بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

فن وأدب

مركز التجارة العالمي

أوليفر ستون في فسطاط هوليوود

لا تتوقف السينما الهوليوودية عن استخدام واستغلال الأحداث السياسية لدعم المواقف السياسية، أو تحويل القضايا السياسية وإعادة تركيبها أمام الرأي العام الأمريكي. نوع مباشر من الدعاية تقوم به العديد من الشركات السينمائية الكبرى مستغلة الحالة الإنسانية العامة التي يعيشها المواطن الأمريكي أثناء الحدث. هذه المسألة لها شقان: الأول، هو شق المشاهدة والتوزيع للفيلم السينمائي كسلعة، والذي يصل إلى أعلى نقاطه في وقت الأحداث السياسية الجسيمة. والشق الثاني هو الشق الذي يصب في مصلحة الإدارة الأمريكية وجهازها الدعائي. ولم تختلف الصورة في العقود الماضية عن الوقت الحالي. وربما تكون أوضح الأمثلة على تلك الحالة أفلام الحركة والجاسوسية التي ظهرت في وقت الحرب الباردة على مدار سنواتها الطويلة.

في حدث مثل 11 سبتمبر لم تبتعد الأفلام السينمائية كثيراً عن أن تشكل “فسطاطيها” الخاصين-نسبة لجملة بن لادن التي قسم بها العالم إلى فسطاطين، أو لكلمة بوش الابن الذي قسم فيها العالم لمن معه ومن ضده. بنفس الطريقة انقسمت السينما عندما تناولت هذا الحدث الجلل في تاريخ العالم والعلاقات الدولية. فقد تناولته إما من زاوية تقترب من الرؤية الأمريكية الخالصة، أو انتهزتها فرصة لتعرض فيها انتقاداتها الشديدة للولايات المتحدة الأمريكية أو لسياساتها الحالية في العالم.

ستون يسقط في فخ الدعائية

يسعى أوليفر ستون في فيلم مركز التجارة العالمي، الذي يعرض حاليا في بعض دور العرض، لأن يجسد المأساة من خلال أكثر الشخصيات تأثيراً في المشاهد، رجل الشرطة والمنقذون الذين قضوا أثناء محاولتهم إخلاء البرجين وملحقاتهما. يبدأ الفيلم من جون مكيلفين (نيكولاس كيج)، وهو رقيب شرطة في هيئة شرطة الميناء (نيويورك). يظهر جون المتجهم في يوم الثلاثاء 11 سبتمبر عام 2001 وهو يستيقظ في الثالثة والنصف فجراً. وبعد أن يقوم بطقوسه اليومية، ينطلق في طريقه من نيوجيرسي إلى نيويورك مقر عمله. ينتقل الفيلم في مشاهده الافتتاحية لعدد من رجال الشرطة الذين يعملون مع جون في شرطة الميناء، خاصة من هم تحت إمرته في قسم شرطة محطة الأتوبيسات في الميناء. غير أن السيناريو يدخلنا في الحدث مباشرة، ولا يتحرك بشكل تقليدي من ناحية التمهيد تاركا معرفة خلفيات الشخصيات وعائلاتها لمرحلة لاحقة .

ترصد كاميرا ستون التسجيلية المناخ المحيط في شوارع نيويورك في هذا اليوم. يفرط ستون في استخدام الحركة العادية، قبل أن يصدم المشاهد باستخدام الصورة مصاحبة بمؤثر الموسيقى التصويرية لارتطام الطائرة الأولى، معطياً للمشاهد الإشارة بأن تلك الحالة العادية في الشارع قد انتهت، وأن دراما الفيلم قد بدأت فعلياً.

يتناول الفيلم خطين دراميين هما خط بطل الفيلم السيرجينت جون مكيلفين وخط زميله ويل همينو (مايكل بانا). وفي نهاية الفيلم نعرف أن قصة البطل مستوحاة من قصة حقيقية وأنهما من ضمن 20 شرطيا أنقذا من تحت أنقاض البرجين والمباني الملحقة بهما.

يستعير ستون في مشاهد حصار هذين الشرطيين بتقنية كان قد استخدمها في فيلمه الشهير عن الحرب الفيتنامية “الفصيلة -بلاتون” لخلق الجو الفعلي. الشرطيان تحت الأنقاض وكأنه موقع حرب، بما في ذلك الصراخ الطبيعي منهما نتيجة ألمهم الشديد. يقدم ستون في هذا المقطع الطويل في الفيلم إحساسا كاملاً للمشاهد بالاختناق من الأماكن المغلقة، بالإضافة إلى تتابع الأشياء المصاحبة لانهيار المباني. فأولا: لا يأتي الانهيار مرة واحدة، ولا تأتي أصوات الانفجار النارية المصاحبة له مرة واحدة هي الأخرى. ولا يعتمد ستون في هذا المقطع سوى على الحوار الخفيف والذكي بين الزميلين. ولا يفصل في هذا المقطع بين تلك الحوارات التي لا تهدف إلا للحفاظ على استيقاظهما وبالتالي حياتهما، إلا بالكثير والكثير من الفلاش باك –بشكل تقليدي مكثف- ليعلمنا على مراحل مختلفة بالخلفيات الشخصية والعائلية لبطلي الفيلم.

