بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عن الفن والثورة

“أصيح بحزني، حتى أحمل الصم على أن يصرخوا معي، والأسرى الذين يصيبهم النور بالمهانة، الفقراء يجمعون خبزهم من على الطريق، وأنا أسمع حديثًا خفيضًا حذرًا، عن أمل عريق كبير في ضخامة اليد الإنسانية.”
بول إيلوار
الشعر والحقيقة

الفن كمنتوج اجتماعي
يقوم بناء النظرية الماركسية لتفسير العلاقات الاجتماعية، ومن ثم تغييرها، على القول بأن عملية الإنتاج المادي هي الأساس الذي يرتكز عليه البناء الفوقي من أيديولوجيات وسياسات وممارسات روحية وثقافة. أي أن ما نسميه “ثقافة” لم ينزل علينا كهيكل مكتمل ذات ليلة صيفية من السماء، بل هو منتج تراكمي لا ينفصل أبدًا عن الأوضاع التاريخية التي يبدع بها البشر حياتهم المادية.

لا شك أن هذه النظرية ستبدو بالغة الآلية إذا ما نظرنا إليها نظرة سطحية. ولكن هذا الإدعاء غير دقيق على الإطلاق. صحيح أن ماركس وانجلز يتحدثان في “الأيديولوجيا الألمانية” – 1846 – عن الأخلاق والعقيدة والفلسفة بوصفها أشباحًا تتشكل في أدمغة البشر، أي أنها ليست سوى انعكاسات وأصداء لعمليات الحياة الفعلية، غير أن إنجلز يؤكد من ناحية أخرى، في إحدى رسائله المكتوبة في تسعينات القرن الماضي، أنه بينما كان هو وماركس ينظر أن دائمًا إلى الجانب الاقتصادي بوصفه العامل النهائي الذي يتحكم في غيره من الجوانب، فإنهما كانا – في نفس الوقت – ينظران إلى الفن والفلسفة وغيرهما من أشكال الوعي بوصفهما أشكالاً لها دورها الهام في التأثير في مجرى الحياة وإن لم يكن لها الدور الحاسم: “وفقًا للتصور المادي عن التاريخ، فإن العامل المؤثر في التاريخ هو، آخر الأمر، إنتاج الحياة الفعلية وتكاثرها. ولم يؤكد ماركس أو أنا أكثر من ذلك قط. ولذا فإذا شوه بعضهم هذا الموقف بحيث يقول إن العامل الاقتصادي هو العامل المؤثر الوحيد فإنه يحول هذه الفكرة إلى مجرد عبارة مجردة، فارغة، لا معنى لها” (إنجلز).

ولقد اعترف ماركس بالوضع الخاص للأدب في فقرة شهيرة من كتابه “الأسس” حيث يناقش مشكلة التضارب الظاهري بين التطور الفني والتطور الاقتصادي. فالتراجيديا اليونانية تعد ذروة للتطور الأدبي ومع ذلك فقد ولدت في ظل نظام اجتماعي وشكل أيديولوجي لم يعد أحد يعترف بهما في المجتمع الحديث. ولأن القطع الفنية التي أنتجت في أشكال اجتماعية عفا عليها الزمن من الممكن أن تظل تمنحنا متعة جمالية، وتظل أيضًا معيارا ومثلاً أعلى، أذعن ماركس لوجود نوع من الخاصة الكلية أو اللا زمنية في الفن. لكن ما يمكننا إضافته الآن بعد العديد من المدارس والنقاد الذين تناولوا رؤية ماركس بالنقد والتحليل هو أنه حتى قوانين الأدب العظيم تتوالد من خلال عمليات اجتماعية، فما نصفه بأنه “عظمة” التراجيديا اليونانية ليس حقيقة ثابتة الوجود، بل هو قيمة متغيرة، يعيد كل جيل إنتاجها بطريقته. وفي كتاب “الأدب والثورة” يسلم تروتسكي في معرض جداله مع المدرسة الشكلية الروسية، بأن للفن مبادئه وقواعده الخاصة، قائلاً أن: “الإبداع الفني تغيير وتحويل للواقع وفقًا لقوانين الفن الخاصة..”. لكنه – رغم ذلك – ظل يؤكد أن الواقع يبقى العامل الحاسم وليست الألعاب الشكلية التي يلهو بها الكاتب.

