بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

سكر بنات أو كوافير نادين لبكي

* فيلم: سكر بنات
* إخراج: نادين لبكي
* إنتاج: 2007

“سكر بنات”، أو الحلاوة المخصصة لنزع الشعر الزائد عند النساء، هو عنوان أول أفلام المخرجة اللبنانية نادين لبكي، صاحبة كليبات نانسي عجرم الشهيرة. والفيلم، كما يبدو من عنوانه، يدور عن النساء أولا وأخيرا. فهو لا يقدم صورة عن المجتمع اللبناني، ولا حتى خلفية واحدة لما يدور على المسرح السياسي هناك. الرجال يظهرون في الفيلم في صورة مضببة غير واضحة، بعيدون عن مجرى الأحداث، على الرغم من أنهم مسببات مهمة لها.

يبدأ الفيلم بمشهد إعداد “الحلاوة” وينتهي بأغنية “مرايتي.. أنت أنا وأنا أنت.. بعيوني أنتي ستي يا مرايتي”. وهو يقدم رؤية خاصة من داخل عالم النساء، من خلال قصة تدور في لبنان ومن الممكن أن تدور في أي مكان آخر. يتناول الفيلم، الذي كتبته نادين لبكي ورنداي الحداد وتم تصويره قبل حرب لبنان الماضية بتسع أيام، قصة أربعة نساء يعملن في محل “كوافير”: “ليال” تلعب دورها نادين لبكي، امرأة مكتملة الأنوثة واثقة من نفسها مخلصة لمن تحب وعلي علاقة برجل متزوج لا نراه نهائيًا في الفيلم؛ “نسرين” أكثرهن حصافة وقدرة علي تدبر شئون المحل، مخطوبة وتعد لحفل زفافها قريبا، فقدت عذريتها في علاقة سابقة لكنها لا تخبر خطيبها؛ “ريما” المتوحدة، أكثرهن طفولة وصمتا، تعلق سماعات mp3 علي أذنيها دائما وترتدي ثياب ذكورية ولديها التباس في هويتها الجنسية؛ “جمال” أم لولد وبنت وزوجها منشغل عنها بأصدقائه ولا نراه أيضا في الفيلم، عملت كموديل في الإعلانات وظهرت ككومبارس في المسلسلات، تدخل سن اليأس وهذا يسبب لها قلقا كبيرا. وعلى الجانب المقابل لمحل الكوافير يوجد محل للخياطة تديره “روز”، وهي سيدة متقدمة في السن، مع أختها “لي لي” التي تعانى من خلل عقلي يجعلها تتصرف كالأطفال.

تركز نادين لبكي في فيلمها على الأنثى بطبيعتها الرهيفة المفعمة بالحياة، وبقدرتها البسيطة على تخطي العواقب، وبأمومتها، تلك الخصائص التي شوهتها الميديا لتختصر المرأة في هيئة سلعة ومصدر للغواية فقط، يلهث وراءها البعض ويستنكرها آخرون. تيمة العذراء مريم ، بكل تداعيتها القدسية وكرمز للأمومة والحماية والمباركة، تتكرر في الفيلم. علاقة روز بأختها من أكثر العلاقات الإنسانية حساسية. كذلك اللقطة التي تدعى فيها جمال أن الدورة الشهرية فاجأتها لتدخل قبل الفتيات المنتظرات الحمام لتسكب بعض من الصبغة الحمراء في الفوطة الصحية وتلقيها في سلة الفضلات في الحمام بشكل واضح. كذلك اللقطة التي تلتقي فيها “ليال” بزوجة حبيبها لتنزع عنها شعر جسدها، وتمتزج فيها الشراسة بالفضول لمعرفة الآخر.

الفيلم لا يمسك خيطًا دراميا واحدا، بل يقدم بانوراما بصرية تجيد نادين، مخرجة الكليبات، الإمساك بخيوطها جيدا، دراما عن الحياة اليومية لهذه المجموعة. بل يمكن القول أن الفيلم كله كان طموحا قديما للبكي ظهرت بوادره منذ كليباتها مع نانسي عجرم. فالفيلم، كما هو الحال في كليبات نانسي، يدور في محل كوافير ويتحدث عن الحب من جوانبه العديدة وينتهي بفرح “نسرين” الذي يجمع أبطال الفيلم.

أبطال نادين لبكي عاديين تماما، لا قضية تشغلهم سوى أن يعيشوا الحياة كما يريدونها، لا رغبة في تغير شيء، ولا رغبة في خوض محاولات صدامية، بل هم في النهاية امتداد لمن سبقوهم. فـ”نسرين” تقوم بعملية “ترقيع” كحل واقعي لأنها لا تستطيع مصارحة خطيبها. وفي زفافها تنصحها أمها بطاعة زوجها وبالحفاظ علي بيتها. وهذا ما تريده نسرين. أما “ليال” فهي لا تدخل في صراع من أجل الحصول على حبيبها، بل تفضل الانسحاب في هدوء ثم تتزوج من رجل آخر يعمل شرطيًا. و”روز” لا تستجيب لما يريده قلبها عندما يطلب أحد زبائنها، وهو رجل عجوز فرنسي، مقابلتها، تستجيب فقط لواجب رعايتها لأختها.

الفيلم على مستوى الصورة والموسيقي عذب وتنساب أحداثه في سلاسة متناهية. أداء الممثلين كان تلقائيا على الرغم من أنها تجربتهم الأولى، لدرجة أنك تظن أن “لي لي” ما هي إلا امرأة عجوز مختلة عقليا فعلا.

يحسب للفيلم عدم تورطه في ابتذال تجاري من أجل جذب المشاهدين، وعدم تبنيه لشعارات نسوية طنانة، خاصة أنه يتحدث في منطقة يسهل ابتذالها جدا. فعن “ريما” المثلية جنسيا، لا يركز الفيلم علي حسية العلاقة بينها وبين إحدى زبائنها في محل الكوافير، بل على تلك المشاعر الملتبسة التي يصعب إدراكها. كذلك يحسب للفيلم خروجه عن دائرة شركات الإنتاج الضخمة بشروطها التجارية. فهو إنتاج أوروبي مشترك، عُرض في مهرجان كان عام 2007 علي هامش فاعليات التجارب الإخراجية الأولي، حيث حقق نجاحا غير مسبوق في الدول الأوربية كفيلم عربي.