بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

عن إسكندرية / بيروت

أن تضع يداً في بيروت والأخرى في الإسكندرية، وأن وتحاول ضم ما بينهما من عالمٍ بأكمله، دون أن تفلت من بين أصابعك تفاصيل حياتك الصغيرة والكبيرة والغنية جداً، هذا هو ما قدمته نرمين نزار في مدونتها إسكندرية / بيروت، والتي قدمتها دار الشروق، في كتاب مطبوع، كجزء من سلسلة مدونات الشروق، ولكن نرمين نزار، كما تقول في بداية مدونتها، لم تكن تريد أكثر من مجرد خلق مساحة للفضفضة، تستخدمها عندما يكون الصمت صعباً، وفي الوقت ذاته الحديث مع الآخرين أمراً أصعب، وربما لهذا السبب – اختارت أن تكتب تحت اسم ألكساندرا.

زارني لبنان

لماذا إسكندرية بيروت ؟ ربما لأن نرمين ، نصف لبنانية نصف مصرية، قضت أحد عشر عاماً في لبنان، وغادرتها سنة 1982 بكل ما يحمله ذلك العام من دلالات، الاجتياح الإسرائيلي للبنان، وسنوات طوال من الحرب الأهلية، ومع ذلك فهي لا تذكر شيئاً من هذا كله، كما لو كانت ذاكرتها قد أسقطت عمداً، كل ما شهدته من كوارث، مزقت هذا الوطن الجميل، لتبقي لها من بيروت ذكريات تحمل بعضها في داخلها، ويحمل لها أصدقاءها البعض الأخر أثناء زياراتهم لها، ففي مدونة «زارني لبنان» تقول « أتت م. أحضرت لي لبنان في حقيبتها … لحمة مدقوقة حولتها في مطبخي لفراكة وكبة نية, كتب من دور نشر لبنانية لكتاب من أنحاء العالم, زجاجة عرق, بقلاوة, نشرات عن المقاطعة ومقاومة أنصار إسرائيل في لبنان, قصص عن سهى بشارة وكفاح عفيفي وأنور ياسين, أبطال مقاومة هُمِشت، لأنها لم ترتدي عمامة الدين.

“جاءت لي أيضا ببعض مني. لهجتي الأصلية التي أشتاق اليها, أغاني من طفولتي, حافظة نقود مطرزة في المخيم. “م” مثلي, ابنة المناطق الحدودية. ونحن أبناء المناطق الحدودية قلقون بالفطرة، تضيع هويتنا بين ما نحس وما نجبر عليه، نجبر مثلا أن ننسى أن فلاحي مرج عيون كانوا يعملون في حصاد مواسم الزيتون في قضاء عكا، علينا أن نسلم الآن أن الفلسطينيين أغراب وان إسرائيل قد تكون صديقة «.

لكن أسوء ما يحدث هنا هو أن تدرك أن ما تبقي من وطنك هو فحسب ذكرياتك، فالعالم انحرف بك عن مسار ذلك الوطن منذ زمن، وانجرفت بعيدا عنه، وربما العكس هو ما حدث، تقول نرمين « جاءت «م» أيضا بحكايات تحفر في نفسي أكثر وأكثر النقوش، التي رسمتها غربتي أغلب سنين عمري، حدثتني عن رؤى مغايرة لشخصيات أردتها أنا رموزاً لهويتي الوطنية، كما رسمتها عن بعد، سمير قصير الذي بكيته كما لم أبكي شخصية عامة من قبل، حطمت لي جزء من صورته، وجبران تويني الذي لا أحمل له أي مشاعر، أو معرفة حقيقي سوى كاسم، رسمت له صورة أكثر رأفة.

