بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

فن وأدب

نقد

مصير يوسف شاهين.. التنوير واحتقار الجماهير

هذا الإمام وهذي أعماله يا ليت شعري هل أتت آماله

هكذا وصف الإمام الصوفي محيي الدين بن عربي الذي تتلمذ على يد ابن رشد لبعض الوقت، مشهد نعش أستاذه ومعه كتبه قادمين من منفاه في مراكش إلى مسقط رأسه في قرطبة ليدفن هناك. ولعلنا اليوم في حاجة لترديد سؤال ابن عربي بعد مشاهدة “مصير” يوسف شاهين، ترى هل تحققت آمال ابن رشد على يديه أم لا؟ إن السؤال الذي حير الكثيرين ممن شاهدوا ذلك الفيلم هو أين ابن رشد؟ فيوسف شاهين لم يسمح لنا في أي لحظة أن ننخدع بأن من نراه على الشاشة هو ابن رشد وناسه وعالمه. وأيضًا لم يعطنا فرصة استخدام عقولنا لاستنتاج الأفكار التي يحاول زرعها داخلها. فهو يجهر بها ويبرزها ويرددها على ألسنة أبطاله ويغنيها ويكتبها واضحة على الشاشة، حتى لا تتوه عمن يجز عن الفهم أو من لا يريد أن يفهم!

الكثير يمكن أن يقال عن القضية التي يعرض لها الفيلم وعن مواقف يوسف شاهين السياسية والاجتماعية، وعن دلالة استدعائه لابن رشد اليوم. لكن الملاحظة الرئيسية – وقد لا تكون الأكثر أهمية – التي يكشف عنها “المصير”، هي أن عشق يوسف شاهين المبالغ فيه لذاته والذي أرهقنا به كثيرًا من قبل، قد أصبح الآن حالة مرضية مستعصية.

في مطلع الثمانينات مع “حدوتة مصرية” بدأ يوسف شاهين مسيرة ممتدة لتمجيد الذات، يحدثنا فيها أحيانًا عن حياته الخاصة بشكل مباشر، وأحيانًا أخرى يقوم بارتداء أزياء تاريخية ما تساعده على الوقوف معلنًا عن نفسه مدافعًا عن مواقفه وآرائه. لكن هذا الغرق الشديد في الذات جعله يفتقر مع الوقت للمهارات الدرامية التي تجعل استدعاء التاريخ للحديث عن قضايا معاصرة معقولاً ومنطقيًا أمام المتفرجين. وهكذا نجد أنفسنا أمام شخوص معاصرين يرتدون ملابس متخفية، وأحداثًا مصيرية تدور بشكل كاريكاتوري داخل ديكور خيالي مصمم خصيصًا على مقاس يوسف شاهين وناسه وعالمه وهمومه وأهوائه. والمشكلة ليست في أن فنانًا يستلهم التاريخ للحديث عن قضايا معاصرة، أو يعيد رواية الأحداث بالطريقة التي تدعم موقفًا ما يدافع عنه. فهذا كان دائمًا إيجابيًا ومشروعًا في حالات عديدة. المشكلة في الإيهام الذي تحاول خلقه ذات عاشقة لنفسها لتؤكد أنها محور الأشياء. وتروج عبر ذلك لمواقف وتوجهات تقلب حقيقة الأشياء في اتجاه معادي في الجوهر للجمهور الذي تحاول إيهامه. في “إسكندرية كمان وكمان” يقف شاهين بشخصه ليعلن أنه هو المدافع عن حقوق الفنانين النقابية والمعارض الأصيل للدولة. بينما الحقيقة كانت تعكس على ما يرويه لنا فموقفه في معركة قانون النقابات الفنية الشهير أظهر بوضوح دوره المتواطئ لصالح النظام. وفي “المهاجر” يقرر أن يرتدي زي النبي يوسف، ليقف معلنًا أنه هو المدافع عن السلام بين الشعوب والحوار بين الحضارات. وبالطبع لم يكن صدفة أن يأتي هذا الإعلان في مواكبة سلام “شجعان” مدريد وأوسلو.

