بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

مستقلون وأحرار ومسرحيون

إن الجدلية الناشئة عن المقابلة بين استاتيكية المتلقي (جمهور المسرح) وديناميكية المؤدي (ممثل أو راقص أو عارض) في الحالة المسرحية التي تجاوز عمرها الآن الألفي عام ـ منذ صدحت الجوقة في سفح هضبة الأوليمب وحتى الآن ـ تظل هي الجوهر الحقيقي لديناميكية الفعل المسرحي وما سواه من فنون الأداء التي ابتدعها الإنسان طوال تاريخه، حتى أن البعض يتجاوز ـ في وصف الفعل المسرحي ـ مفاهيم مثل الحيوية والمفارقة والديناميكية واصفا إياه بالحرية! فالمؤدي داخل العمل المسرحي يختزل كل حدود التوجيه التي تلقاها من فريق العمـل (المخرج ومدربي فنون الأداء المختلفة) ليصبح حرا بالكامل فيما يؤديه، لا تقيد حريته أية قيود، سوى ما اصطلح المؤدي ذاته على تقييده.

الحرية إذا مسألة أساسية في صلب البنية المسرحية. ولكن ترى إلام يشير معنى المسرح الحر أو المسرح المستقل أو المسرحيون الأحرار أو المستقلون؟ وأيهما يتسم بالحرية أو الاستقلال: هل هو الفن المسرحي أم المسرحيون (كأشخاص أو كأفراد)؟ وما الفارق ما بين المستقل والحر؟ وما هو تاريخ هذه الحركة في مصر؟

ما بين المصطلح بشكله السياسي وبأبعاده التبشيرية تتراوح حركة المسرح الحر في مصر التي تجاوز عمرها الآن 17عاما. وهنا تبدأ التساؤلات ولا تنتهي.

القاهرة 1988
كانت الأعوام الأخيرة من ثمانينات القرن الماضي بمثابة الخلفية التاريخية لظهور تيار فني هام في تاريخ الفن المصري، ألا وهو تيار المسرح الحر. فقد تأثر عدد من شباب المسرحيين في ذلك الوقت ببعض التجارب الملهمة التي حدثت خارج سياقات المؤسسة المسرحية الرسمية أو على هامشها، بدرجة جعلت من التفكير في إيجاد إطار بديل للمسارين المكونين للمشهد المسرحي المصري في ذلك الوقت ـ وهما المسرح الحكومي (مسرح الدولة أو قطاع المسرح) والمسرح التجاري (القطاع الخاص) ـ ضرورة لا مفر منها.

وبينما تزايد الشرر المتطاير من أكثرية تلك التجارب غير النمطية التي لم تكن تنتمي للأنماط المعتادة في ذلك الوقت؛ مثل ظهور فرقة مسرحية غير تابعة لمسرح الدولة ولا تهدف لأهداف المسرح التجاري، ويمكن اعتبارها أولى الفرق المسرحية الحرة، هى فرقة الورشة التي قدمت وقتها تجربتها المسرحية “داير.. داير”. وكذا تجربة ظهور جماعة الطيف والخيال داخل أحضان مؤسسة الثقافة الجماهيرية وبمساحة من الحرية سمحت لمؤسسها المخرج الراحل بهائي الميرغني (أحد ضحايا حريق بني سويف) بقدر من الحرية تأكدت في عرض الفرقة المختلف في ذات الوقت “سكة السرايا الصفرا” باثنين من الممثلين هما خالد الصاوي (مؤسس فرقة الحركة الحرة فيما بعد) وعزة الحسيني (مؤسسة فرقة الغجر الحرة). ولاعب العرائس ناصر عبد التواب (المخرج المسرحي وصاحب تجربة فرقة الأراجوز المصري).

