بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

فن وأدب

الكلمة.. الأغنية.. والمعركة..

نجم والشيخ إمام

على الرغم من انفصال الشاعر أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام عيسى الملحن والمغني وعازف العود فنيًا منذ منتصف الثمانينات تقريبًا، إلا أن الجدل حولهما لا يهدأ. فبينما يرقد الشيخ إمام هادئًا في قبره منذ عام 1995، ظهر نجم مؤخرًا على صفحات الجرائد والمجلات وهو يحتفل بعيد ميلاده السبعين أفخم دار سينما في مصر – سينما رنيسانس – وبدعوة من مالكها رجل الأعمال الكبير ساويرس! فيا للهول! (على رأي يوسف وهبي). يا ترى ماذا حدث لهذا الشاعر “الفاجومي”؟ هذا الشاعر الذي كان يكتب أشعارًا راديكالية يلحنها الشيخ إمام فتقلب مدرجات الجامعة رأسًا على عقب في سنوات السبعينات ويخرج الطلبة يرددون أغنية “جيفارا مات” وراء الشيخ إمام وهم يحملونه فوق الأعناق؛ أشعارًا كان يتغنى بها المعتقلون في سجن القلعة وطرة وسجن أبو زعبل، ويرددها العمال في المظاهرات في انتفاضة 18 و19 يناير 1977، وتتسبب نفس هذه الأشعار والأغاني في القبض على نجم وإمام وسجنهما عدة مرات! فما الذي حدث لهذا الشاعر من تحول يجعله يقبل “تمحك” ساويرس به ويقول عنه أنه ربما يكون طلعت حرب جديد، وأنه يشجع الرأسمالية الوطنية وأنه لا توجد لديه مشكلة إذا كان رجل الأعمال “حرامي ولكن لا يهرب فلوسه برّه بل يبنى بها مدرسة أو مكتبة أو مسكن للفقراء؟

هل هذا يمكن أن يكون كلام نفس الشاعر الذي كتب ذات مرة وهو يتهكم على نفس طبقة الحكام ورجال الأعمال هذه قائلا: (إحنا مين وهمه مين / همه بياكلوا حمام وفراخ / واحنا الفول دوخنا وداخ /.. همه بيركبوا طيارات / واحنا نموت ف الأتوبيسات / .. إلخ؟ أو هو نفسه الشاعر الذي كتب: (يا واد يا يويو / يا مبرراتي / يا جبنة حادقة على فول حراتي / أستيك لسانك / فارد وضامم / حسب الأبيج يا مهلباتي / ..)! هل تحوّل الشاعر هذا من الراديكالية إلى التغني بفضائل وعطاء رجال الأعمال الكبار في هذا العصر هو شيء جديد أم أنه حدث منذ سنوات وتفاقم مع الوقت؟ ولماذا حدث هذا التحول من الأساس؟

في الحقيقة، إن تجربة نجم وإمام جديرة بالتأمل والمناقشة. وفي هذا المقال نحاول في الشرارة أن نشترك في الجدال الدائر حول هذين الفنانين الذين بدون شك قد أثرا وتأثرا بزخم وعنفوان حركة المد النضالي في مصر في سنوات أواخر الستينات والسبعينات.

نجم وإمام يخرجان علينا من قلب المعركة
كانت مصر تغلي ببركان من الغضب والحزن بعد هزيمة يونيو 1967. وفي سنة 1968، خرج عمال حلوان لأول مرة في مظاهرات عارمة احتجاجًا على أحكام الطيران. شدّت هذه المظاهرات الطلبة وخرجوا هم أيضًا إلى الشوارع بأعداد ضخمة يهتفون ضد الفساد وضرورة التغيير. ثم هدأت الحركة حتى سنة 1970 عندما بدأت موجة جديدة من المظاهرات في 1971 – 1972 وموجة أخرى في 1972 – 1973. كانت الجامعات في حالة غليان وتفجر ومظاهرات الطلبة لا تهدأ. وبالطبع لم يتوانى نظام السادات لحظة لقمعها، فتم القبض على الكثيرين، وكان من ضمنهم إمام ونجم بسبب أغانيهم التحريضية. كانت هناك أيضًا إضرابات عمالية كبيرة خاصة في حلوان وبدأت في التصاعد بشكل ملحوظ في عام 1974؛ ثم اندلعت إضرابات أخرى واسعة في الإسكندرية بين قطاع عمال الغزل. وفي عامي 1975 و1976، قامت إضرارات عديدة في مناطق مختلفة: في شبرا الخيمة، كفر الدوار، المحلة، والإسكندرية. وفي عام 1977، تُوجّت كل هذه المظاهرات والإضرابات بانتفاضة 18 و19 يناير التي اشترك فيها العمال والطلبة ومجاميع ضخمة من الفئات الفقيرة.