وأخيرًا في “المصير” قرر أن يرتدي عباءة ابن رشد، ليعلن أمام الجميع أنه المدافع الأصيل عن حرية الفكر والاعتقاد. وهو حريص طوال الفيلم على أن يؤكد لنا أن الذي نراه على الشاشة ليس ابن رشد وإنما هو “أنا” يوسف شاهين. ملامحه على وجوه ممثليه وطريقة حديثه على نبرات أصواتهم، وجميع الأحداث والتفاصيل تخصه هو شخصيًا – أو كما يحاول أن يدعي – ولمزيد من التأكيد يقرر أن يستخدم اللغة العامية في الحوار، ويضع على ألسنة أبطاله عبارات صريحة لا يمكن أن تلقى في زمن ابن رشد، حتى لا يعود هناك أدنى شك عند أحد.

والقضية التي يطرحها الفيلم شديدة التفاهة والصفاقة في آن واحد. فيوسف شاهين الذي أصبح بوضوح بوقًا للبرجوازية المصرية وداعية لها، يحاول أن يقدم مبررًا سياسيًا لاستبداد دولة مبارك وقمعها للحركة الإسلامية الراديكالية وهو يحاول أن يخدع جمهوره بتقديم صورة زائفة ومقلوبة عن الواقع. ولأنه يعلم يف ما يقدمه، فكان لا بد له – حتى يمرره – أن يضع على أبطاله ملابس تاريخية وأن يحركهم داخل جو خيالي من صنعه، مستلهمًا بتعسف مقصود بعض الصور المقلوبة وغير الحقيقية عن الماضي.

نشاهد صراعًا دراميًا مسطحًا ومباشرًا بين قوى الخير وقوى الشر. فريق الأشرار على راسه الفقهاء – الذين عانوا في الحقيقة الآمرين في زمن ابن رشد بسبب اضطهادهم ومنعهم من التعبير عن أفكارهم. نراهم كجماعة من المتآمرين الذين يحاولون الوصول للسلطة بالتحالف مع الأعداء. يتبعهم ويلتف حولهم شباب متدينون، هم في الحقيقة أشرار مضللون يجب فرض الوصاية عليهم بشتى الطرق لمنعهم من الانحراف أما فريق الأخيار فعلى راسه قاضي القضاة يوسف شاهين بن رشد ومعه ذويه وأصدقائه وسماره العاشقين للحرية والفن والحياة. ومعهم رجال السلطة (أخو الخليفة وابنه الأكبر) البسطاء الأنقياء الطيبون، المحبون هم أيضًا للجماهير والحياة! وفريق الأخيار يضم الحاكم الخليفة نفسه – على الرغم من تأرجحه أحيانًا – فهو رجل مخلص ونزيه، يعيبه فقط أنه مغرور بعض الشيء ولا يستمع لنصائح قاضي القضاة بضرورة التخلص من الفقهاء لحماية الرعية والدولة. وعندما يتحول الفتية المضللون إلى قتلة سفاحين لا تصدر ضدهم إلا عقوبات مخففة!! فشرف قاضي القضاة وطيبة قلبه يمنعانه من فرض عقوبات أكثر قسوة. ومع ذلك يتم اغتيال هؤلاء الفتية أنفسهم في الخفاء بأيدي الفقهاء الذين قاموا بتضليلهم من قبل!!

وهكذا يتحول استبداد دولة مبارك وقمعها السافر غير المسبوق للحركة الإسلامية، لينقلب على راسه ويصبح مجرد إجراءات وقائية يجب الأخذ بها ضد من يستحق ما هو أقسى من ذلك. وعلينا – نحن مشاهدو الفيلم – أن نتقبل هذا المنطق الأعرج المزيف الذي يدس لنا السم في العسل. لنخرج بعد مشاهدتنا للفيلم راضيين تمامًا عن سحق الدولة المستبدة للجماهير الفقيرة المضطهدة، طالما أن ذلك يحدث من أجل التنوير وحرية الفكر!!

لكننا نخرج من الفيلم تملؤنا مشاعر الغضب والسخرية، من ناحية بسبب مضمونه المبتذل ودعايته الممجوجة وصفاقة أصحابه. ومن ناحية أخرى بسبب تهافت المشهد التاريخي وطابعه الكاريكاتوري. فلو أن يوسف شاهين كان قد استدعى جحا مثلا ليلقى على لسانه بما يريد، لأصبح الأمر مستساغًا بعض الشيء. على الرغم من أن عمامة جحا تغطي راسا يحمل من الحكمة ما هو أعمق بكثير من كل شعارات يوسف شاهين ومواعظه، إلا أننا كنا سنتقبل جحا وهو يقضي معظم أوقاته بين الراقصين الغجر وعلى موائد الطعام، يلقي بأفكاره عبر تندراته ما بين سُماره وندمائه. إما أن يقرر المرء أن يصنع فيلمًا عن ابن رشد، ثم لا يجهد نفسه بإظهار حقيقة صراعاته ومواقفه الرئيسية، فهذا لا يعدو أن يكون نوعًا من الابتذال جدير بمن يروجون لمثل بضاعة يوسف شاهين.

