بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

مائة عام على ميلاد بريخت

كان الجندى يعرف أن لينين
ظل يقاتل طول عمره
ضد المستغلين.
وحين ساهم الجندى
في إقتحام قصر الشتاء
أراد أن يعود إلى بيته، فهناك
كانت أراضى كبار الملاك قد قسمت فعلًا
فقال له لينين: إنتظر قليلا!
فما زال هناك مستغلون.
وطلما بقي إستغلال
يجب القتال ضده
وطالما أنت حي
عليك أن تقاتل ضده.
الضعفاء لا يقاتلون. الأقوى منهم
ربما قاتلوا ساعة.
من هم أقوى، يقاتلون سنين عديدة. لكن
يقاتلون طول عمرهم. وهؤلاء
لا غنى عنهم.
(غنائية لذكرى وفاة لينين – 1936)

هكذا كان الكاتب والشاعر الألمانى برتولد بريخت يعبر عن إيمانه بالماركسية اللينينية من خلال أشعاره وكتاباته المسرحية. لقد ولد بريخت في مدينة أوجسبرج بألمانيا الشرقية عام 1898، وكتب ما يقرب من الـ45 مسرحية إلى جانب القصائد وعدد من القصص القصيرة والمقالات. ومن أهم مسرحياته التي تم تعريبها وعرضها على المسرح في العالم العربي: حياة جاليليو، الأم شجاعة، دائرة الطباشير القوقازية، الأم، وإدوارد الثاني.

إن حياة بريخت فى الحقيقة مليئة بالأحداث الغنية التي تدفعنا لأن ندقق عن قرب فى التغييرات الهامة التى أضافها هذا الفنان للمسرح، والتي مع الوقت أحدثت ثورة حقيقية في مفهوم الجماير عن العلاقة بين الفن والسياسة وعن وظيفة المسرح السياسي وما يقدمه من مضامين تدفع إلى الحركة والتغيير. إن بريخت في سعية لتسييس المسرح قد أحدث ثورة به، وهذا يعتبر من التحديات التي واجهت حينذاك وما زالت، المفهوم التقليدى لما يجب أن يقدمه المسرح والفن والسياسة مرتبطان بشكل وثيق، وأن الحمهور يمكن أن يتأمل واقعه السياسي ويتفاعل معه ويشعر بالدافع لتغييره من خلال الإبداع الفنى بشتى صوره.

إن المسرحيات الأولى لبريخت مثل بال (1918)، وطبول الليل (1918)، وفي غابة المدن (1923)، والإنسان هو الإنسان (1925)، وغيرهم تعكس الإتجاه العبثي عند بريخت في ذلك الوقت المبكر من حياته، فهو قد عاصر الحرب العالمية الأولى بكل أهوالها وشهد التغيرات الإجتماعية والإقتصادية التي تحدث في بلده وفي العالم، كما شهد بداية صعود النازية.

كل هذا جعله يؤمن بأن الحياة هي نوع من العبث وأنه لا يوجد أي نوع من النظام في هذا العالم المفكك. ولذلك، فهو قد عُرف بنقده اللاذع لكل مظاهر الحياة البرجوازية السطحية وصعود طبقة “الأغنياء الجدد” في بلاده، والنفاق والانحطاط الذي يعيشون فيه.

كما هاجم بريخت بقسوة إنعكاسات عصر الاَلة على الإنسان مثله في ذلك الكتاب الحداثيين في ذلك الوقت. وفي مسرحيته “الإنسان هو الإنسان” يكشف بريخت عن العوامل والضغوط التي تجعل الإنسان يتصرف كالاَلة بطريقة خارجة عن سيطرته، ولكن على الرغم من ذلك، فربما تكون هناك فرصة للتغيير.