لقد شهدت تلك السنوات من تاريخ مصر مدًا نضاليًا مؤثرًا، وفي خضم هذه المعركة لعب نجم وإمام دورًا راديكاليًا. فعلى الرغم من أن الخلفية الاجتماعية والسياسية لكل منهما لم تكن تنبئ بأي نوع من الفن الراديكالي، إلا أنهما تطورا كثيرًا في قلب هذا الصراع الذي كان حادثًا على أرض الواقع وأخرج كل منهما من جعبته أفضل ما لديه وعجنه بفن الآخر فكان الناتج فنًا مؤثرًا.

حدث اللقاء الأول بين نجم وإمام في سنة 1962، وكان الشاعر في تلك الأيام يكتب أشعارًا عاطفية ورومانسية خفيفة ويتحين أي فرصة لكي يكتشفه أحد الشعراء أو الملحنين الكبار مثل أحمد رامي أو محمود حسن إسماعيل أو بليغ حمدي. أما إمام فكان يغني ويعزف على العود في بيوت الأصدقاء أو على قهاوي حي الغورية. وعندما التقيا بالصدفة في ذلك اليوم، كتب نجم قصيدة حب رومانسية لحنها الشيخ إمام وهما جالسين. كانت القصيدة تقول: (أنا أتوب عن حبك أنا / أنا لي ف بعدك غنا / دنا باترجاك / الله يجازيك / يا شاغلني معاك / وشاغلني عليك / وأن غبت سنة / أنا برضه أنا ..إلخ). تم هذا اللقاء في بيت الشيخ إمام المتواضع جدًا في حوش قدم. ومنذ ذلك اللقاء الأول انتقل نجم ليعيش في نفس البيت مع إمام. وهكذا بدأ الاثنان يعملان مع بعضهما البعض ويشكلان على مر السنوات مشروعهما المشترك الذي استمر ما يقرب من 20 عامًا كانت مليئة بالأشعار والألحان التي استضافتها الدولة الناصرية في بداياتها ولكن سرعان ما انقلبت عليها فتم اعتقالهما ول مرة سنة 1969. ثم أتت سنوات السبعينات لتضع تجربة إمام ونجم عند المحك السياسي الحقيقي، حيث أنه لم يهدأ لهما بالا في تلك السنوات ولم تهدأ الدولة كذلك عن مطاردتهما واعتقالهما في سنوات 1972، 1975، 1977، و1978.

وهكذا، فمن حوش قدم – تلك الحارة العتيقة الكائنة في الغورية – وحيث كان السُمار يتجمعون كل ليلة ليغنوا ويلحنوا أشعارًا عاطفية خفيفة وأخرى بها بعض النقد والتقريع السياسي لنجم وفؤاد قاعود وآخرين، تحولت “القعدة” إلى مشروع سياسي عقب هزيمة يونسو 1967. وبعد أن كانت السهرة اليومية تضم أفرادًا معدودين هم في الأساس نجم وإمام ومحمد علي (الذي كان يشاركهما المسكن) وصديقهم حسن الموجي (الذي كان يعزف على الرّق) حيث يجرب نجم أشعاره ويجرب إمام تلحينها، بدأت القعدة تضم آخرين من فنانين ورسامين شعراء وصحفيين ومثقفين من أمثال حجازى فنان الكاريكاتير وسيد حجاب الشاعر وخيري شلبي الكاتب الروائي وغيرهم، إلى جانب الكثير من هواة الشعر والمغني. لقد كتب نجم في كتاب مذكراته الفاجومي عن تلك الفترة المبكرة قائلاً: “كل يوم عن التاني كنت باتمكن أكتر من صنعة الشعر لأني كنت بافهم أكتر من خلال الاحتكاك بالشباب المثقف في سهرات حوش قدم الممتعة. ومن أهم القناعات اللي اعتنقتها في الفترة دي قناعة إن الفن بشكل عام وعلى الخصوص الشعر كائي حي .. يعنى الشعرا بيخلفوا القصايد زي الناس ما بيخلفوا العيال.”