وكذلك فقد كانت التجارب الباحثة عن الاختلاف والمتصادمة مع جوهر الشكل المعتاد للمسرح في مصر يتعالى صليلها داخل أسوار الجامعات، حتى اشتهرت من بين هذه الفرق الكثيرة فرقا عُرِفت بالاسم وقُدِرَ لها أن ترسخ تجربتها وتثبتها بالرغم من العيب القاتل (وربما الميزة الأساسية) في تكوين فرق المسرح الجامعي، وهو عدم استمرار فناني هذه الفرق لأكثر من خمس سنوات (وهو عمر دفعة تبدأ منذ الالتحاق بالجامعة وتستمر حتى التخرج). لكن بعض هذه الفرق الجامعية استطاعت الالتفاف حول هذا العيب، فوجدنا خريجي هذه الفرق يشاركون في عروضها برغم التخرج. وكذا فقد استطعنا أن نتحقق من استمرار العديد من فناني المسرح الجامعي الذين تمسكوا بالعمل في فرقهم برغم تخرجهم، أو هؤلاء الذين اختاروا البقاء بالجامعة وعدم التخرج (بالرسوب) عشقا لهذا المسرح الجماهيري الناجح. ولم لا وقد كانت عروض هذه الفرق تتألق في داخل الوسط الجامعي المكون من مئات الآلاف من الطلبة المتشوقين لتلك الحرية التي كان مسرح الجامعة يبشر بها. فلمعت أسماء داخل مسرح الجامعة من مثل محمد هنيدي ومحمد سعد في جامعة القاهرة، وماجد الكدواني في جامعة حلوان (الذين لم يكن يعرفهم جمهور الشارع بعد) وأسماء أخرى كثيرة بعيدة عن الجماهيرية.

داخل الجامعة
كان المناخ السياسي داخل الجامعة يحاول الهروب بالجامعة من قبضة الجماعات الدينية ـ ونحن على مرمى حجر من اغتيال السادات على أيدي بعض هذه الجماعات ـ وليس أقدر من المسرح على تحقيق الجماهيرية المطلوبة وجمع الأعداد الغفيرة من المتفرجين الباحثين عن مساحة من الرأي الحر لم تكن تتوفر وقتها خارج حدود الجامعة، سواء في الإعلام الرسمي (الذي لم يكن له بديل وقتها) أو حتى على خشبات المسارح المعروفة. فإذا كانت الدولة حريصة على رد تلك الجماعات لتلتزم مخابئها والمساعدة في سيطرة أفكار بديلة على ساحة النشاط الطلابي، وما دام المسرح الجامعي قادرا على ذلك، فلا أقل من منحه حرية لا تمنحها الدولة وقتها للمسرح الرسمي، وهو ما دعم قوة وجماهيرية المسرح الجامعي، حتى من خارج حدود الجامعة، بحثا عن مسرح يتسم بحرية واستقلالية لا يساويه فيها أحد.

زاد علي ذلك سيطرة كثير من فرق المسرح الجامعي على اتحادات طلاب كلياتها بمباركة من إدارات الجامعات. فهذه الفرق كانت الجماعات الوحيدة الأكثر تنظيما من الجماعات الدينية وقتها. ومع خشية هذه الفرق من أن سيطرة عناصر الجماعات الدينية على الاتحادات الطلابية قد تعرقل حركة فرق المسرح ولو بتقليص الميزانيات، لذا فقد تركزت عيون فرق المسرح الجامعي المنظمة على التأثير المباشر في اتحاداتها وانتخاباتها، إن لم تنجح في السيطرة عليها.

لقد نمت التجربة إذا وتجاوزت الفن بشكل مجرد إلى الفن بشكل متفاعل مع الظروف المحيطة. وقتها تعالت أصوات العديد من الفرق المسرحية بالاسم، حتى أن د. فاطمة موسى، في مؤلفها الهام موسوعة المسرح، ترصد نماذج بعينها من فرق المسرح الجامعي الأكثر تأثيرا وثباتا، وتفرد لبعض هذه الفرق مساحات مطولة في صفحات الموسوعة، ومنها فرقة كلية الفنون الجميلة (بالزمالك)، وكانت تحمل اسم فرقة أتيلييه المسرح وكانت تعمل داخل مسرح صغير بمبنى الكلية في ظل حرية غير مسبوقة سمحت بحضور جماهيري دائم لعروض الفرقة وبشكل زاد من حجم نشاطها بدرجة لا تتناسب مع طبيعة لوائح المسرح الجامعي، وسجلت في قوائم الفرقة وقتها أسماء العديد من المخرجين والفنانين، منهم من كانوا يعملون لتنمية مثل هذه الفرق الجامعية من فنانين معروفين مهتمون بمساندة الفن المسرحي والعمل على تنميته في أي مستوى من أمثال المخرج الكبير سمير العصفوري ـ الذي ساهم في تأسيس فرقة أتيلييه المسرح بكلية الفنون الجميلة عام 1972 ـ وكذلك هشام جمعه وحسن عبده وهم من خريجي كلية الفنون الجميلة ذاتها.