ومع نهايات العشرينات، زاد إنتقاد بريخت لمساوئ المجتمع الرأسمالي. ففى مسرحيته صعود وسقوط مدينة ماهوجني (1929)، يتعرض البطل بول إيكرمان للإعدام لأنه لم يستطع تسديد ديونه. ولكن بريخت لم يكن يريد أن يشفق الجمهور على البطل ، بل أراد شيئًا اَخر، ولذلك فقد كتب بخط عريض على لوحة علقها خلف خشبة المسرح: “إن الكثيرين منكم ربما يشهدون إعدام بول إيكرامان باشمئزاز. ولكنكم أيضًا فى رأينا غير مستعدون لأن تدفعوا له ديونه، حيث أن المال أصبح شيئًا غليًا جدًا فى عصرنا هذا.” لقد أراد بريخت بذلك أن يصدم الجمهور ويواجهه بحقيقة الواقع المخيف ليدفعه للتفكير في كل هذه الأمور وليس فقط ليثير لديه مشاعر الأشمئزاز والتعاطف والشفقة. إن الكتاب قد عبر في هذه المسرحية وأيضًا فى مسرحية أوبرا الثلاث قروش (1928) عن أمراض المجتمع الرأسمالي حيث صوره على أنه مدينة كبيرة للدعارة بها كل شئ معروضًا للبيع، مما جعل الجريمة الأساسية في هذه المدينة هي قلة المال!

فبالنسبة لبريخت، كانت ألمانيا في أعقاب الحرب العالمية الأولى تبدو قبيحة للغاية، وذلك مع تغلغل أمراض المجتمع التجاري البراجوازي بها. فصورة الرجل الضخم الرأس والرقبة صاحب المال الذي يلبس بذلة صارخة الألوان وقبعة مثل الطاسة وينفث دخان السيجار من فمه وهو جالس في الملاهي الليلية الرديئة مستمعًا إلى المسيقى الفجة ومحلقًا فى العرض البذئ أمامه، كانت صورة واقعية تمامًا وموجودة في المجتمع. وهذه الصورة البشعة – حسب تعبير بريخت – قد تركت فزعًا شديدًا في نفسه وعقله مما جعله يتنازل في الكثير من قصائده ومسرحياته موضوع التجارة والبيزنس فى المجتمع الرأسمالي كأساس لكل أعمال النصب والخداع والعنف ولقد تطورت هذه القكرة مع بريخت لتأخذ أشكالًا أعمق من خلال مسرحياته اللاحقة: الأم شجاعة (1939)، حياة جليليو (1939)، روح الفتاه الطيبة سيتزوان (1940)، ودائرة الطباشير القوقازية (1945).

ومع التحول شيئًا فشيئًا لبريخت المعتقد فى عدمية كل شئ وعدم وجود نظام يمكن أن يحكم هذا العالم الردئ إلى الإيمان بالماركسية اللينينية كنظام يضع تفسيرًا لكل هذه الأزمات والتناقضات ويحول الإتجاهات السلبية تجاة المجتمع إلى منظومة إيجابية للتغيير الجذرى والتحرر، أهتم بريخت بشكل خاص بالإتجاه العلمي لدى الماركسية. ولقد وجد في ذلك ملاذه وأصبح يرى بوضوح قيمة التنظيم والإلتزام في العمل لتحقيق الإنجازات. وتحول كابوس العبثية والعدمية لديه إلى إيمان فعلي بالعمل الجماعي المنظم. ففي نظره، لم تعد معاناة البشر هي نتاج لعوامل غير إرادية وخارجة عن سيطرتهم أو أنها شئ مصيرى لا يمكنهم تغييره، بل أصبح التاريخ فى فكره يعنى النضال الجماعي المستمر والنقد وحرية التفكير هي أساس هذا المنهج العلمي الماركسي.

ذكر أحد تلاميذ بريخت فيما بعد بأنه خلال بروفات مسرحية جاليليو كان الكاتب يتوقف عند جملة معينة يقولها جاليليو بإستمرار وهي: “إن مهمتي ليست إثبات أنني كنت مصحًا حتى الاَن، ولكن إكتشاف ما إذا كنت مصحًا أم لا.” لقد كانت هذه الجملة بالنسبة لبريخت هي أهم جملة فى المسرحية كلها.

كتب بريخت عن الشيوعية قائلاً:

الشيوعية
ليست هي الجنون، ولكنها
نهاية الجنون.
إنها ليست الفوضى
بل النظام.
إنها الشئ البسيط
الصعب التحقيق.

