرار الذي اتخذه الأخير بعرض المسرحية مرتين في يوم واحد على خشبة مسرح المدينة في شارع الحمرا الشهير، تدخل وزير الثقافة اللبناني طارق متري وانتصر لعرض المسرحية ليمسح بقعة سوداء كادت تلوث الثوب البيروتي.

بدأ عرض المسرحية إذن منذ أغسطس الماضي، بعد شهور من العرض في عواصم العالم ابتداء من مهرجان طوكيو المسرحي في شهر مارس. وكعادته أثار ربيع مروّة ابن العائلة اليسارية جدلا واسعا بعرضه الذي تجاوز أيام الحرب الأهلية وصولا إلى الواقع الآني. ربما كان هذا سر اعتراض الرقابة التي اعتادت على أن تنتهي معالجة الأعمال الفنية للحرب مع صافرة نهايتها. أما مرّوة فقد ذكر في العرض الذي أخرجه – وشارك فادي توفيق كتابته – أسماء قيادات وزعامات تتحكم في اللحظة اللبنانية المتأزمة الملتهبة. ورغم أن الأسماء لم تجيء في نطاق هجوم أو نقد صريح، إلا أن بعض الغمز في حق الجنرال ميشيل عون فسّره البعض بانتماء مروّة إلى اليسار الديمقراطي المتحالف مع مجموعة 14 آذار.

عنوان شديد الطول للمسرحية: “كم تمنت نانسي لو أن كل ما حدث ليس سوى كذبة نيسان”. عنوان غرائبي يذكر بالأجواء اللاتينية السحرية ويضاهي في طوله عنوان قصة ماركيز الشهيرة “القصة الحزينة التي لا تصدق لأرنديرا البريئة وجدتها القاسية”. في مسرحية مروة قصة حزينة أيضا، وملخص فائق البراعة للحكاية اللبنانية منذ اندلاع الحرب الأهلية في أبريل/نيسان 1975 حتى أحداث العنف التي وقعت في محيط الجامعة العربية في 25 يناير 2007. حدوتة مؤلمة يرويها المشاركون فيها والمخضبون بدمائها. شهداء متجددون يروون قصصهم بأنفسهم. جالسون في ظلال لافتات تعلن موتهم. بدأوا معاركهم جميعا انطلاقا من انتماءاتهم السياسية المتنوعة، وانتهوا إلى الموت تحت رايات طائفية صريحة.

يلعب الممثلون الأربعة أدوارهم بأسمائهم الحقيقية: زياد عنتر من الجنوب وينتمي للحزب الشيوعي اللبناني، ربيع مروّة من منطقة جبيل وينتمي للوطنيين الأحرار، لينا الصانع من المزرعة وهي عضو في الحزب القومي السوري، حاتم إمام من طريق بيروت الجديدة وينتمي إلى تنظيم المرابطون الناصري.