وهكذا، أصبح ذلك المكان الفير “من جوة قلب الحارة المصرية” غنيا بالتفاف هذه المجموعة _ حول ضرورة تقدم المشروع القومى إلى الأمام بعد الهزيمة. ولكن هذا المشروع مر بمنعطفات عديدة عبر سنوات أواخر الستينات والسبعينات، وأحيانًا كانت البيئة السياسية تحرض وتدفع الناس للأمام نحو منطقة الصراع مع السلطة فينشدون تجاهها ويدفعونها هم أيضًا للأمام وأحيانًا أخرى كانوا ينشدون للخلف عند خفوت المعركة. أي أنه طوال الوقت في معركة الصراع هذه هناك شد وجذب، جزر ومد، وهناك تقدم للأمام وأحيانًا رجوعًا للخلف. فالأمور لا تمشي على خط مستقيم للأبد.

وفي إطار هذه المعركة مع الأوضاع المتردية والفساد المستشري في أوساط الطبقة الحاكمة وتشديد قبضة الرأسمالية على مقاليد الأمور، تمرد إمام ونجم من خلال الشعر واللحن على السائد في تلك السنوات. وتواصل تمردهم بتمرد الجماهير ضد الاستغلال، فالنجم بمظاهرات الطلبة في سنوات 1968 – 1973، وتعارك مع تمدد طبقة الرأسماليين في سنوات السبعينات، واشتراك في مظاهرات العمال، وعاضر انتفاضة 18و 19 يناير 1977، وهاجم الأنظمة الحاكمة في مصر والعالم العربي، ونقد الإمبريالية بعنف، وصارع أشكال العنصرية والصهيونية والشوفينية، ودافع كثيرًا جدًا عن المشروع القومي العربي. إندفع نجم وإمام نحو المعركة حيث شدتهم على أرضيتها وأرضية الجماهير المستغلة، واستطاعا هما أيضًا من خلال فنهما أن يدفعا فئات من هذه الجماهير للالتحام بالمعركة.

في بدايات الستينات عندما كان نجم مازال يجرب كتابة أشعار متنوعة. كتب قصيدة بها حس طبقي تلقائي وبسيط للغاية هى قصيدته الشهيرة “كلب الست”، والتى تهكم فيها على أم كلثوم التى تسكن في الزمالك ولها من الوزن والمركز ما يجعلها تستطيع “بهدلة خلق الله” كما يحلو لها. فذات صباح عض كلبها المدلل مواطن في الشارع، وعندما اعترض هذا المواطن الغلبان أخذوه على قسم البوليس وحققوا معاه وبهدلوه وحبسوه. وفي هذه القصيدة كتب نجم في الختام ساخرًا من الواقعة كلها: (هيص يا كلب الست هيص/ لك مجامك/ في البوليس/ بكرة تتولف وزارة/ للكلاب/ يخدوك رئيس).

وقبل هزيمة 1967 بأيام قليلة، وكنوع من رد الفعل نحو الأوضاع المتردية، كتب نجم قصيدة “تعيش يا أهل بلدى” التى يقول فيها: (يعيش أهل بلدي / وبينهم مفيش / تعارف / يخلي التحالف يعيش / تعيش كل طايفة / من التانية خايفة / وتنزل ستاير / بداير وشيش / .. / يعيش التنابلة في حي الزمالك / وحي الزمالك / مسالك مسالك / تحاول تفكر / تهوب هنالك / تودر حياتك / بلاش المهالك / .. / يعيش الغلابة / في طي النجوع / نهارهم سحابة / وليلهم دموع / سواعد هزيلة / لكن فيها حيلة / تبدر تخضر / جفاف الربوع .. / يعيش أهل بلدي). فبين ثنايا هذه القصيدة، يمكن أن نرصد تعبير الشاعر عن حالة الاضطراب التي كانت تعيشها مصر مع اتساع الفجوة بين الطبقات (وهو عكس ما كان يروج له النظام آنذاك) – هذا التناقض الصارخ الذي يسمح لأناس أن يعيشوا في حي الزمالك “زي التنابلة” على حساب أو على عاتق ملايين الفقراء الذين يعيشون في النجوع والحوراي والشوارع الضيقة. وبالتالي، لا يمكن أن يكون هناك أي نوع من التحالف بين هذه الفئات والطوائف المختلفة، بل يوجد خوع وصراع وترقب.