الأمر إذا لم يكن مجرد نشاط طلابي على سبيل الترفيه. فقد زادت أنشطة هذه الفرق واتسعت حدود جماهيريتها. وعلى الطرف الآخر تقلص إلى حد كبير حجم وأنشطة الأصولية داخل الجامعات، حتى إن فلولها قامت بأنشطة عدائية ضد هذه الفرق وصلت إلى حد القيام بأعمال تخريبية ضد العروض المسرحية. فرأينا تخريب ديكورات العروض داخل الجامعات. وفى المقابل رأينا احتشادا من عناصر الفرق المسرحية وسواهم من الفنانين أو المهتمين بالفن داخل الجامعة لإسقاط عناصر الجماعات الدينية، حتى كان حلول عام 1988 بمثابة إعلان عن انحسار كبير لموجة الجماعات الدينية داخل جامعات العاصمة، وربما الجامعات الأخرى، واكبها تميز كبير في العروض المسرحية المقدمة وقتها وقوة في الموضوعات وجرأة وحرية كبيرتين. فقد شاهدنا في هذا العام عرض “باب الفتوح” لفرقة جامعة طنطا بحشد ضخم من الممثلين والممثلات والمغنيين والمغنيات (لا أذكر بينهم فتاة واحدة محجبة) في كورس ضخم بأوركسترا يعزف أثناء العرض ويحتل الصفوف الأولى من صالة العرض فى ظاهرة مثيرة ومدهشة وحضور جماهيري على مسرح بلدية طنطا أثناء تقديم العرض في صيف هذا العام الذي شهد عروض جامعات مختلفة واستقبلها جمهور طنطا في شوارع المدينة بالهتاف للظاهرة المسرحية (فلم يكن بين هذه الفرق نجوما يحتفي بهم الجمهور البسيط إنما كان الاحتفاء بالفن ذاته). لقد احتفى جمهور طنطا وفلاحي القرى المجاورة بالمهرجان المسرحي في عام 1988 ـ بينما نعاني اليوم من ظهور موجة من التائبين ومعلني حرمة الفن على رأس أساتذة كليات الفنون الجميلة وداخل معاهد أكاديمية الفنون.

بداية الطريق
شهدت تلك الأعوام وما تلاها تخرج عدد كبير من الفنانين الذين نشّطوا التجربة خلال هذه الفترة والذين بدأوا ممارسة اللعبة المسرحية بحرية كبيرة داخل حدود الجامعة. فإذا بهم في ساحة العمل الفني يبحثون عن استكمال ما بدأوه. ولكن الواقع المسرحي في ذلك الوقت لم يكن بقادر على استيعاب هؤلاء الذين تعودوا مساحة من الحرية والبحث ولا يرضيهم مناخ العمل داخل مسرح الدولة المتكاسل وقتها. وبالطبع فإن نموذج المسرح التجاري لا يربطه بهذه الظاهرة أية رابط. وإن اتجه بعض هؤلاء الفنانين إلى نموذج المسرح والفن التجاري من أمثال سعد وهنيدي، فقد بقى السواد الأعظم من أصحاب تجربة المسرح الجامعي يبحثون عن الوسيط المناسب لهم، من أمثال خالد الصاوي وخالد صالح وخالد جلال وطارق سعيد وعبير علي وعزة الحسيني وحسن عبده ومحمد عبد الخالق وعفت يحيي وصالح سعد وآخرين. وتتطاير الشرر في كل مكان وتتزايد أعداده ويصبح المناخ مهيأ لهذه البداية وتجئ الدعوة التي أطلقها بعض المسرحيين من فناني السبعينات والثمانينات، من أمثال الراحل حازم شحاتة والناقدة منحة البطراوي، والتي بدأت بمؤتمر عقد في مقر نقابة الممثلين وقتها للدعوة لتجمع وتنشيط جماعات من الفرق المسرحية تتسم بأبعاد يمكن أن توصف بأنها متمردة على الواقع المسرحي السائد وباحثة عن فن مسرحي مرتبط بجمهوره ومعبرا عن قضاياه، وليس مجرد فن نخبوي كحال المسرح المصري وقتها. وأُعلن عن جماعة المسرح الحر في 1990.