المهم أننا بعد مشاهدة “المصير” نجد أنفسنا أمام معضلة حقيقية بصدد يوسف شاهين وتطور خطابه السياسي:

كيف تحول يوسف شاهين الفنان “التقدمي” صاحب الإبداعات البارزة إلى بوق للبرجوازية المصرية؟

من الخطأ الشديد في رأيي أن نقصر تحليل وفهم القيم الجمالية في الإبداعات الفنية المختلفة، على ترجمتها إلى مواقف أيديولوجية. لكن الصحيح أن نحل ونفهم القيم الإبداعية في سياق كونها تعبير عن أيديولوجية طبقة بعينها. المهم في الواقع أننا لسنا بصدد تقديم عرض نقدي للمصير، لكن لأن الدعوة السياسية في المصير بارزة بشدة وبقصد واضح من أصحابه فإننا في حاجة إلى فهم دلالتها الاجتماعية ورصد هذه الدلالة في سجل يوسف شاهين الإبداعي.

الحقيقة أن يوسف شاهين كان دائمًا صاحب مغامرات سينمائية متميزة. بالطبع لا تصل في تميزها إلى الدرجة الإبداعية لملهمية الرئيسين في السينما الإيطالية والفرنسية. لكنها كانت تحمل تميزًا إبداعيًا بدرجة ملحوظة بالمقارنة بما هو سائد في صناعة السينما في مصر. بالإضافة إلى أن هذه المغامرات كانت تحمل على امتداد فترة طويلة من حياة يوسف شاهين الفنية مواقفًا سياسية واضحة في رؤاها الوطنية وانحيازاتها الطبقية لصالح جماهير الفقراء. لذا كان يوسف شاهين دائمًا مصنفًا ضمن فريق المثقفين “التقدميين”. لكن يوسف شاهين “التقدمي” هو في الواقع أحد مثقفي الطبقة الوسطى – الجناح اليساري منهم على الأخص – وعاش شبابه – في الخمسينات والستينات – في فترة صعود هذه الطبقة وازدهارها وانتعاش أحلامها بالرقي والتقدم الدائم.

لقد نجحت رأسمالية الدولة الناصرية – خلال فترة ازدهارها الأولى – في دمج الطبقة الوسطى المصرية بدرجة واسعة داخل مشروعها السياسي. هذه الطبقة التي تمزعت كثيرًا تحت تأثيرات سياسية مختلفة ومتباينة خلال الحقب السابقة. نجحت الدولة الناصرية في ذلك بسبب عصفها الشديد بكل التيارات السياسية المؤثرة داخل الطبقة الوسطى، وأيضًا وبالأساس بسبب الأمال التي أنعشتها نتيجة للتطورات الاقتصادية والاجتماعية الحادثة. التوسع في التعليم المدرسي والجامعي والتوسع في التوظيف وخلق شبكة واسعة من الكوادر البيروقراطية والتكنوقراطية، ذلك جميعه خلق شعورًا عامًا أن الطريق مفتوح أمام ابن الفلاح المتوسط أو الموظف الفقير ليصبح وزيرًا ورئيسًا لشركة. وهكذا شاع الوهم أن أبناء الطبقة الوسطى يمكنهم أن يصبحوا شركاء في الحكم.

صاحب ذلك هيمنة الرؤية الستالينية على مثقفي اليسار في ذلك الوقت، التي جعلتهم يرون الدولة الناصرية كدولة اشتراكية. لكن يعيبها فساد الإدارة، الذي يظهر في سيطرة عناصر انتهازية وفي تردد واهتزاز العناصر الأكثر إخلاصًا تحت تأثير مصالحها الفردية. ويوسف شاهين كان أحد هؤلاء اليساريين المتأثرين بتلك الرؤية، والمدافعين عن مشروع الدولة الناصرية في التحرر الوطني والتنمية المستقلة من وجهة نظر الطبقة الوسطى الصاعدة. لذا سنجد في “صلاح الدين” و”جميلة بوحريد” رؤية وطنية شديدة الرومانسية وتمجيدًا حماسيًا للمشروع الوطني المعادي للاستعمار. وسنجد “فجر يوم جديد” ينتهي بالشاب الواعد ابن الطبقة الوسطى وهو يشد السيدة التي تنتمي إلى الطبقات الرجعية القديمة صاعدًا بها برج القاهرة إلى عالم آخر تتخلص فيه من ثقافتها المبتذلة.