أربكني إدراكي المتأخر جدا أني لا أختلف كثيرا عن الذين يقيمون في ميشيجان، في القرن الواحد والعشرين، ويتحدثون عن لبنان ما, أخذت أخر صورة في حوزتهم له عام 1920 …… أغضب فجأة على أبي، وعلى الهجرة، وعلى الحرب، وعلى كل ما جعل لي وطنا بعيداً، إلى هذا الحد، وأعود فأقول أننا شعب أدمن السفر، وان فكرة الوطن في حد ذاتها قديمة، ومستهلكة، فلما أطوق لها، وأنا من أعرف نفسي دوما بأني أبنة العالم؟»

مزاج صباحي

شغل سؤال الهوية جزء كبير من كتاب نرمين نزار، و ففيه تتحدث عن فلسطين، كجزء تنتمي إليه ، كتبت عنه نرمين في مدونة مزاج صباحي تقول «اشرب قهوتنا واسمع فيروز. في خزانتي زعتر وزيت زيتون وعلى أريكتي «تكايات» مطرزة وعلى حائط الممر الخريطة التي نحملها كحجاب.

على رفوفي كتب لمحمود درويش وأدوارد سعيد. أقرأ مدونة «م» لأتابع الوطن. ماذا؟ انا لبنانية ولست فلسطينية؟ حقا؟ يختلط علي الأمر مرات. شرحت لك من قبل مشاكل الحدوديين مع عبث القومية الحديثة. فيروز تخرسني ب «يا طير ياطاير على أطراف الدني». آسفة سيدتي فقد دخلت مرة أخرى في مهاترات تحديد هويتي. باقي يوم واحد على العودة إلى الإسكندرية. هناك تنتفي عندي أسئلة الهوية، وأنتمي بسكينة للمطلق.»

إسكندرية ماريا

هنا إذن تبدأ حدود الإسكندرية، الجزء الأخر المكمل للوطن الغائب، وطن يمكن زيارته، يحمل في أجواءه نسيم البحر المتوسط وروحه، ربما هذا هو القاسم المشترك بينه وببين لبنان « أعود للإسكندرية غداً. بعد ساعات قليلة في حقيقة الأمر. إسكندرية ماريا. هل لا تزال ماريا؟ هلا لا تزال مصرية باسم يوناني وروح متوسطية؟ …. ومن المعروف أنها معقل مهم للإخوان المسلمين، ولكنهم حتى قريب لم ينجحوا، أن يحولوها إلي بصراوي أخري. لا يزال الإسكندراني جريئاً، طويل اللسان، عالي الصوت، محباً للحياة. كيف تحب الحياة، وتكره الأخر؟ كيف تتعايش مع البحر، وتخشى المجهول؟ عندما أتمشي في شوارعها بملامحي المختلفة قليلاً جداً، وملابسي المختلفة كثيراً في أحيان معينة، لا ألفت النظر بنفس الوضوح والفجاجة التي يكون عليها الأمر في القاهرة. لا تثير اذرعي العارية نفس حالة العنف التي تثيرها نفس هذه الأذرع في القاهرة. في الإسكندرية … الأهالي أكثر مرحاً، الموسيقي حاضرة أكثر والذهاب للسينما لا يزال احتفالاً.».

في الكتاب / المدونة لا يزال هناك الكثير، «إلي ذكري الفتي» و «عن التي لازالت تنتظر» قطعتين أدبيتين غاية في الروعة والرقة والأسلوب، اللغة الكتاب تتنوع بين الفصحى، والعامية المصرية، و اللهجة اللبنانية، والمواضيع تتناول الحديث عن بيروت، والإسكندرية، و فلسطين، و اللاجئين السودانيين الذين عملت الكاتبة على قضيتهم من خلال إحدى منظمات الإغاثة، وذاقت خلال ذلك مرارة أن تدرك أنهم لم يكونوا أكثر من مجرد بطاقة في لعبة سياسية، وحين انتهت المهمة المطلوبة منهم توقفت منظمات الإغاثة عن دعمهم، وبدأ التهرب منهم بالشكل الذي انتهي بمذبحة المهندسين.

الكتاب لا يخلو من الحديث عن المعارك اليومية، التي نخوضها للحفاظ على رغبتنا في الحياة، وعلى أسباب كافية للفرح.

رغم أن الكتاب المأخوذ أصلاً عن مدونة ذاتية، إلا أنه لم يكن ذاتياً، فقد جاءت موضوعات المدونة في معظمها تتماس مع الهموم الشخصية لأي إنسان، وكانت الكتابة هنا وسيلة لتسجيل لحظات ومواقف إنسانية تستحق التسجيل، وكذلك تستحق أن تقرأ…