بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

“عمارة يعقوبيان” التي ضربتها الفوضى

لم يحظ فيلم عربي في الآونة الأخيرة بما حظي به “عمارة يعقوبيان” من شهرة وإثارة للجدل, وما بين إعجاب مفرط، ورفض مبالغ فيه الى درجة لا تصدق معها أحياناً أن هذه الأراء تخص فيلماً واحداً, لكن أهم ما نجح فيه الفيلم هو إعادة السينما المصرية –التي اقتصرت معظم أفلامها على الترفيه الساذج لسنوات- إلى المكانة اللائقة بها كفن شعبي قادر على التحريك والتحريض وإثارة الجدل.

القليل جداً من هذا الجدل الذي أثاره الفيلم يتناول جوانبه الفنية، ويسعى لتطبيق معايير الفن السينمائي عليه, والكثير منه ينصب على مضمون, أو مضامين, الفيلم السياسية، والاجتماعية.

سبق عرض الفيلم دعاية غير مسبوقة، ومشاركات للفيلم في بعض المهرجانات صحبتها حملة اعلامية كبيرة توجت بافتتاح “السجادة الحمراء” بدار الاوبرا المصرية، وسط حضور نصف دستة، أو يزيد، من وزراء مصر، و تردد أن جمال وعلاء مبارك, كانا على وشك الحضور، ثم استبعدا الفكرة في آخر لحظة. الذين يعرفون الرواية، أبدوا الدهشة من هذا الاهتمام الرسمي، بعمل يوجه سهاماً قاتلة للفساد السياسي والانهيار الاجتماعي، الذي ألم بمصر خلال العقود الماضية. وزادت الدهشة مع عدم توجيه دعوة لكاتب الرواية، علاء الأسواني، لحضور العرض الأول للفيلم، بسبب مواقفه وكتاباته السياسية المناهضة للدولة ولتوريث الحكم, خاصة وأن الرواية تحمل تلميحاً مباشراً لفساد “الرجل الكبير” غير المحددة شخصيته في الرواية.

هذا الموقف الرسمي الملتبس تجاه الفيلم، سببه وقوف عدد من المحسوبين على النظام وراء الفيلم، على رأسهم المنتج عماد الدين أديب، والكاتب وحيد حامد، والنجم عادل امام. وبدون هؤلاء الثلاثة لم يكن لفيلم بهذه الجرأة أن يرى النور، ولكن خروج الفيلم منهم أحرج النظام، بدرجة تخبطت معها مواقف المسئولين، ما بين محاولة احتضان الفيلم -وكأنه يتحدث عن نظام آخر في بلد لا نعرفه أو كأنهم شخصياً لا علاقة لهم بما يحدث في الفيلم والمجتمع– وبين الصدمة من جرأته ومهاجمته من زوايا أخلاقية –غير سياسية– مثل تشويهه لسمعة المصريين وترويجه للشذوذ.

لكن هذا الموقف الملتبس لم يكن قصراً على ممثلي النظام, فالفيلم مثل الرواية صادم لبعض أعداء النظام بنفس الدرجة, وعلى رأس هؤلاء الإخوان المسلمين والأصوليين بوجه عام, ذلك أنه يكشف ريائهم واستغلالهم للدين، وتلاعبهم بعقول الشباب الأبرياء وتورطهم في الفساد مثل النظام. الفيلم صادم أيضاً للناصريين، بنظرته إلى ثورة يوليو، باعتبارها بداية مرحلة التراجع والانحطاط وحكم العسكر الديكتاتوري.

المدهش في أمر “يعقوبيان” أنه بقدر الصدمة، نال أيضاً إعجاباً من كل الأطراف, فالنظام اعتبره دلالة على الديمقراطية والسماح بحرية التعبير, والإخوان اعتبروه دفاعاً عنهم بإلقائه بجريرة العنف على مباحث أمن الدولة, بينما اعتبره الناصريون ضربة للحاكم. والجميع استمتعوا بحالة “النميمة”، التي تدور حول الأسرار الجنسية والذمة المالية، وقصص الصعود غير الأخلاقية لنماذج وأسماء بعينها في المجتمع. ووسط هذا كله، لم يلتفت الكثيرون إلى التغييرات الطفيفة والخطيرة في نفس الوقت، التي قام بها كاتب السيناريو وحيد حامد تحت وطأة الضغوط المختلفة.

فيما يخص النظام تم استبعاد “الرجل الكبير” من الصورة, كما تم التعتيم على علاقة رفض كلية الشرطة لـ “طه” إبن البواب بسبب مهنة والده، وبين توجهه إلى الفكر الديني المتطرف. الرقابة الرسمية طبعاً وراء هذا الحذف. وفيما يخص الإخوان فقد تم تنعيم وتلميع شخصية طه، وحذف أحد المشاهد لرجل دين فاسد يستعين به رجل الأعمال عزام، لإقناع زوجته بالاجهاض. كذلك تم حذف أساليب المتطرفين في التجنيد وغسيل المخ، بدرجة تخفي سياساتهم، ونواياهم الفاشية، وميلهم إلى التعصب الأعمى، وكراهية الآخر, حتى تحول المتطرف في النهاية الى مجرد ضحية. الرقابة الاجتماعية، والرغبة في منافقة الأغلبية، التي تغلغل في دمائها الفكر المتطرف وراء هذه التغييرات بالطبع.

أما فيما يتعلق بالناصريين، فقد تدخل بطل الفيلم عادل امام – بحسه الجماهيري الذي لا يخيب– لحذف كل عبارات اللوم والاتهام إلى الناصرية التي ترد على لسان ابن الباشا، السابق زكي الدسوقي. طبعاً عادل امام كان يسعى إلى استبعاد أي ملامح تجعل الجمهور يكره شخصيته، بإلاضافة إلى إدراكه لمدى شعبية جمال عبد الناصر، في قلوب العامة وأنصاف المثقفين.

تكشف ردود الفعل على الفيلم بعض مظاهر هذه الفوضى المتعلقة بطريقة تلقي الفيلم. وسأكتفي هنا بنموذجين مستفزين. الأول موقف الصحفي وعضو مجلس الشعب، مصطفى بكري الذي قام بمهاجمة الفيلم في البرلمان، وجمع توقيعات ضده تطالب بحذف مشاهد منه. الغريب أن مصطفى بكري كان يتصدى، بحماس هائل في نفس اليوم لمواجهة قانون “تكبيل” الصحافة الذي حاولت الحكومة فرضه.

رد الفعل الأعجب كان المقال الذي كتبته صافيناز كاظم في مجلة “المصور” حيث راحت تكيل الشتائم، و”وصلات الردح” النقدية للرواية، ولوحيد حامد، في الوقت الذي أخذت تتغزل في الفيلم ومخرجه الشاب، بطريقة غير منطقية بالمرة, ومع نهاية المقال، تكتشف أنها فعلت ذلك لمجرد أن الفيلم يقدم شخصية المتطرف القاتل، بطريقة رومانسية!!

“عمارة يعقوبيان” الرواية والفيلم بمزاياهما وعيوبهما هو أفضل تعبير عن الفوضى التي نعيش فيها حالياً.. ولكن الى أين ستؤدي هذه الفوضى؟