غير أن المخرج أوليفر ستون، المعروف عنه المواقف المتأنية الذكية، لم يستطع أن ينتقل بالفيلم من الحالة الدعائية المباشرة، كما في العديد من الأفلام الهوليوودية المعروفة وبشكل أكبر نوعية أفلام الكوارث مثل سلسلة أفلام المطارات وفيلم الزلزال وما شابه ذلك. وهكذا يظهر خط درامي جديد هو ضابط مارينز تارك للخدمة، يسافر إلى نيويورك ليشارك في مهام الإنقاذ بعد أن يكون قد استشار رجل الدين في الكنيسة. وبعد أن تتم عملية الإنقاذ في نهاية الفيلم بفضله، يفكر ضابط البحرية الأمريكي للحظة ويعلن عودته للمارينز مرة أخرى لأنهم يحتاجون له في “الانتقام”. وعندما يستعرض المخرج قبل التيترات في نهاية الفيلم مصير أبطال الفيلم، نعرف أن هذا الجندي قد خدم في العراق مرتين.

بهذا المنطق يتمثل أوليفر ستون فكر المحافظين الجدد بشكل مباشر: فلا الحرب ولا نتيجتها مهمة، المهم “أن يكون هناك عدو” وفقاً لما جاء على لسان جندي المارينز السابق.

11 سبتمبر: الجانب الآخر من المواجهة السينمائية

يقدم فيلم أوليفر ستون نموذجا لتيار السينما الهوليوودية المسيطرة، غير أن هناك تيارا آخر يجيء في مواجهته ولا يمكن تجاهله. ولعل أهم الأفلام على الإطلاق التي تناولت الحادي عشر من سبتمبر كان هو الفيلم التسجيلي “11 سبتمبر” الذي شارك في إخراجه 11 مخرجا من نجوم السينما في العالم. قدم الفيلم 11 قصة قصيرة تدور أحداث كل منها في 11 دقيقة وتسع ثواني نسبة إلى تاريخ العمليات على نيويورك وواشنطن، عرض فيها كل مخرج من المخرجين العالميين رؤيته الخاصة. واتسمت بعض هذه الأعمال بالمباشرة الشديدة، ويأتي على رأسها مقطع المخرج يوسف شاهين. أما القصة التي يتناولها المخرج البريطاني كين لوتش فقد قدمت أيضاً فيلماً يعتمد على المباشرة في إشارة إلى 11سبتمبر عام 1973 عندما حدث انقلاب في تشيلي على حكومة سلفادور الليندي المنتخبة بقيادة الجنرال أوجستو بينوشيه الذي دعمته المخابرات والقوات الأمريكية. بينما قدمت الإيرانية سميرة مخملباف خلطاً بين الشاعرية والسخرية الخفية في أن الحرب على أفغانستان هي حرب على شعب فقير ضعيف ليس له يد في 11سبتمبر على الإطلاق. الشاعرية القصوى كانت لدى المخرج والممثل الأمريكي شون بن، والفرنسي كلود ليلوش اللذين قدما قصتين تعتمدان على إيقاع هادئ وشاعري جميل بعيداً عن مأساة الحدث. وقدم المخرج البوركيني إدريسا أودراجو شكلاً من أشكال خفة الظل من خلال قصة مجموعة من الأطفال في بوركينافاسو.

ومن الممكن اعتبار أن المخرج الإسرائيلى عموس جيتاي لعب على نفس الوتر إذ قدم شكلا كاريكاتيريا لعملية فدائية في أحد المدن وكيف أن حياة الإسرائيليين اعتادتها. أما المخرجة الهندية ميرا ناير فقدمت صورة عن العدالة الغائبة في الولايات المتحدة تجاه عائلة باكستانية يقتل ابنها في الأحداث ويتم النظر لها على أنها إرهابية إلى أن يتضح أن الابن كان عامل إطفاء. وركز المخرج البوسني دانيس تانكوفيتش على رؤية خاصة عن مشاعر اللاجئين البوسنين تجاه الأحداث، أما المخرج المكسيكي أليخاندرو جونزاليس أونريتو فحاول خلق حالة صورة تعتمد على الصوت بعد لقطات لمن كانوا يقفزون من برجي التجارة غير أنها بدت كأسوأ مقاطع الفيلم.

أما الفيلم الأهم من ناحية الانتشار والجوائز فكان فيلم مايكل مور التسجيلي فهرنهايت 9- 11 . ذلك الفيلم الذي نجح في الحصول على أرفع الجوائز في السينما العالمية وهو السعفة الذهبية لعام 2004.

ولن يكون فيلم أوليفر ستون هو الفيلم الأخير الذي تحاول من خلاله الشركات الهوليوودية استغلال هذا الحدث المأساوي للترويج لنفسها وبالطبع للترويج لهؤلاء الذين يجلسون في سدة الحكم في الولايات المتحدة، بالضبط وبنفس المنطق والتصرف الذي قامت به الإدارة الأمريكية فور امتصاص وتقييم هذه الهجمات. وذلك عندما أعلنت الحرب على ما يسمى بالإرهاب، وحشدت كل الجهود والأموال والحلفاء. لعل ما يؤكد ذلك لكل متابعي السينما الأمريكية والأجنبية في مصر هو الإعلان عن العرض التالي في دور السينما التي تعرض مركز التجارة العالمي، وهو فيلم يونايتد 93، الذي أثار ضجة عند عرضه في أول مرة في مهرجان كان هذا العام. يونيتد 93 هو فيلم للمخرج بول جرينجراس الذي اختار قصة فيلمه مبتعداً عن رصد الثلاثة طائرات الرئيسية في الأحداث واختار رصد ما كان يحدث على متن تلك الطائرة الرابعة التي لم تنجح في الوصول إلى هدفها وسقطت في بنسلفانيا. ويبدو أنه طالما لم تحسم ساحة السياسة العالمية مصير الحرب على الإرهاب ستظل المواجهة السينمائية حول الحادي عشر من سبتمبر مستمرة.