وبعدها بعدة أيام جاء إعلان الهزيمة بشكل رسمي، فكتب نجم قصيدة “واه يا عبد الودود” وفيها يشجع الشاعر عبد الودود أن يناضل في الحرب ولا يترك مدفعه. وعبد الودود ذلك يمكن أن يكون أي شاب غلبان قادم من الصعيد مثلا ويأخذوه جنديًا في الحرب، فيقول له نجم: (.. / ولسة دم خيك / ما شرباش التراب / حسك عينك تزحزح / يدك عن الزناد / ..). في ذلك الوقت، كان نم من ضمن ملايين المصريين الذين يؤمنون بضرورة الحرب ضد العدو الصهيوني وهزيمته، ولم تكن القضية بالنسبة له أكثر من كونها أمرًا سوف يحسم بالنصر في الحرب.

وفي تلك الأيام عندما أعلن عبد الناصر تنحيه وخرجت الجماهير هاتفة لكي يرجع عن قراره، قال نجم قصيدته الشهيرة بقرة حاحا. وتعتبر هذه القصيدة من أشهر وأهم قصائد نجم وأغاني الشيخ إمام حيث تبرز بشكل واضح مدى تأثر الشاعر والملحن بالموروث الشعبي المصري. فكثيرًا ما كان يردد الناس في الريف أغنية بقرى حاحا، فجاء نجم وأخذ هيكل الأغنية وأدخل عليها كلماته التي تعبر عن الوجع بسبب الهزيمة قائلاً: (ناح النواح والنواحة / على بقرة حاحا النطاحة / والبقرة حلوب / حاحا / تحلب قنطار / حاحا / لكن مسلوب / حاحا / من أهل الدار / .. إلخ). ولحن إمام الأغنية تقريبًا بنفس الطريقة التي يغنيها بها الناس مع إضافة بعض التعديلات، ولذلك فقد ذاع صيتها وحفظها الجمهور بسرعة.

وبعدها بعدة أيام كتب: (الحمد لله خبطنا / تحت بطاطنا / يا محلا رجعة ظباطنا / من خط النار / يا أهل مصر المحمية / بالحرامية / الفول كتير والطعمية / والبر عمار / ..)، وهي القصيدة التي كان عمال الحديد والصلب يتداولونها في المصنع في هذه القصيدة هاجم نجم عبد الناصر شخصيًا عندما قال: (الحمد لله واهي ظاطت / والبيه حاطط / في كل حتة مدير ظاط وإن شالله حمار / .. إلخ)، وكانت هذه هي المرة الأولى التي يهاجم فيها نجم عبد الناصر، ولكنه هجوم لا يقارن بما قاله في السادات فيما بعد.

إذن، كانت تلك القصائد والأغاني السياسية المبكرة التي كتبها نجم ولحنها إمام بشكل يسهل على الناس حفظه وتداوله تنقلهما يومًا بعد آخر نحو منطقة أخرى من تاريخهما المشترك. لقد أحسا باقتراب المعركة الكبيرة مع النظام – مثلهما في ذلك مثل الكثير من الجماهير الغاضبة – وتدريجيًا بدأ الشعر السياسي الذي تنوع ما بين نقد وتقريع وهجاء وتحريض وهتاف وحزن وفرد يندمج مع اللحن الشعبي الأصيل الذي استقاه إمام من أساتذته سيد درويش والشيخ درويش الحريري والشيخ زكريا أحمد.

وعندما بدأ نجم وإمام يلمعان بعد عام 1967 في أوساط المثقفين والفنانين وبعض الأوساط العمالية والطلابية ويعلوا صيتهما بأنهما يقدمان فنًا مختلفًا عن السائد، حاولت الدولة استمالتهما واحتوائهما. فقام رجاء النقاش – والذي كان مسئولاً كبيرًا حينذاك في الإذاعة والتليفزيون – بزيارتهما واتفق مع الشيخ إمام على أن يقدم برنامج للإذاعة بعنوان “مع ألحان الشيخ إمام”. وقام النقاش أيضًا بتنظيم أول حفل جماهيري لهما في نقابة الصحفيين، ويومها خرج نجم وإمام عن البرنامج المتفق عليه نزولاً على رغبة الجمهور مما أحرج رجاء النقاش وجعله يأخذ موقفًا متعنتًا تجاههما فيما بعد. وكان الحفل الجماهيري الثاني في تلك الفترة الذي أغضب الحكومة منهما هو دعوتهما إلى قرية كمشيش للغناء في ذكرى مقتل صلاح حسين. يقول نجم عن هذا اليوم: “وصلنا كمشيش ففوجئنا بأن وصولنا عمل زوبعة من ردود الفعل المتباينة. الطلبة اللي كانوا في الاحتفال قابلونا بعاصفة من التصفيق والهتاف وترديد بعض أغانينا (مثل جيفارا مات)، وممثلو الحكومات قابلونا بالتجهم والارتباك الشديد”.