الرأسمالية والفن
كما كان الملك ميداس يحول كل ما يلمسه إلى ذهب؛ فإن الرأسمالية تحول كل شيء في نطاقها إلى سلعة. فمن خلال زيادة الإنتاجية بشكل مربع ونشر النظام الرأسمالي بالقوة وامتداده، وتحطيم كل علاقة مباشرة بين المنتج والمستهلك، والزيادة المستمرة في تقسيم العمل، وانقسام العمل الواحد لأجزاء، وظهور القوى الاقتصادية كقوى غير شخصية، كل ذلك قضى على الطابع المباشر للعلاقات الإنسانية، وإلى ازدياد غربة الإنسان عن الواقع الاجتماعي وعن نفسه. في وسط هذا المجتمع يجد الفنان نفسه في وضع صعب لأن الفن أيضًا أصبح سلعة. وبدلاً من الرعاية الشخصية التي كان من الممكن أن يوليها أحد النبلاء لبعض الفنانين هناك الآن السوق الحر، والذي يتألف من مجموعة هائلة من الزبائن، يطلق عليهم لقب “الجمهور”. ويخضع المنتج الفني بالتالي لقوانين المنافسة. اليوم أصبح الفن مهنة نصف رومانسية ونصف تجارية. ولفترة طويلة نظرت الرأسمالية للفن على أنه شيء مريب تافه تحيط به الشكوك والظلال لأنه لا يطعم خبزًا، أي لا يشارك في عملية التراكم اللانهائية.

مما لا شك فيه أن الفنان البرجوازي (المعبر عن أفكار الرأسمالية في فنه)، يظل تقدميًا وثوريًا طالما بقيت البرجوازية طبقة صاعدة، أي لم تستول بعد على السلطة. نرى هذا الفنان بذاتيته المزهوة قد عبر عن أفكار العصر فهو الإنسان الحر، المدافع عن الإنسانية وعن وحدة بلاده وعن البشر عمومًا بروح الحرية والإخاء والمساواة. لكن بعد صعود البرجوازية إلى السلطة بدأت تناقضاتها الداخلية تفعل فعلها، فبينما كانت تنادي بالحرية، كانت – في الواقع – تمارس مفهومها الخاص عن الحرية والمتمثل في (عبودية العمل المأجور). وما زعمت من إطلاق العنان لكافة الطاقات الإنسانية كان خضوعها لشريعة المنافسة الرأسمالية المتوحشة. كان لا بد هنا أن يشعر الفنان (الحقيقي) بخيبة أمل عميقة، ولم يعد في وسعه أن يؤمن بضمير مرتاح أن فوز البرجوازية يعني انتصار الإنسانية. لذا وفي ظل الرأسمالية نجد الفن – فوق مستوى معين من الضحالة – فن احتجاج ونقد وثورة. هذا الاحتجاج أخذ أشكالا مغايرة ومتباينة على اختلاف الفترات التاريخية والأمكنة وأيضًا الظروف والملابسات. وظهرت في سياقات مختلفة حركات وأشكال فنية متمردة وثائرة، لا يسع المجال هنا للإسهاب حولها. لكن المهم – في ظننا – هو معرفة أن جميع الحركات الفنية والفكرية الساخطة تتعرض دائمًا للحظة حاسمة، وذلك عندما تتحرك الجماهير في صراعها الطبقي. وهكذا كانت الثورة الفرنسية وثورة 1848 وكوميونة باريس من نقاط التحول بالنسبة للأدب والفن كما كانت بالنسبة للسياسة. من ثم ندرك أن ارتباط الفن بالواقع ليس هو إعادة إنتاجه بشكل ميكانيكي بحت، بل هو التفاعل معه وبالطبع اتخاذ موقف ما من صراعاته وصهر كل ذلك داخل نفس الفنان وإفرازه بشكل طبيعي منسجمًا مع رؤيته الجمالية الخاصة جدًا والحرة دون ريب.

الحرية والفن الثوري
في ظاهر الأمر ثمة علاقة شائكة بين الفن والثورة الاشتراكية. ربما لأن الفن بطبيعته ثوري، وثوريته تلك لها طابع فوضوي حاد، لا يقبل أي وصاية أو تحديد أدوار، أو قوالب مسبقة. الحقيقة أن بين حرية الفن ومشروع الثورة الاشتراكية تناغم واتساق، لأن الثورة تبدأ من تحرر الإنسان والمجتمع وليس من الممكن أن ينتهي الأمر إلى تكريس القهر الفكري وفرض المقولات والقوالب إلا إذا حادت بالفعل عن مشروعها الأصلي.