لكن مع نهاية الستينات تتفاقم أزمة الدولة الناصرية ومشروعها وتتراجع معها أحلام الطبقة الوسطى. وفي سياق نقد الطبقة الحاكمة الجديدة في الدولة الناصرية وفسادها وطابعها الاستبدادي، تظهر ثنائية شاعت كثيرًا في إبداعات المهزوز غير القادر على الحسم الذي يتخلى غالبًا عن المعركة، وابن الشعب الفقير الأكثر صلابة الذي يدفع البًا ثمن تردد الأول. هذه الثنائية بتمييعها الملامح الطبقية لشخوصها والمعركة التي هم بصددها، كانت الحل السحري أمام هؤلاء المبدعين اليساريين لأنه راس الحربة في المواجهة، ويمكن لابن الشعب الفقير بتضحياته أن يحسم تردد هذا المثقف بما قد يدفع الأمور في اتجاهها الصحيح!!

سنجد هذه الثنائية تظهر عند يوسف شاهين في ذلك الوقت. حيث يتجسد المثقف الفرد في الشيخ الأزهري في “الأرض” والأخ الكاتب المسرحي في “الاختيار” والصحفي المشاغب في “العصفور”. بينما يتجسد ابن الشعب الفقير في فلاح “الأرض” والأخ الصعلوك في “الاختيار” والخياطة والشيخ المناضل في “العصفور”. وانطلاقًا من رؤية مثالية – جديرة بابن الطبقة الوسطى – يظهر أبناء الشعب الفقراء هؤلاء أنقياء وأصحاب معادن أصيلة يمتلكون الصلابة الكافية لمواجهة الشدائد. وسنلحظ على وجه خاص في الاختيار والعصفور أن أبناء الشعب هؤلاء غير محددي الملامح الطبقية. أزمتهم مع الدولة الناصرية هي أزمة مع الفساد والاستبداد في الجوهر وليس مع أي شيء آخر. وهي ذاتها أزمة المثقف الفرد الذي يتواطأ أحيانًا وينهزم كثيرًا بسبب تردده وبسبب ضعفه أمام مصالح الشخصية. لكنه يظل جزءًا من أفراد الشعب وصاحب مصلحة أصيلة في المواجهة. والحقيقة أن المثقف الفرد لم يكن إلا مثقف الطبقة الوسطى الذي ينتقد نفسه على اهتزاز مواقفه لكن من منظوره هو الخاص. حيث الوطن وطن الجميع، وحيث المخرج من الأزمة هو تكاتف الجميع ضد الفساد وتطهير الطبقة الحاكمة.

بعد ذلك في “عودة الابن الضال” ثم في “اسكندرية ليه” يقدم يوسف شاهين رؤية تأملية بليغة لمجمل القضايا الاجتماعية المعاصرة، لكن يظل منظوره الطبقي مهيمنًا تمامًا. فالصراع كله يدور داخل عائلة واحدة أو بين أبناء الوطن الواحد. الجميع في ذات القارب ولا مفر من نبذ التناقضات الصغيرة، بهدف الوحدة والوصول إلى شاطئ الأمان. وإلا فالمصير المحتوم هو غرق الجميع وهو التفكك وفقدان الطريق. وعندما قدم لاحقًا “حدوتة مصرية” كان يقول لنا بوضوح: أنه أنا المثقف المتردد المهزوز، الذي استطاع – برغم كل شيء – أن يحافظ على بصيرته ورؤيته الثاقبة بسبب تماسك والتفاف أبناء الشعب الفقراء حوله طوال الوقت.