في تلك الفترة أيضًا، كانت أغنية “جيفارا مات” من أكثر الأغاني التي لاقت شعبية كبيرة جدًا. كتب نجم القصيدة بعد موت تشي جيفارا المناضل الكوبي، ويقول فيها: (جيفارا مات / آخر خبر / في الراديوهات / والكنايس / والجوامع / وف الحواري / والشوارع / وع القهاوي / وع البارات / جيفارا مات). وجاء تلحين إمام للقصيدة معبرًا وغنيًا من الناحية الفنية. فهو يبدأ الأغنية بموسيقى شبيهة بموسيقى المارش العسكري ليعطي الإحساس بأن هناك خبر هام جدًا على الجميع أن يسمعوه. ثم ينتقل إلى نعي جيفارا ويقول: (مات المناضل المثال / يا ميت خسارة ع الرجال / مات البطل فوق مدفعه جوة الغابات / جسد نضاله بمصرعه ومن سكات / لا طبالين يفرقعوا ولا إعلانات). وبعدها، ينتقل بالموسيقى إلى التهكم والسخرية والتقريع وهو يقول: (ما رأيكم / دام عزكم / يا أنتيكات / يا غرقانين / في المأكولات والملبوسات / يا دفيانين ومولعين الدفايات / يا محفلطين يا ملمعين / يا جيمسمات / يا بتوع نضال آخر زمن في العوامات / ما رأيكم / دام عزكم / جيفارا مات). ومن قلب هذه الموسيقى ذات النبرة التهكمية، ينتقل إمام إلى العدودة في نعي جيفارا – تمامًا مثل العدودة التي نسمعها كثيرًا في الأحياء الشعبية والريف، فيقول: (عيني عليه ساعة القضا / من غير رفاقه تودعه / عيني عليه عيني عليه / يطلع أنينه للفضا / يزعق ولا مين يسمعه / عيني عليه عيني عليه / ..). وفي نهاية الغنوة، تنتقل الموسيقى إلى نوع من الهتاف الحماسي، ويختمها بقوله: (صرخة جيفارا يا عبيد / في أي موطن أو مكان / ما فيش بديل / مافيش مناص / يا تجهزوا جيش الخلاص / يا تقولوا ع العالم خلاص).

ونستطيع بسهولة هنا أن نستنتج أن الفنانين في هذه الأغنية أرادا أن يعبرا عن حالة كل مناضل (وليس جيفارا فقط) يهب نفسه وروحه لقضية إنسانية عادلة. وتعبر هذه الأغنية أيضًا عن التفاف نجم في تلك الفترة المبكرة حول المشروع القومي. فهو في النهاية كان مع عبد الناصر ومشروعه (على الرغم من الهجوم عليه)، ولكنه كان ضد الفساد والظلم والهزيمة.

ونعود مرة أخرى إلى حفلة كمشيش، لأنه بعدها قام البوليس بتلفيق قضية حيازة مخدرات لنجم وإمام، وتم التحقيق معهما ولكن أفرج عنهما. ببساطة، كان ذلك نوع من “التلكيكة” من قبل الحكومة والشرطة لتخويفهما.

ولكن بالنسبة لهما، كان هذا الموقف هو فقط بداية الاشتباك مع السلطة والتمرد عليها.

لمع نجم وإمام أكثر في سنوات السبعينات بنقدهما الجارح لنظام السادات والطبقة الحاكمة وطبقة البرجوازيين الكبار والصغار، والطبقات التي اغتنت فجأة في سنوات الانفتاح. لقد كان لهما صولات وجولات مع نظام السادات، حيث أنهما حاولا انتهاز أي وكل فرصة للهجوم على ذلك النظام الرأسمالي المتعفن. ولذلك، فقد تعرضا للسجن أكثر من مرة، ولكنهما رفضا أن يسكتا. في تلك السنوات، كان الشارع المصري يغلي هو الآخر بمظاهرات الطلبة والعمال، وكانت الجامعات تمثل مسرحًا للحركة الطلابية التي شهدت مدًا شديدًا حينذاك، ذلك بالإضافة إلى انضمام الكثير من المثقفين والفنانين والكتاب اليساريين إلى صوت الطلبة والعمال، بما فيهم نجم وإمام.