وفي عام 1930، إنضم بريخت إلى الحزب الشيوعي الألماني في الفترة التي بدأ يقتنع فيها تمامًا بالماركسية اللينينية كوسيلة لتغيير المجتمع والعالم كله. تبع ذلك بداية تأسيس بريخت لما أطلق عليه “المسرح الملحمي” وهو إتجاه يحطم تمامًا المفاهيم الرجعية والقديمة عن المسرح. ففي المسرح الملحمي يتعامل الكاتب بحرية في رسمه للشخصيات وربطها بالواقع المادي الملموس، وأيضًا جعل الجمهور ينقد ما يشاهده بشكل إيجابي. فالمتفرج لا يصبح فقط متلقي سلبي لما يُعرض له على خشبة المسرح، لكنه يشارك بفكره وبنقده في الأحداث التي تمثلها الشخصيات. إن يتخلص من النظام القائم. ومن هنا كان لهذا الفنان الفضل الكبير في الإنتقال نقله نوعية نحو تسبيس المسرح وربط الفن بالواقع اليومي المعاش للجماهير.

لقد تبلور هذا الإتجاه أكثر عند بريخت مع إقترابه من الماركسية وتمسكه بالمنهج الماركسي العلمي الذي ينظر إلى التغيير من زاوية الصراع الطبقي قى ظل النظام الزأسمالي القائم. إن بريخت كان يعمل جاهدًا من أجل بناء مسرح يعبر عن الصراع داخل العلاقات الاجتماعية / الإقتصادية بين البشر، مناهضًا بذلك فكرة تقديم “الطبيعة الإنسانية المجردة” من خلال المسرح أو الفن عمومًا لقد أراد بريخت أن يدفع المتفرج ليتسائل في داخله:

إننى لم أفكر بهذه الطريقة من قبل أبدًا.. إن هذه الطريقة السائدة ليست هي الشئ الأمثل للعمل.. إن هذا الحدث مدهش جدًا ولا يمكن السكوت عليه.. يجب أن يتوقف.. إن معاناة هذا الإنسان الذي أمامي تحرك مشاعري لأنه يجب أن تكون هناك طريقة ما لخلاصه.

لقد كتب بريخت قصيدة عنوانها “مسرح العواطف” يقول فيها:

بيني وبينكم، يبدو لي عملاً تعسًا
تقديم المسرحيات
لمجرد إثارة المشاعر الكافية. إنكم تذكرونني بالمدلكين
الذين يغرسون أصابعهم في جنوب مترهلة،
كما في عجين، ليدكوا كروش الكسالى.
مواقفكم جُمعت على عجل
لتدفع الزبائن إلى السخط
أو الألم هكذا يصبح الجمهور
نظارة. والمتخمون يجلسون
جنيبًا إلى جنب مع الجائعين.
العواطف التي تصطنعونها عكرة وملوثة
عمومية وهلامية، لا تقل زيفًا
عن الأفكار. ضربات كئيبة على الظهر.
تدفع خَبَث الروح للطفو على السطح.
بعيون زجاجية
وجبين مبلل بالعرق وأفخاذ منقبضة
يتتبع الجمهور المسمم
عروضكم.
فلا عجب أنهم يشيرون تذاكرهم
أزواجًا. لا عجب أنهم
يحبون الجلوس في الظلام الذي يخفيهم.

ثم كتب شارحًا وجهة نظرة التي يود أن يقدقها للمسرح في قصيدة “في الحكم”:

أيها الفنانون الذين، من أجل البهجة أو الألم
تضعون أنفسكم أمام حكم الجمهور
ليكن دافعكم الآن
أن تضعوا كذلك أمام حكم الجمهور
العالم الذى تعرضونه.
يجب أن تعرضوا ما هو موجود، لكن يجب أيضًا
وأنتم تعرضون ما هو موجود، أن تشيروا إلى ما هو ممكن وليس موجودا

وفي قصيدة “حول الموقف النقدى” كتب قائلًا:

الموقف النقدي
يصدم العديدين بإعتباره غير مثمر.
ذلك لانهم يجدون الدولة
منيعة أمام نقدهم.
لكن ما هو في هذه الحالة موقف غير مثمر
هو مجرد موقف واهن. امنح النقد أسلحة
يمكنه أن يقوض دولا.