ولا حاجة لنا إلى التأكيد على دور المجتمع البرجوازي في قمع الحريات. فقوائم الممنوعات والمحظورات التي لا يجوز الاقتراب منها ليس لها نهاية. ويدرك الجميع أن تلك الحرية التي تتشدق بها الطبقات الحاكمة ما هي إلا كذبة إذ تظل هذه الحرية متوفرة مادام الإبداع الفكري يكرس للتهويمات الغامضة التي تفصل المبدع عن الناس وتجعله – هو وإنتاجه – في منزلة عليا قاصرة على النخبة. ويزيد من حدة المشكلات المرتبطة بابتعاد الفنون عن المجتمع وعن الإنسان البسيط، أن التقدم المطرد في وسائل الإذاعة والنقل والثورة الاتصالية و.. كل ذلك خلق صناعة للتسلية تقدم للجماهير وتساعد على تشويه وعيهم من خلال طابعهم السطحي ومحتواها الرجعي.

والسؤال الآن: إذا كان هذا وضع الفن في مجتمع يحول كل شيء إلى سلعة، فماذا سيكون عليه الفن في مجتمع لا طبقي؟ ليس بوسع أي مخلوق أن يقدم إجابة حاسة على هذا التساؤل، ولأكثر من سبب: أولاً أن أي طبقة حاكمة لم تتبلور ثقافتها وفنونها إلا بعد قرون من التطور والتراكم ولأن الطبقة العاملة، بعد انتصارها، ستخرج بوعي ثقافي شديد الفقر، وسيكون عبثًا إلقاء الإنتاج الفني للبرجوازية في البحر واستبداله بآخر بروليتاري في التو واللحظة. الأولى من ذلك استيعاب التراث والتفاعل معه، ثم تجاوزه. نستطيع أن نستند في ذلك إلى “ليون تروتسكي” خلال مساجلاته مع مدرسة الثقافة البروليتارية ومنظرها بوجدانوف. رأت مدرسة الثقافة البروليتارية أنه لا يمكن لنفس الثقافة أن تخدم نظم مختلفة طبقيًا، فلا بد أن يكون للبروليتاريا المنتصرة ثقافتها المستقلة. وقد دحض تروتسكي هذه النظرية انطلاقًا من فكرة أن البروليتاريا لم تملك في أي وقت أدوات الإنتاج المادي والذهني في سياق المجتمع البرجوازي، مثلما سنحت الفرصة للبرجوازية من قبل أن تطور وتراكم ثقافتها وفنها. لذا تحتاج الدولة العمالية إلى امتداد الثورة على النطاق العالمي حتى تضمن بقاءها، ولا بد حتى يحدث هذا من الانتظار عشارت الأعوام. خلال هذه الفترة ستركز الجهود على الصراع الطبقي الأممي العنيف، وسوف تكون طبيعة هذا الصراع سياسية أكثر منها ثقافية. لكن كلما نجحت الطبقة العاملة في هذا الصراع وأصبحت الظروف أكثر ملائمة لازدهار الثقافة، كلما أصبحت البروليتاريا أقرب لأن تندثر كطبقة وتذوب في المجتمع الاشتراكي.

حذر تروتسكي أيضًا من خطورة الاستعجالية المثالية لمدرسة الثقافة البروليتارية. وطرح أن الفن ينضج ببطء، ويحتاج إلى وقت طويل لكي يثمر، على خلاف السياسة، لأن العمليات اللاواعية تقوم في تكوينه بدور كبير، وهي بطبيعتها بطيئة التطور ويصعب إدارتها والتحكم فيها.

تقول الثقافة البروليتارية: “أعطونا شيئًا من إنتاجنا نحن حتى ولو كان ضعيفًا”، ويرد تروتسكي: بأن الفن الضعيف ليس فنًا، لذا لا تحتاجه الجماهير، ويقرر أنه يومًا ما ستكون أعمال شكسبير مجرد وثائق تاريخية، لكن هذا اليوم لم يأت بعد، لذا علينا اليوم استخدام شكسبير واستيعابه بدلاً من المحاولات الرومانسية لاستبداله.