لكن الحال في الثمانينات والتسعينات لم يعد هو نفس الحال في الخمسينات والستينات. فمشروع التحرر والتنمية لم يعد له أي وجود موضوعي بعد هزيمته المحلية وانهياره العالمي. والطبقة الوسطى تعتصرها شروط الحياة القاسية وتدفعها إلى القاع. والامبريالية تدمج الآن تحت وصايتها رأسماليات الدول المفككة والحركات الوطنية القديمة. ولم يعد أمام مثقفي الطبقة الوسطى، الستالينيون القدامى سوى التقاعد. اللهم إلا من يقرر منهم – مثل يوسف شاهين – أن يتبنى مشروعًا آخر، ويسعى انطلاقًا من أيديولوجيا مغايرة إلى الكشف عن الجوانب “الإيجابية” في “رحلة” بونابرت إلى مصر، أو الترويج لمشاعر “الحب الخالص” التي كان يكنها النبي يوسف وأخوته لعامة المصريين!!

أما أبناء الشعب الفقراء – وبينما هم يزدادون فقرًا – لا يملكون إلا الاستمرار في حلم التحرر والتنمية. وها هي راية جديدة ترتفع محل الراية القديمة التي سقطت، لتحشد ورائها الفلاح والخياطة والشيخ المناضل والصعلوك. لكن هذه المرة تحت شعارات ورؤى معادية على طول الخط ليوسف شاهين. معادية لثقافته وأحلامه وأهوائه، والأهم لتراث حركته القديمة ولمشروعه الجديد أيضًا. وهو لا يعي الآن كما لم يع من قبل، أن الوطن لم يكن أبدًا ولا يمكن أن يكون وطنًا واحدًا. وأن أبناء الشعب الفقراء ليسوا مجرد أبناء شعب فقراء، إنما هم أبناء طبقات مستغلة ومضطهدة في مواجهة طبقة تحكم وتستغل تضطهد. وهكذا يتخلى عن أصدقائه القدامى – كما تخلى عنهم جميع التقدميين من أقرانه – بسبب رعبه الشديد منهم، الذي يتحول إلى عداء واضح. وتحت تأثير نفس النزعة المثالية لمثقف الطبقة الوسطى، يتحول النقاء الخالص إلى جهل وشر مطلق. تتحول الخياطة إلى امرأة بلهاء تزغرد عندما يحكم قاضي القضاة طيب القلب على ابنها بالسجن. ويتحول الشيخ المناضل إلى فقيه متآمر يساوم الأعداء ويمارس الشعوذة على أتباعه. ويتحول الصعلوك إلى شاب شرير يقوم بذبح كل من يقاوم شروره. ويصبح لا مفر أمام جميع المخلصين للقضاء على هذا الفساد والشر، إلا التحالف مع رجال الحكم الطيبين وإتباع إرشادات ومواعظ فارس التنوير وحرية الفكر يوسف شاهين بن رشد!!

لكن لماذا احتاج يوسف شاهين إلى ارتداء عباءة ابن رشد ليعلن عن مواقفه الجديدة؟

في عام 1902 نشرت مجلة “الجامعة” التي أسسها فرح أنطون في الإسكندرية وكانت من أهم إصدارات دعاة النهضة والتحديث، عرضًا وتلخيصًا لكتاب إرنست رينان عن ابن رشد والرشدية. وقتها دار سجال محتدم بين فرح أنطون ومحمد عبده حول ابن رشد. فحمد عبده كان يدافع عن الإصلاح لكن من وجهة نظر محافظة تربط هذا الإصلاح بجذور يراها داخل التراث الإسلامي. والحقيقة أن هذا السجال كان يعكس بوضوح الصراع السياسي المحتدم وقتها حول الموقف من الاستعمار وقضايا الأقليات وغيرها. تكرر كثيرًا بعد ذلك استدعاء ابن رشد إلى ساحة الصراع السياسي في مصر لدعم مواقف سياسية بعينها. خاصة من قبل التنويريين المطالبين بالإصلاحات الديمقراطية البرجوازية، والمادين – غالبًا – للحركات الوطنية الراديكالية.