في تلك الأثناء، خرج نجم وإمام بأفضل ما قدماه من شعر وألحان والتي شهدت تنوعًا كبيرًا. فنجد قصائد التقريع السياسي اللاذع مثل “الفول واللحمة”، و”نيكسون بابا”، و”الواد يويو”، و”جيسكار ديستان”، و”يوتيكاتي الناتي كوناتي”، و”الحاوي”، و”البتاع”، بالإضافة إلى القصيدتين الهامتين جدًا “هنا شقلبان” و”صندوق الدنيا”. ففي “صندوق الدنيا” كتب نجم: (شوف عندك يا سلاملم / واتفرج يا سلام / فزورة فرعاوية / من إنتاج النظام / سمك لبن طماطم / بصل عسل سُخام / يساوي حزب حاكم / وآخر انسجام / ولسة نشوف طلاسم / مدام الوعي نام / واتفرج يا سلاملم / وافهمها يا سلام / .. إلخ). وهذه الفقرة هي مجرد شطر صغير في هذه القصيدة الطويلة التي يهاجم فيها الشاعر بسخرية جارحة جوانب متعددة من نظام السادات. فنراه “يهزئ” تزوير الانتخابات، و”يتريق” على منح جائزة نوبل للسادات وبيجين، ويشتم طبقة الأغنياء الجدد الذين اغتنوا بالهبش والنصب، إلى غير ذلك.

نجد أيضًا الأشعار الحماسية والتحريضية التي تعبر عن إيمان الفنانين بالطبقات الكادحة من عمال وفلاحين والتفافهما حول المشروع القومي المصري والعربي ونصرة القضية الفلسطينية بشكل خاص، وإيمانهما بدور الطلبة في المعركة مع النظام وحرية الكلمة وشجاعة القلم. فكتب نجم مثلاً قصائد “الخط ده خطي”، و”يا فلسطينية”، و”احنا مين وهمه مين”، و”ياما مويل الهوى”، و”مر الكلام” و”عيون الكلام”، وغير ذلك الكثير.

وكانت هذه القصائد والأغاني تُغنى بين الطلبة في المظاهرات، وفي المعتقل، ووسط التجمعات اليسارية من مثقفين وفنانين وعمال. وقد ساعد على تفاعل الجمهور مع الشيخ إمام أنه كان يغني وهو يعزف على العود فقط بدون أية آلات أخرى فيما عدا الطبلة أو الرق أحيانًا، وكان من السهل جدًا أن يغني الجميع معه. كان هذا الغناء الجماعي الذي لا يتطلب صوتًا متميزًا أو مدربًا من أكثر الأشياء التي جعلت الجميع يغنون مع إمام مثل الكورس.

كان لنجم وإمام أيضًا أشعار وأغاني أخرى مليئة بالشجن والألم والحب والعاطفة للبلد والناس والفئات المقهورة، نذكر منها على سبيل المثال: “على حسب وداد جلبي ومزاج البلديات”، و”عطشان يا صبايا”، و”كل عين تعشق حليوة”، و”يا اسكندرية”، و”قيدوا شعة”، و”الأرغول”، وغيرها.

وبالطبع استفز كل ذلك السلطة، ولم تكتف بمطاردة إمام ونجم فقط، ولكن منعتهما أيضًا من السفر في الكثير من الأحيان لإحياء حفلات بالخارج. وفي عام 1976، عندما كانا متوجهان إلى باريس لإحياء حفلة هناك، منعتهما السلطات بالمطار من السفر. وبعدها كتب نجم قصيدة من أجمل قصائده “الممنوعات”، قال فيها: (ممنوع من السفر / ممنوع من الغنا / ممنوع من الكلام / ممنوع م الاشتياق / ممنوع م الاستياء / ممنوع م الابتسام / وكل يوم في حبك تزيد الممنوعات / وكل يوم باحبك / أكتر من اللي فات / حبيبتي يا سفينة / متشوقة وسجينة / مخبر في كل عقدة / عسكر / في كل مينا / .. / حبيبتي يا مدينة / متزوقة / وحزينة / في كل حارة حسرة / وف كل قصر زينة / ممنوع من إني أصبح / بعشقك / أو أبات / ممنوع من المناقشة / ممنوع من السكات / .. إلخ).