لم يمض على إعلان الجماعة وقت طويل حتى أٌعلن عن لقاء المسرح الحر الأول الذي ضم عشرين فرقة مسرحية متنوعة تبحث عن هذا الهامش الحر. وكان اللقاء صادما ومفاجئا على المستوى الاجتماعي والسياسي بالدرجة الأولى. ومعها لم يكن غريبا أن تتحرك عناصر وفنانو الموجة الأولى للقاء على خلفية اجتياح العراق للأراضي الكويتية. وقتها اعتقد فنانو المسرح الحر أن ما يحدث هو نقطة التحول التاريخية في تاريخ المنطقة. وأن هذه الأجيال ستعانى لأزمنة طويلة من جراء هذا الاجتياح وما أعقبه من توابع هامة أدت للدخول الأمريكي في المنطقة. وأُعلن الحظر الجوى وتوقفت الدورة الثانية لمهرجان المسرح التجريبي الدولي في أوج مجده وفى اللحظات الأخيرة، لتجد وزارة الثقافة مهرجانا معدا دونما فرق مشاركة بعد أن منع الحظر جميع الفرق الأجنبية والعربية من الحضور للمنطقة في ظل سخونة أجواء الحرب، هذا في الوقت الذي كانت فرق المسرح الحر تعد لعقد لقائها الثاني في دورة تتخذ من أعمال الأديب يوسف إدريس موضوعا لها.

من هنا كان الاقتراح بأن تقوم وزارة الثقافة برعاية الدورة الثانية لمهرجان المسرح الحر (لقاء المسرح الحر 2)، فيتحول اللقاء من مجرد لقاء فقير لفرق ناشئة بعيدا عن الأضواء، إلى مهرجان رسمي محتفى به ويشغل كافة المواقع ودور العرض التي سبق إعدادها لاستقبال عروض المهرجان التجريبي، وبنشرة ورسالة يومية للتلفزيون المصري! وبهذا حظيت هذه الفرق برعاية لم تتكرر بعدها. فقد اكتشف وزير الثقافة (الذي قام بدور المضيف) أن هذا الموقف، الذي أراد به سد الثغرة الناتجة عن حرب الخليج الثانية، قد أدى لزيادة قوة هذه الفرق بشكل ملحوظ وساعدها بشكل لم تكن تحلم به.

انطلاقة
لقد تسارعت خطوات الفرق المستقلة بإيقاع غير مسبوق معبرة عن الطاقة التي حملها فنانو المسرح الحر من أعضاء الموجة الأولى وقتها. فلم يكد يفتتح مركز الهناجر للفنون، إلا وشغلت هذه الفرق كافة أرجائه بشكل حدا بمديرة المركز د.هدى وصفي إلى الاعتماد بدرجة رئيسية على فناني هذه الفرق ليديروا فعاليات وأنشطة الورش التي نظمها المركز، وليصبح هؤلاء الشباب في طليعة اهتمامات المركز الذي جلب المدربين والفنانين المسرحيين من كافة أنحاء العالم لإقامة الورش التدريبية التي تغطى احتياجات هذه الجماعات الناشئة. ولم لا، ومركز الهناجر، حتى هذا الوقت، لم يكن يصرف من ميزانياته الكثير على إنتاج عروض هذه الفرق التي كانت تميل للعمل بدون أجر راضية بروعة التجربة وإحساسا بمظلة تسمح بممارسة الحريات الفنية والفكرية دون قيود رقابية ولا رسمية (ظلت عروض مركز الهناجر ولفترة طويلة لا تخضع للرقابة على المصنفات، ثم بعد خضوعها للرقابة كان الاتجاه هو التساهل الشديد معها). كذلك فقد كان تعاون شباب المسرح الحر مع مركز الهناجر دون النظر للمقابل بمثابة اعتراف بفضل هذا المكان وما قدمه لهؤلاء الشباب من خبرات وورش قادها نخبة من أفضل المسرحيين المتاحين وقتها (أمثال المخرج البولندي جوزيف شاينا والسوري جواد الأسدي واللبناني روجيه عساف والعراقي عوني كرومي والفرنسي برونو ميساي وغيرهم).