مبدعون لا موظفون
صحيح أننا لا نستطيع تخمين ما سيكون عليه الفن في المجتمع الاشتراكي، لكننا نضمن له شيئًا واحدًا مهمًا وحيويًا وهو: الحرية. ويتضح ذلك في الحديث عن موقف الحزب من الفن وحريته. فلينين مثلاً، كان يعارض أي شكل من أشكال الرقابة الفنية على الإنتاج الأدبي، مؤكدًا على الفارق بين عملية الخلق الأدبي وبين البيانات الحزبية والمقالات والمساجلات. وقد كتب عام 1905 يقول: “إن كل فنان، كل من يعتبر نفسه فنانًا، له الحق في أن يبدع بحرية تامة، تبعًا لنماذجه وتصوراته، بغض النظر عن أي شيء”.

وقد اتخذ تروتسكي موقفًا معاديًا ومحاربًا لهيمنة ستالين المتوحشة على أشكال الإنتاج الثقافي وتجنيدها في خدمة الثورة المضادة قائلاً بصدد ذلك: “نحن ندرك بالطبع أن الدولة الثورية لديها الحق في الدفاع عن نفسها إزاء الهجمات المضادة للبرجوازية، حتى عندما ترتدي هذه الهجمات عباءة العلم أو الفن. إلا أن الهوة سحيقة بين إجراءات الدفاع الثوري عن النفس الضرورية والمؤقتة هذه، وبين ادعاء السيطرة على الخلق الثقافي..”. ثم يضيف في شأن الفن في ظل الثورة ما يرضي غرور كل فنان وزيادة قليلاً: “فإذا كان على الثورة أن تبني نظامًا اشتراكيًا ذا سيطرة مركزية من أجل التطوير الأفضل لقوى الإنتاج المادي، فإن تطوير الخلق الثقافي يحتاج لإنشاء نظام فوضوي قائم على الحرية الفردية من البداية. لا سلطة، لا توجيه، لا أدنى أثر للأوامر الفوقية. فقط على أساس التعاون الودي، بلا قيود خارجية، سيكون من الممكن للباحثين والفنانين أن ينجزوا مهامهم، التي ستكون أوسع مدى من أي وقت مضى في التاريخ”.

من هنا، لا بد أن نسخر من الصورة المشوهة للفنان في ظل الثورة الاشتراكية، تلك الصورة التي رسمتها بيروقراطية ستالين على أكمل وجه: “الخدم المطيعون لأفكار ومقولات السلطة وأي خروج على المانفستو يعني الشنق والنفي وعذاب السعير”.

فبالطبع الفنان ليس مضطرًا لكي يبدع أن يكتب عن العمال وحياتهم وهمومهم وأحلامهم، ولا شيء غير ذلك إلا الهجاء اللاذع للمجتمع القديم الذي طالما أمتهن الإنسانية. تلك الصورة يفرح بها ضيقو الأفق ممن يرتعون في كنف الرقابات البوليسية، مبتهجين بهوامش الحرية التي تسمح بها السلطات القمعية.

لكنه في ظل حرية حقيقية لا وجود للببغاوات، سيرتقي الخيال لآفاق لم يخطر ببال، وكما أشار تروتسكي: “ستكون توصية الحزب للشاعر: أكتب عن أي شيء تفكر فيه”.

ولا نتصور أنه على الفن عندها أن يبتذل أدواته إلى أدنى حد ممكن، بدعوى الوصول للناس البسطاء، وبالتالي على الفنان أن يكون مسطحًا وضحلاً على الدوام، لأن الثورة ستدفع بوعي الملايين آلاف الخطوات للأمام، لأن الثورة ستدفع بوعي الملايين آلاف الخطوات للأمام. وتدريجيًا بعدها سيكون متاحًا تطوير ثقافة عالية للجميع، ومع احترامنا الشديد للنظريات المعقدة والكلام الكبير، فإن ذلك لن يكون حكرًا على ذوي ربطات العنق والنظارات السميكة. وكما قال تروتسكي أيضًا: “سيعلو الإنسان إلى آفاق أرسطو وجوته وماركس وفوق هذه الآفاق ستعلو قمم جديدة”.