ومع تنوع الكلام والأهداف، تنوعت الألحان أيضًا. فتارة نجدها تعبيرية، وتارة تحريضية، ومرة حماسية وهتافية، وأخرى هادئة وحزينة، ومرة نادبة، وأخرى متهكمة وجارحة، ومة فرحة وسعيدة، ومرة شجنة وتقطر ألمًا، وهكذا. استقى إمام الكثير من التراث الشعبي ومرة شجنة وتقطر ألمًا، وهكذا. استقى إمام الكثير من التراث الشعبي وطعم به هذا الكلام السياسي واستطاع أن يقدم فنًا به الكثير من التميز. فالفن الشعبي مثل غيره من الفنون يمكن أن يصبح منطقة صراع بين القديم والجديد، أو بين الفجاجة والأصالة، أي يمكن أن يشده فنان في اتجاه معين ويشده فنان آخر في اتجاه معاكس، فهو موضوع ليس به أية مطلقات.

هل قدم إمام ونجم فنًا ثوريًا؟
في منتصف الثمانينات تقريبًا، بدأت العلاقة الفنية بين إمام ونجم تفتر شيئًا فشيئًا حتى انفصلا تمامًا. قرر وقتها الشيخ إمام أن يعتكف وأصبح يغني في مناسبات خاصة جدًا أو في بيوت الأصدقاء وذلك حتى وفاته في سنة 1995. أما نجم فبدأ “يشوف حاله” هو الآخر. فنراه في أواخر الثمانينات يكتب أشعارًا لمسلسلات التليفزيون والإذاعة، وفي التسعينات يؤلف فوازير رمضان وأشعار لمسرحيات الدولة، ويكتب مذكراته ويعيد طبع أشعاره القديمة. ومؤخرًا نراه يدافع عن تقارب ساويرس رجل الأعمال الكبير له الذي وصل إلى حد الاحتفال بعيد ميلاده. وجاءت هذه الأحداث الأخيرة كمفاجأة للكثيرين وأصبحوا يتساءلون: هل باع نجم القضية؟ هل سيصبح واحدًا من أصدقاء رجال الأعمال الذين طالما ما هاجمهم في أشعاره بسيجارهم الطويل وكروشهم السمينة وحفلاتهم الصاخبة؟ في الحقيقة، إن نجم لم يتحول بين يوم وليلة، ولكن الواضح أنه سار في مشروع خاص به بداية من سنوات الثمانينات التي شهدت تراجعًا ملحوظًا في حالة الصراع الطبقي في مصر.

ولم يكن نجم هو الوحيد الذي تراجع عن مشروعه الراديكالي في الثمانينات، ولكنه كان ضمن الكثيرين من مثقفي وفناني اليسار الذين بدءوا يبحثون عن مشاريع مختلفة غير تلك التي تبنوها من قبل (مثل الاندماج في دوائر حقوق الإنسان والدفاع عن المرأة والمجتمع المدني.. إلخ). لقد بدا ملحوظًا التغير الذي حدث في أوساط اليسار وحركة الطلبة واحتجاجات العمال: تفكك وتشرذم، وبدأ كل شخص يبحث عن مصالحه. تأثر إمام ونجم بهذا المناخ وبدأ صوتهما الجمهوري يخبو تدريجيًا.

علا صوت إمام ونجم بشكل راديكالي وقت المعركة، وانقلبا بالفعل ضد النظام وتمردا عليه، ولكنه تمرد – بالمعنى الاشتراكي الثوري – حدث داخل النظام وليس خارجه. وقد ساعد التقاءهما باليسار الستاليني ساعتها على اكتسابهما لأفكار ومفاهيم راديكالية. لكنهما في الواقع كانا يعبران عن مشروع ثوري برجوازي صغير، يدافع عن تخليص رأسمالية الدولة من فسادها وإنجاز مشروع التحرر الوطني والتنمية المستقلة. أما هدم أسس النظام الرأسمالي وإمكانيات الطبقة العاملة في تحرير نفسها والعالم، فهي أمور لم تكن أبدًا ضمن ما يناضلون من أجله أو يعبرون عنه. لذا كانت ثوريتهم بنت اللحظة، وعندما فاتت اللحظة يمدها الثوري لم يستطيعا أن يكملا مشروعهما بشكل متجذر فعليًا داخل الصراع الطبقي ولا أن يتفاعلا مع التراجع في هذا الصراع.