ثم أتى اللقاء الثالث لفرق المسرح الحر، وترك رصيدا كبيرا من العلاقة ما بين الهناجر وهذه الفرق، وبشّر باللقاء الرابع الذي يعزى إليه دور كبير في مسار ورحلة الفرق الحرة في مصر.

كان اللقاء الرابع لفرق المسرح الحر، الذي عقد بمركز الهناجر للفنون، بمثابة الحلقة الثانية أو المفصل الرئيسي في تجربة المسرح الحر. فقد فاجأ الجميع بتجمع خمسة وثمانين عرضا مستقلا لأربعة وستين فرقة متنوعة كان بينها فرق من الوجه القبلي (بني مزار الحرة) ومن الإسكندرية (المسرح البديل) وأخرى من بورسعيد (بورسعيد الحرة التي قدمت العرض المسرحي “البطاحيش”).

لم يكن المهرجان مجرد تجربة لتقديم عروض مسرحية حرة، ولكن كان بالدرجة الأولى تجربة للتحرر من الثوابت الراسخة ومن أبوية الأفكار السائدة والأساتذة في ذات الوقت. فقد انسحب النقاد من مساندة التجربة لما وسعت حدودها بدرجة لا طاقة معها للآباء الأساتذة على المتابعة. فمن منهم يقدر أن يتابع أكثر من عشرة عروض يوميا لاختيار العروض التي سيتم بينها التنافس في فعاليات اللقاء الرابع؟

لم يكن أمام فناني المسرح الحر سوى العمل بكل طاقتهم لإنجاح تجربتهم. فتأسس أول مجلس لإدارة جماعة المسرح الحر، وتكون من سبعة وعشرين فنانا تجمعوا في سبعة لجان تنظيمية، أذكر منهم خالد الصاوي في لجنة النظام والمتابعة، وعلا فهمي في لجنة الاتصال، ومنال إبراهيم في اللجنة المالية، ومحمد عبد الخالق في لجنة المهرجانات، وكان من ضمن أعضاء اللجان كذلك خالد جلال وعاصم نجاتي ومحمد جابر وأحمد فؤاد وطارق سعيد. ومن داخل هذا المجلس الإداري تشكلت لجان المشاهدة من فنانين شبان من أعضاء الحركة وبطريقة تصويت ليبرالية بقدر كبير. وتم اختيار العروض المشاركة دون اعتراض من جميع الفرق المشاركة سوى فرقة الشظية التي شوهدت لها بروفة للمخرج محمد أبو السعود لعرض لم نشاهده فيما بعد بعنوان “نقول وي نقول با”. واحتشدت الفرق جميعا، سواء الفرق التي وقع الاختيار على عروضها أو الفرق الباقية. وفي الافتتاح، الذي تحول إلى مؤتمر موسّع، أعلنت الفرق في كلمتها وعلى غلاف الكتيب التذكاري مقولتها التي كانت بمثابة إعلان تاريخي عن طبيعة هذه الجماعة المسرحية الجديدة وموقفها مما حولها.

المسرح الحر والدولة
الجماعة التي تجاوزت عقبة هروب الآباء الأساتذة من مساندتهم والقيام بالتنسيق بينهم ـ بما يحمله ذلك من احتمالات التصادم ـ هي ذاتها التي قدمت العروض المسرحية الخمسة وثمانين (بحسب إعلان وزير الثقافة في جلسة مجلس الشعب)، وهى ذاتها الجماعة التي أصبح عليها الآن الحفاظ على مكتسباتها والنظر للأمام وسط موجة من الرفض الرسمي للجماعة (التي تصورت الدولة أنها ستكون بمثابة جماعة احتفالية تظهر وتختفي بحسب رغبات المؤسسة الرسمية).

جماعة المسرح الحر التي كانت تعتقد أن الدولة ستساندها، كما كانت البوادر الأولى تنبئ مع تبني الدولة للمهرجان الثاني للمسرح الحر، اكتشفت الآن الحقيقة: أن الدولة أصبحت وبشكل واضح ومباشر ترفض أي تكتل يطلق عليه اسم أي جماعة، وبخاصة لو استطاعت هذه الجماعة أن تتخذ من الأشياء موقفا جماعيا. وقد ظهر هذا الموقف واضحا في إعلان صندوق التنمية الثقافية عن رغبته في التعامل مع تلك الجماعة، ولكن بشرط اتفاق الفرق بشكل فردى، مع رفض الاتفاق مع مجلس إدارة الجماعة الذي تشكل مع اجتماعات اللقاء الرابع.