أسباب ذلك تتعلق بتراث ابن رشد نفسه فهو – على غير إرادته في الحقيقة – اعتبر دائمًا أحد رواد التنوير الأوائل. بعد أن ساهمت شُروحاته المطولة للتراث العقلاني اليوناني القديم، التي انتشرت في الأوساط الأكاديمية في فرنسا وإيطاليا في القرن الخامس عشر، في التبشير بعصر التنوير الآتي وبصعود البرجوازية التي كانت ما تزال جنينًا في رحم مجتمعاتها. لكن واقع امر أن ابن رشد لم يكن تنويريًا بأي معنى من المعاني، بل لم يكن من المحتمل أن يكون كذلك. فالتنوير بمفهومه الإيجابي القديم – هو ابن البرجوازية وقت أن كانت ثورية وصاعدة، تقاتل الاستبداد الإقطاعي وسلطة الكهنوت تحت راية العقل والحرية. صحيح أن تنويريين مبتذلين لاحقين – من أمثال يوسف شاهين – تصوروا وجود فكر تنويري في التراث القديم، لكن ذلك ليس إلا محض وهم. فأقصى ما عرفته العصور القديمة هو العقلانية وهي فكرة تختلف في جوهر مضمونها عن مفهوم التنوير المتعارف عليه في القرن الثامن عشر.

ابن رشد كان عقلانيًا أصيلاً، لكنه أيضًا كان نخبويًا متشددًا ومن ألد عداء حرية الفكر بالمعنى الحديث للكلمة. دافع باستماتة طوال حياته عن إرساء دعائم مشروع استبدادي يقوم بالأساس على إنهاء التعددية في الثقافة الإسلامية القديمة. فهو، الذي كان مقربًا للخليفة الموحدي ابن عبد المؤمن ومن بعده ولده المنصور، كان المنظر الرئيسي لمشروع الدولة الموحدية في الأندلس. هذا المشروع كان يستهدف القضاء على الانقسام بين المذاهب والفرق الإسلامية، التي انتعشت في ذلك الوقت هناك على أيدي الفقهاء المتبعين لعلماء الكلام الأوائل. وكان يقوم على شعار إعلاء ظاهر الشرع على علوم الباطن، في مواجهة انتشار قضايا المتكلمين (حدوث العالم، وخلق القرآن، والفارق بين الذات والصفات الإلهية) بين العامة في الأندلس. والخليفة المنصور، الذي رفع ابن رشد لمنصب قاضي القضاة، كان موغلا في استبداده. حيث أنهى في عصره الاشتغال بعلوم الباطن وأحرق كتب المذاهب وحمل الفقهاء بحد السيف على التحدث بظاهر الشرع.

وابن رشد – الداعية الرئيسي للمشروع الموحدي – ناضل بشدة ضد نشر أي تأويلات للنصوص أو أي دعوة للبحث وراء مغزاها. كان يرى أن الناس ينقسمون إلى فئتين حسب قدراتهم العقلية: الكثرة وهم العامة (أهل الشريعة) يحصلون على سعادتهم عن طريق إتباع الضوابط الواضحة من ظاهرة النصوص، ولا يملكون القدرة على فهم ما وراء ذلك. والقلة وهم الخاصة من البرهانيين “الفلاسفة” (أهل الحكمة) يملكون القدرة على الوصول إلى حقيقة الأشياء (باطنها أو جوهرها) ويحصلون بذلك على سعادتهم، وهذه القدرة لا يمكن أن تتعداهم إلى غيرهم. وتظهر أحيانًا فئة ثالثة فاسدة هم الجدليون (من أمثال علماء الكلام المعتزة والأشاعرة)، وهم أناس لا يملكون القدرة على الوصول إلى البرهان لكنهم لا يرضون عن وضعهم كعامة ويتطاولون على هذا البرهان فلا يحصلون على شيء. والأسوأ أنهم ينشرون أفكارهم بين العامة فيحدثون البلبلة والتشرذم والفرقة. لهذا طالب في مواقع عديدة بمنع العامة من قراءة الكتب التي تبحث في التأويلات وعلوم الباطن، وجعل قراءتها والبحث فيها والكتابة عنها قاصرًا على الخاصة. واعتبر أن نشر هذه الكتب بين العامة هو خطر لا يساويه خطر آخر.

بالطبع نحن لسنا بصدد الحديث عن ابن رشد وعصره، حيث البنية الطبقية وساحة الصراعات السياسية والاجتماعية، تخلق أيديولوجيا ومجالاً للفكر، مختلف جذريًا عما يمكن أن تنتجه الساحة الثقافية في مصر المعاصرة. وليس في مقدورنا أن نفهم أفكار ابن رشد بصورة حقيقية بعيدًا عن سياقها التاريخي والاجتماعي. المهم في الأمر أن نخبوية ابن رشد وليست عقلانيته في الحقيقة هي ما دفعت يوسف شاهين إلى استدعائه. حتى يتمكن من إعلان احتقاره للجماهير وعدائه لها وهو يرتدي عباءة صاحب العقل والتنوير.