ومن هنا هذا الاتجاه نحو تأسيس المسرح النقدي الملحمي، صاغ بر يخت مفهومًا اَخر وهو “الاغتراب” لقد أراد بريخت أن يجعل المتفرج يتأمل الممثلين – الذين في الحقيقة يؤدون أدوار أكثر من تمثيلهم لها أو معايشتها – في ظل إنعكاسات للضوء تجعل هذا المتفرج / المتأمل يشعر أنه جزء من الحدث الذي أمامه. وبالتالي، هذا يجعله يشعر بأنه يريد أن يفعل شيئًا إزاء ما يراه ويكون وجهة نظر خاصة عن الواقع الذي يعيشه.

وهكذا، انضم بريخت للحزب الشيوعي الألماني من أجل أن يوظف فنه وطاقته لخدمة الطبقة العاملة ولكي يفضح تناقضات المجتمع الرأسمالي المستغل. ولكن كانت معاناته شديدة داخل هذا الحزب الذي كان لصيق الصلة بستالين ومن ثم كانت سياساته موجهة لخدمة النظام القمعي في روسيا. حارب بريخت داخل الحزب النفاق والبيروقراطية والقمع مما أدى إلى إنقلاب الحزب ضده في فترات مختلفة، ومنعه من عرض مسرحياته المعيار (1930) والتي كانت تتعرض بالتساؤل لجرائم ستالين ضد أعضاء الحزب. وهذه الجرائم لم تكن معلنة بعد، ولكن أستشف بريخت الكثير منها من خلال عمله بالحزب. وبعد موت ستالين والإعلان عن جرائمه، وظهرت أهمية هذه المسرحية كونها المسرحية الوحيدة التي تناولت أزمة الأخلاق والنتهازية السياسة داخل النظام الستاليني.

ظل بريخت يتحدى ممارسات الحزب الشيوعي الألماني بتظيمه مجموعات مسرحية من العمال الذين يمثلون كهواة ويلفون أنحاء مختلفة في المدينة. وكانت هذه المجموعات تتعرض للقمع من البوليس. وأخيرًا قرر بريخت أن يترك ألمانيا في 1933 لينتقل ويعيش في مدن متعددة مثل فيينا، سويسرا، فرنسا، الدانمارك والتي مكث بها لمدة ست سنوات، ثم أنتقل إلى السويد ثم فنلندا. وأخيرًا أختار الولايات المتحدة كمنفى له حيث عاش فيها لمدة سبع سنوات، ليعود إلى المانيا الشرقية عام 1948. وهكذا يكون بريخت قد أمضى فى المنفى خمسة عشر سنة. لقد كتب بريخت خلال هذه السنوات أكثر مسرحياته عمقًا وتطورًا على الرغم من أن الكثير منها رفض تقديمه في المسارح بعض تلك الدول، وخاصة فى الولايات المتحدة حيث عُرض عليه هناك التنازل عن كتاباته الثورية والعمل في أي شئ اَخر.

إن مسرحيته “حياة جاليليو” التي كتبها عام 1939 تعكس بوضوح الأزمة التي كان يعيشها بريخت. فالعالم الكبير جاليليو كان عليه أن يختار بين حياة العمل الشاق والعيش على حج الكفاف كمعلم في مدينة فينيسيا، وبالتالي عدم قدرته على مواصلة أبحاثه العلمية التي تتطلب الكثير من الوقت والجهد والمال، أو أن يعيش حياة الرفاهية المادية مقابل خدمة حاكم مدينة فلورنسا. لقد كان النظام الديني في فلورنسا. لقد كان النظام الديني في فلورنسا والمتمثل في البابا مسيطرًا على مقاليد الأمور، وبالتالي فإن أعماله وأبحاثه التي أحدثت ثورة حقيقية في نظم الفيزياء والفلك ستكون معرضة لخطر المنع والمصادرة وأنه هو حدث مع ممن سيقه من العلماء والمفكرين. ويختار جاليليو في النهاية أن يذهب إلى فلورنسا، ولكنه يؤلف سرًا كتابه الذي يحتوي على أبحاثه الهامة ويحفظه إلى أن يستطيع أحد بلاميذ تهريب الكتاب ونشره.