كان الهدف هو كسر حالة التكتل التي صنعتها الفرق. لكن معظم الفرق لم تفطن لهذا الشرك وجرت وراء وعود التمويل الكاذبة، في حين أن الدولة لم تكلف نفسها وقتها سوى بتمويل عرض واحد، لكن تمويل هذا العرض أغوى جميع الفرق بتصديق الفكرة ودفعها لكسر التجمع الذي خلقته جماعة الفرق الحرة بعد اللقاء الرابع. هذا بالرغم من أن التجمع انتقل بمجموعة المسرحيين الشباب هؤلاء إلى حيز فكري جعل لهم دورا واضحا من كافة القضايا.

والنتيجة كانت: تشرذم الفرق، واختفاء اجتماعات فرق المسرح الحر، باستثناء لقاءات محدودة بين بعض الفرق المؤسسة لجماعة المسرح الحر (تلك الفرق التي كانت قادرة على تبين طبيعة الدور الذي تلعبه الدولة، وطبيعة الصراع الدائر من أجل بقاء حركة تنعم بالاستقلال وسط قيود مؤسسة مسرحية تتبع دولة ذات طبيعة بوليسية).

لكن هذه التجربة القاسية كانت لها فضيلة، وهي أنه للمرة الأولى وقف المسرحيون الشباب من أعضاء تيار المسرح الحر موقف الباحث عن تفسير لما يدور حوله، وكأن الطفل قد بدأ يتعلم جزءا من لعبة بدأت مسلية، ثم ما لبثت أن تحولت إلى لعبة قاسية، وربما تطورت بعدها لتصبح لعبة قاتلة (راجع ملفات قتلى حريق بنى سويف 5 سبتمبر 2005).

لقد أصبح لكلمة “الحر” عمق جديد، لم تتنبأ به الجماعة مقدما. فالحرية التي سُلبت من الجماعة أصبحت هدفا عاما، وليس مجرد حرية إبداع، والاستقلال عن المؤسسة صار خيارا استراتيجيا لتلك الفرق التي أعلنت إصرارها على الاستمرار.

استمرار
واصلت الفرق القليلة العدد المستمرة على طريق المسرح الحر (أتيلييه المسرح ـ الحركة ـ الشظية ـ الضوء ـ المسحراتى ـ القافلة ـ السرادق ـ المتمرد ـ لاموزيكا ـ الغجر) حتى أتى العام 1998، وهو العام الذي وقفت فيه تلك الفرق معلنة موقفها من المؤسسة الثقافية في مصر ومن طريقتها في تهميش الحركة، وهو ما جعل وزير الثقافة يرد على أحد الصحفيين الذي تساءلوا عن سبب إصرار وزارة الثقافة على عدم مساندة هذه الحركة الهامة قائلا: “إنت عايزني أحضّر عفريت ما أعرفش أصرفه؟”

كانت هذه هي نظرة وزير الثقافة للأمر، وهى بالطبع ليست نظرة شخصية بقدر ما هي موقفا عاما للمؤسسة الرسمية حدت بجميع قطاعات الوزارة إلى التعامل الحذر مع أفراد هذه الجماعة. لكن العفريت الذي خشي الوزير مساندته أو تحريضه كان قد أصبح واقعا، بل وبدأت تخايله مؤسسات التمويل الأجنبي. هنا دخلت الفرق المتبقية من جماعة المسرح الحر في معركة أخرى: هل نوافق على التمويل الأجنبي أم لا؟

البعض قال أنه لا مانع من أن نلجأ لكل من يمكنه أن يقيم أود فرقنا، حتى ولو كان أجنبيا. فهذه المؤسسات الأجنبية تمنح تمويلا للدولة المصرية في شكل معونات. مؤسسات تمويل من عينة الصندوق الهولندي، أو الجايكا اليابانية، أو حتى فورد الأمريكية (صاحبة التوجه الصهيوني في رأي البعض)، وغيرهم، تتعاون مع الحكومة فلماذا نحرّمها على أنفسنا؟ هكذا هرول بعض الزملاء (وهم في الواقع لم يتجاوزوا ثلاث فرق) تجاه التمويل الأجنبي، بينما رفضت الفرق الباقية التمويل، واستمرت في محاولاتها للحصول من الدولة على ما لا تريد الدولة منحه.