وليس معنى هذا أنهما لم يقدما فنًا متميزًا. فعلى العكس من ذلك، استطاع نجم من ناحية استخدام الموروث الشعبي ودمجه بالمتغثرات السياسية؛ واستطاع إمام من ناحية أخرى تطويع الموروث الشعبي الموسيقي وتركيبه على أشعار سياسة مباشرة. إن إمام كان دارسًا بعمق للموسيقى الشعبية المرتبطة بجماهير الشعب في الشارع والحارة والريف، والشيء المتميز الذي فعله هو توظيف هذا النوع من الموسيقى التلقائية البسيطة والحميمة لخدمة أشعار سياسية بها تنوع كبير ما بين التقريع والحماسة والهجاء.. إلخ. وهذا الميل – استخدام التيمات الشعبية وتطويرها – أصبح سائدًا بشكل واسع في الساحة الموسيقية بدءصا من الستينات. فإمام كان يفعل ذلك في وقت كانت فيه الموسيقى في مصر تتجدد على يد ملحنين مثل بليغ حمدي ومحمد الموجي وتتجه نحو الرومانسية الشعبوية في أغاني عبد الحليم حافظ وأم كلثوم، وأيضًا الأغاني السياسية الحماسية مثل التي كتبها صلاح جاهين وفؤاد حداد وتغني بها العديد من مغنى الستينات، إلى جانب الأغنية والموال الشعبي الخالص اللذان اشتهرا بها الكثيرين مثل محمد رشدي وغيره. أما الموسيقى التي أسسها سيد درويش والتي كانت مفارقة فنيًا عن السائد في عصره فقد كانت منسية ولم تكن في بؤرة الاهتمام.

يحول الكثيرون الربط بين سيد درويش والشيخ إمام وأن الأخير هو امتداد للشيخ سيد. ولكننا نجد هذه المقارنة صعبة للغاية. فالشيخ سيد قام بعمل انقلاب في موسيقى عصره من ناحية استخدام المقامات والإيقاع والنوتة الموسيقية ومن خلال نقل الألحان من التطريب إلى التعبير، ولكن إمام لم يحدث مثل ذلك الانقلاب. لقد جدد إمام في موسيقى عصره وأحيا الغناء الشعبي عندما وظفه جيدًا ليلبس ثوب الشعر السياسي وعندما جعل النغمات بسيطة وصادقة وغير مفتعلة. وفي بعض الأحيان استخدم نفس النغمة التي يرددها الناس في التراث الشعبي (على الربابة مثلاً أو في حلقات الذكر أو التعديد.. إلخ) وذلك بعد أن جدد نجم في كلماتها مثل غنية بقرة حاحا، ويا غربة روحي روحي، ويا نطرة رخي رخي،.. وهكذا. وكان إمام أيضًا مؤديًا بارعًا لأغانيه حيث أنه كان يغير في أداء اللحن وهو يغنيه في مرات تالية كأنه يغني الأغنية لأول مرة – بالطبع مع الاحتفاظ باللحن الأساسي الذي لا يتغير.

وبالتالي، وعلى الرغم من تأثر الكثيرين بأشعار نجم وأغاني إمام، إلا أن مشروعهما المشترك لم يكتمل ولم يكتسب النظرة الشاملة لتغيير العالم، والتي كانت بإمكانها جعل فنهما أكثر تجذرًا وارتباطا بالجماهير. لقد ارتبط فنهما – وقت تصاعد النضالات – بحياة الناس على الأرض ومعركتهم اليومية مع النظام الذي يقمعهم من أجل العيش والبقاء والتقدم، واعتركا فيه مع هموم الجماهير وآلامها وأفراحها، لكنهما لم يمتلكا أبدًا رؤية بديلة ووعيا أكثر مفارقة لما هو سائد حوله.

فالفن يمكن أن يكون عظيمًا قادرًا على التأثير في الجماهير والتأثر بها، ويمكنه أيضًا أن يكون مجددًا أو متمردًا أو مشاغبًا يعكس نضالات الجماهير وطموحاتها. لكنه لا يصبح ثوريًا وقادرًا على تغيير وعي وإحساس الناس بمنطقة الصراع في حياتهم، دون أن تكون تلك العلاقة الجدلية بينه وبين الجماهير محكومة بوعي يناطح كل الأفكار السائدة، ويطرح بأدوات مفارقة تمامًا مشروعًا جذريًا لتغيير العالم عبر تلك الجماهير ذاتها.