إن بريخت أيضًا اضطر أن يعيش فى الدانمارك لفترة وأن يعمل كثيرًا لمجرد العيش ولم تكن لديه أية فرص لنشر مسرحيات، بدلًا من أن تعيش في ظل النظام الستاليني في روسيا كما فعل الكثير من أقرايه ثم ندموا على ذلك ندمًا شديدًا. ثم تعرض بريخت لهذا المأزق مرة أخرى عندما عرض عليه الحزب في المانيا الرجوع (وذلك بالطبع حتي يستفيدوا منه ومن شهرته) مقابل أن تكون لديه شركته الخاصة به في برلين الشرقية. وفكر بريخت مليا في أمر الرجوع والعمل في ظل النظام الشمولي القمعي في المانيا الشرقية، ويبدو أنه كان قد تعب كثيرًا من العيش في المنفي، فقرر الزجوع ليدير شركته الجديدة.

وفي تلك السنوات الثماني الأخيرة من حياته (1948 – 1956) اضطر بريخت في كثير من الأحيان أن يقدم بعض التنازلات للحزب حتى يستطيع تقديم أعماله. ولكن الحزب ظل يطارده: فعندما عرض مسرحيته عن كوميونة باريس عام 1949، منعتها الحكومة وهاجمتها هجومًا عنيفًا. وبعد مظاهرات العمال الحاشدة في 17 يونيو 1953 والتي قمعت من قبل البوليس ومات فيها عمال كثيرون، قرر بريخت أن يفصل نفسه عن الحزب تمامًا واكتفى بإعادة عرض مسرحياته القديمة، وكتابة الشعر:

بعد انتفاضة 17 يونيو
وزع سكرتير اتحاد الكتاب
منشورات في شارع ستالين
تقول إن الشعب
قد خسر ثقة الحكومة
ولا يمكنه استعادتها
سوى بجهود مضاعفة. ألا يكون من الأسهل
على الحكومة في هذه الحالة
أن تحل الشعب وتنتخب غيره؟

وفي قصيدة من قصائده الأخيرة، كتب مرثية إلى ستالين عنوانها “قاتل الشعب المُكرم”، حيث أدان فيها جرائم ستالين وبأنه قد تحول عن مسار وقيم البيان الشيوعي تمامًا مثلما أدار ظهره للينين ومبادئه.

والمسرح لم يعد كما كان منذ وفاة بريخت (1956). فلقد ألهمت أفكاره الكثير من الفنانين الماركسيين الراديكاليين في جميع أنحاء العالم مثلما عرضت مسرحياته بجميع اللغات. فالتحدي الذي شيده بريخت (المثير للشغب دائمًا) من الصعب تجاهله لأنه يواجه بشكل حقيقي أولئك الذين يدّعون أن الفن والسياسة لا يمكن جمعهما ببعضهما البعض.

وفي ذكرى مائة عام على ميلاد بريخت، نتذكر قصيدته “دفن مثير الشغب في تابوت زنك”:

هنا في هذا الصندوق الزنك
يرقد شخص ميت
أو ساقاه ورأسه
أو حتى أقل من ذلك منه
أو لا شيء، لأنه كان
مثير شغب.
وجدنا فيه جذر كل الشرور.
فادفنوه. سيكون من الأفضل
أن تصحبه زوجته وحدها إلى القبر
فأي شخص آخر يذهب
سيكون شخصًا مشبوهًا.
ما في ذلك الصندوق الزنك
كان يحرضكم على كل شيء:
على نيل ما يكفي من الطعام
وإيجاد موضع جاف للسكنى
وإطعام أطفالكم
والإصرار على أجركم المضبوط
والتضامن مع
كل المضطهدين أمثالكم.
وعلى التفكير.
ما في ذلك الصندوق الزنك قال
إن هناك احتياجًا إلى نظام آخر للإنتاج
وإنكم، الملايين من جماهير العمل
لا بد أن تستولوا على السلطة
وحتى ذلك الحين لن تتحسن أحوالكم.
ولأن ما في صندوق الزنك قال ذلك
وضع في صندوق الزنك ولا بد أن يدفن
كمثير شغب كان يحرضكم.
وكل من يتكلم الآن عن نيل ما يكفي من الطعام
وكل من يريد منكم موضعًا جافًا للسكنى
وكل من يصر منكم على أجره المضبوط
وكل من يريد منكم إطعام أطفاله
وكل من يفكر، ويعلن تضامنه
مع كل المضطهدين –
من الآن وإلى الأبد
سيوضع في صندوق زنك كهذا
ويدفن كمثير للشغب.