وبينما كان البعض يحصل على صكوك التمويل الأجنبي، كانت الدولة تمنع الدعم عن الباقين (من رفضوا التمويل) بحجج متنوعة وجديدة (أحدها هو أنها ـ أي الدولة ـ لن تتعامل مع الفرق الممولة أجنبيا! في استخدام فج لصيحات الوطنية الكاذبة). وماذا عن الفرق التي لم تحصل، ولم تتقدم أصلا للحصول، على تمويل؟ الإجابة كانت “لا إنكم مستقلون، أي خونة أيضا”!

ولكن برغم كل ذلك استمرت الفرق الحرة المرابطة في مسيرتها، وتألقت على مدى السنوات بشكل أصبح يمثل حرجا للمؤسسة المسرحية الرسمية. فكيف تقوم تلك الأخيرة بصرف ما تصرف من ميزانيات على إنتاج عروض هزيلة، بالمقارنة بالإنتاج المتميز للفرق الحرة التي أصبحت أكثر جرأة والتي أضافت قسوة التجربة لعزيمتها؟

هذا هو ما دفع وزير الثقافة للاجتماع بمندوبي الفرق الحرة (المتبقية) في اجتماع “تاريخي” عام 2004. استهل الوزير الاجتماع بالترحيب بالفرق والتأكيد على موقفه الثابت وقناعته بحقيقة دور هذه الفرق ورغبته في دعمها، الرغبة التي يحبطها ضغط الميزانيات وصعوبات العمل الحكومي! كان الكلام مؤثرا حتى أن مندوبي الفرق كادوا أن يعرضوا على الوزير أن تقدم الفرق المستقلة عروضها بالمجان لصالح وزارة الثقافة والدولة الفقيرة، حتى تتمكن الوزارة من صرف الملايين المتوفرة لها في رفع مستوى ثقافة النخبة الاقتصادية وفي ترميم القصور الفارهة التي لا نختلف على ترميمها، ولكننا نطالب كذلك بالاهتمام بالجماهير المحيطة بالقصور نفس اهتمامنا بالقصور والمباني التاريخية، حتى لا يصبح المواطن القاطن بجوار الأثر في علاقة سلبية معه.

الخلاصة أنه كما تحطمت كل الفرص السابقة في التعاون مع الدولة، فإن هذا اللقاء هو الآخر لم يثمر سوى المزيد من التلميع الإعلامي للوزير الفنان صاحب المبادرات (حتى ولو لم يتحقق منها شيء!).

خمسة عشر عاما مرت على الفرق المسرحية الحرة التي بقيت من فرق الموجة الأولى. خمسة عشر عاما من الحصار والمنع والتجويع الفني، وحتى الحرق بالنار. فلن ينس فنانو المسرح الحر أنهم فقدوا في حريق قصر ثقافة بني سويف ثلاثة من أهم رموز مسرحهم: حازم شحاتة (أحد الأسماء الثلاثة التي أعلنت قيام الحركة عام 1990)، وصالح سعد (مؤسس فرقة السرادق الحرة)، وحسن عبده (أحد مؤسسي فرقة أتيلييه المسرح الحرة). خمسة عشر عاما انتهت إلى قناعة لا مفر منها: إن علاقة الدولة مع جماعات المسرح الحر هي علاقة صدام وصراع، ولن تتحول بأي حال من الأحوال إلى علاقة إيجابية طالما تصر الدولة على التعامل مع أعضاء الفرق الحرة بوصفهم خارجين على القانون.

يتأكد هذا ليس فقط بالنظر إلى تصرفات الدولة مع الفرق في إطار العمل الفني، بل بالنظر إلى المشهد المؤسف لقوات الأمن المركزي وهى تحاصر أعضاء جماعة 5 سبتمبر المطالبة بحقوق ضحايا حريق بني سويف. هنا تحول الحصار والقمع والمنع من معنى رمزي يلخص حالة الفن في مصر، إلى معنى مباشر شديد العنف والحدة ترسخ في وجدان الفرق التي بقيت تصارع كل هذه الظروف. عندما استقرت هذه الصورة في يقين فناني المسرح الحر، بدأت هذه الفرق في العودة إلى الخطو بخطى واثقة لا تهتز بالتذبذب على حبال الوصال المتقطعة مع الدولة.