يوسف شاهين التنويري يحتقر الجماهير اليوم بعد أن تخلى عن مشروعه الوطني الراديكالي القديم. والحقيقة لم تكن أزمة الدولة الناصرية هي ما دفعه إلى هذا التخلي. على العكس فالتجذير السياسي في وعيه ارتبط بحدوث هذه الأزمة وبالتحديد بسبب الصعود في الصراع الطبقي الذي نشأ عنها في الفترة ما بين 1968 و1977. فشاهين هو أحد هؤلاء المثقفين اليساريين الذين تجذر وعيهم في مصاحبة الموجة اليسارية النشطة خلال تلك الفترة. وهو في الواقع بدأ التخلي عن مشروعه القديم مع تراجع الصراع الطبقي بعد 1977 وانحسار الموجة اليسارية. حيث أصبح هو وأغلب معاصريه من المثقفين الستالينيين في حالة شك تجاه أسس مشروعهم السياسي. وسنجده في “حدوتة مصرية” لا يكتفي بالاعتراف بكونه مثقف متردد وجد دائمًا من حوله أبناء الشعب الفقراء ليحسموا تردده تجاه مشروعه، لكنه يضيف أنه الآن في هذه اللحظة بالتحديد في مطلع الثمانينات، لكنه يضيف أنه الآن في هذه اللحظة بالتحديد في مطلع الثمانينات ورغمًا عن كل من حوله، إلا أنه أصبح على درجة كبيرة من الشك في صحة وجدوى مشروعه القديم.

وبينما يلقى الوطنيون الراديكاليون القدامى السلاح، وتدخل رأسماليات الدولة على مستوى العالم في أزمة تفككها. إذ بالحركة الإسلامية تصعد لتتصدر جبهة أعداء الامبريالية وتنجح بذلك في حشد الجماهير الفقيرة ورائها. لكنها لا تحشدهم فقط على عداء الامبريالية، لكن أيضًا وبشكل رئيسي على مواقفها العنصرية وأفكارها الرجعية. وعلى أرضية الشك والتساؤل يصاب شاهين بالفزع من الجماهير التي أصبحت الآن عنصرية ورجعية، ويندفع ليرتمي في أحضان البرجوازية رافعًا شعار التنوير ومتخليًا عن جميع شعاراته القديمة. وتنوير يوسف شاهين – مثله مثل رفعت السعيد ولطفي الخولي وأمثالهما – يعبر في أحد جوانبه عن احتقاره للجماهير، وفي جانب آخر عن مطالبته بإصلاحات ديمقراطية برجوازية كالتعددية وحرية الفكر وغيرها لكن بدون نضالات جماهيرية وبدون حركات سياسية نشطة. فالجماهير اليوم أصبحت العدو الرئيسي الواضح للمثقف ابن الطبقة الوسطى التنويري المبتذل.

وبرغم مشاهد الطبيعة الخلابة في “المصير”، وبرغم الديكورات التي أنفق عليها ملايين الدولارات القادمة من خزائن الامبريالية؛ وبرغم الوسيقى التي لا تمت بصلة للغجر أو لزمن ابن رشد، برغم ذلك كله فإننا نرفض عداء واحتقار يوسف شاهين للجماهير. نرفض تجرع هذا السم الذي يحاول أن يدسه لنا في العسل. ذلك لأننا منحازون لتلك الجماهير الفقيرة التي احتقرها ابن رشد وهو يدافع عن دولة مستبدة ترفض التعددية، وترغم الناس بحد السيف على الانصياع لأيديولوجيا السلطة. ولأننا أيضًا منحازون لهذه الجماهير الفقيرة التي يحتقرها يوسف شاهين وهو يدافع عن دولة مستبدة أخرى، تمارس أشد ألوان القمع ضد كل من يقاوم استغلالها وقهرها. أننا منحازون للجماهير الفقيرة، التي لا تنتمي للنخبة ولا لأهل البرهان أو لدعاة التنوير. لأنها هي، وهي وحدها القادرة عبر نضالها الجماعي على الانتقال بالمجتمع الإنساني – على حد تعبير ماركس – من ملكوت الضرورة إلى مملكة الحرية.