يجلس الأربعة متجاورين على أريكة لا يغادرونها طوال العرض، يتبادلون طرف الحديث ليحكوا ببساطة قصص موتهم، بعضهم قتله من يجاوره، وكل منهم قد قُتل وتم قتله عدة مرات وأبدا لا يتعلم الدرس، يخرج من قبره إلى الساحة من جديد، يبدّل الأحزاب والتنظيمات والانتماءات كما يبدل ثيابه، فقط البندقية في يده لا تتغير ولا تستريح، فوق رؤوسهم شاشات تعرض ملصقات تحيي شهاداتهم وتتابع انتقالهم من حزب لآخر ومن زمن لغيره ومن مرحلة لأخرى، فيديو آرت وجرافيك متميز انتزع من فرط جديته ضحكات عصبية من الجمهور، الأموات الأربعة يشرحون قفزاتهم السياسية: “لينا” المسيحية العلمانية التي بدأت مع مباديء القوميين السوريين يقتلها أعضاء الجبهات المسيحية أكثر من مرة بسبب “خيانتها” للمسيحيين وإقامتها في بيروت الغربية المنطقة ذات الأغلبية المسلمة. تدريجيا يلتقط زملائها القوميون اتهام الخيانة ويشككون بزميلتهم المسيحية. تجد نفسها مضطرة للانتقال إلى بيروت الشرقية حيث الأغلبية المسيحية، ثم تعمل مع “القوات اللبنانية” مسئولة مالية للتنظيم. “حاتم” المقاتل مع “المرابطون” ينتقل للقتال مع حركة فتح، ويخرج مع المقاتلين الفلسطينيين إلى تونس، ثم يذهب للجهاد في أفغانستان، ويعود للبنان حاملا معه فكر القاعدة كهدية غير مرغوب بها. “زياد” الشيوعي سرعان ما يترك الحزب لينضم إلى حركة أمل، ثم يترك الحركة إلى صفوف حزب الله. أما “ربيع” فكان مقاتلا مع نمور الوطنيين الأحرار، ثم انضم إلى قوات سمير جعجع، وتركها إلى قوات إيلي حبيقة، ثم يحارب تحت قيادة ميشيل عون قبل أن يفرّ الأخير إلى فرنسا، وينتهي الحال بربيع في صفوف قوات جيش لحد الجنوبي.

عبر حكايات “الجثث” الأربعة نتنقل من محطة لأخرى في تاريخ الحرب الأهلية وما بعدها. الصراعات والتحالفات المتغيرة والمؤامرات والتخوين والقتل على الهوية؛ إطلاق القذائف لمجرد إشفاء الغليل وتهدئة غضب زعيم ثائر؛ تناقض الأفكار وتراجع السياسة لمصلحة المذهب والطائفة؛ انتهاء الحرب، وصولا إلى اغتيال رفيق الحريري، ثم العدوان الإسرائيلي في صيف 2006، ثم اندلاع أحداث العنف بجوار وفي محيط الجامعة العربية ببيروت بجوار برج المرّ في 25 يناير 2007. تتابع الجثث الأربعة الأحداث، يكرر كل منهم نفس العبارة: “انطلاقا من خبرتي القديمة في المعارك، كنت أعرف أن الذي يسيطر على برج المر سيحسم المعركة” .. ومن ثم تندفع الجثث الأربعة كل من اتجاه ولكنهم جميعا يعتلون برج المرّ. ثم نقرأ على الشاشات التي تعتلى الجثث بيانا يقول أن الأمن عثر على أربع جثث وبجوارها خمس بنادق. ولأن الأسلحة كانت مرخصة، والتهم الموجهة للجثث هي من ضمن التهم التي يتضمنها قانون العفو العام الذي صدر بعد نهاية الحرب، فقد تم اخلاء سبيل الجثث، وتختفي لأول مرة صور الشهداء الأربعة من فوق الشاشات التي تعتليهم، لتعرض الشاشات صور ضحايا حقيقيين من الحرب الأهلية.

في مسرحية ربيع مرّوة التي أنتجتها مؤسسة أشكال ألوان لا يتخاطب الممثلون سويا، لا ينظرون لبعضهم البعض، فهم لا يرون بعضهم، يحدّث كل منهم جمهوره مباشرة. ومن فرط التحولات التي عاشها كل منهم يكاد يفجر الكوميديا فينجح كثيرا لولا أنها كوميدا فائقة السواد، وهو ربما لأول مرة يقدم العلاقة بين الحاضر اللبناني وماضيه القريب بهذا الوضوح وهذه الخفة، ويكشف أن الحرب الأهلية مازالت تسكن اللبنانيين بنفس عنفوانها الدموي. فلا مفرّ من مواجهة دوافعها وأحقادها وكشفها في الشمس لتنكوي. فالحرب الدموية وقعت من قبل ولمدة 15 عاما. ومهما تجاهل اللبنانيون جذورها فليست هناك وسيلة تحيل الحرب إلى مجرد كذبة في أول نيسان.