وربما كانت أهم الخطوات المعبرة عن هذه العودة، هي استقرار اللقاءات السنوية للفرق الحرة في شكل جديد، هو مهرجان المسرح المستقل الذي بدأ دورته الأولى 2001 كامتداد للقاءات الفرق المسرحية الحرة التي توقفت باللقاء الرابع 1994، ليصبح لقاء 2001 (الذي شاركت فيه الفرق الثمانية المتبقية من جماعة المسرح الحر) هو اللقاء الخامس لفرق المسرح الحر.

عاد المسرح الحر للانتعاش. ففي اللقاء التاسع للمسرحيين المستقلين (أغسطس 2006) شاركت 17 فرقة من أصل 52 فرقة مستقلة جديدة تقدمت للمشاركة في اللقاء. الواقع المسرحي اليوم أصبح يعيد للأذهان التجمع الذي وصل عام 1994 إلى 64 فرقة مسرحية حرة. فقد زاد عدد هذه الفرق في مصر، خاصة بعد تأسيس أولى مؤسسات المسرح المستقل (جمعية دراسات وتدريب الفرق المسرحية الحرة)، إلى ما يقرب من مائة وخمسين فرقة.

لقد عادت وتيرة الحركة المسرحية الحرة للتصاعد على خلفية تطورات المناخ العام في مصر، الذي ازدادت فيه الرغبة في العمل المستقل تأثرا بمناخ سياسي واجتماعي باعث على نشوء تلك الحركات. وفي اللقاء الأخير لفرق المسرح الحر، الذي عقد في أغسطس 2006 وتأثر بأحداث غزو لبنان، قررت جماعة الفرق اتخاذ بعض الخطوات معلنة التضامن مع جهاد الشعب العربي في لبنان.

في هذه الدورة انطلقت ليالي المهرجان في مسارح القاهرة والإسكندرية والمنيا بحضور جماهيري كبير أدى، جنبا إلى جنب مع موقف الجماعة التضامني مع الشعب اللبناني، إلى العديد من المنغصات الأمنية انتهت بعدم تقديم العروض المفترض تقديمها في ختام الدورة على مسرح الهناجر (وهو المسرح الوحيد التابع للدولة من دور العرض الست المشاركة في الحدث). هذا ما حدا ببعض المستقلين إلى البحث في ضرورة وجود مسرحا للمستقلين في مصر. وقد بدأت الخطوات التنفيذية لهذا الهدف بتأسيس مجموعة روابط التي حملت على كاهلها هذا العبء الضخم، فأصبح للفرق المستقلة أماكنها التي تتبنى نشاطها، وكان هذا تطورا مهما، خاصة بعد أن أعلن عن إغلاق مسرح الهناجر (أحدث مسارح الدولة!) تحت دعاوى التجديد.

لكن الأمر في هذه المرة لم يعطل مسيرة الفرق الحرة، بعد أن أصبح لها مساراتها، ومظلتها القانونية، وأماكنها الخاصة للتدريب (مثل ستوديو عماد الدين) ودور العرض الخاصة بها (مثل مسرح روابط والساقية والجنينة ومسرح جمعية النهضة العلمية والجيزويت بالمنيا) ومؤسساتها الداعمة (مثل جمعية دراسات وتدريب الفرق المسرحية الحرة ومؤسسة حالة ومؤسسة دعم الفنون المستقلة وعدد من المؤسسات والجمعيات بالقاهرة والإسكندرية). إن فرق هذه الجماعة التي بدأت صغيرة، ومرت بكل ما سبق من أطوار، باتت الآن تمتلك أدواتها، معلنة على رؤوس الأشهاد أن الاتجاه إلى الاستقلال كان بالنسبة لها خيارا استراتيجيا وليس صدفة تاريخية.. خيارا يمنحها القدرة على الصدام والصراع والموائمة ولا يفقدها من حلم الحرية شيئا.

وفي النهاية استعير مقولة الناقدة الكبيرة نهاد صليحة: “المجد للمسرح الحر”.