بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

فن وأدب

طلعة البدن

صراع دائم لانتزاع الحرية

كان من حظ رواية «طلعةالبدن» لمسعد ابو فجر ان تصدر في أوج تمرد بدو سيناء على الممارسات الأمنية ضدهم. وإن كانت تلك الممارسات لا تختلف عن ممارسات الأمن مع أي مجموعة ألا انها تعكس، بالإضافة الى استهتارها بقيمة النفس البشرية، جهلا مطبقا بالطبيعة البدوية. أن أول ما يلاحظه قارئ هذه الرواية هو أنها تتحدث عن مجتمع لا يعتبر نفسه جزءاً طبيعيا من المجتمع المصري. ولابد قبل التسرع بإدانة هذا الشعور تذكر أنه متبادل إلى حد كبير. فالبدو، سواء في سيناء أو في الصحراء الغربية، يشار إليهم باللفظ الشائع «العرب» وكأنهم شعب منفصل عن وادي النيل. وتستخدم شخصيات الرواية كلمة المصريين للإشارة إلى غير البدو، وتتعامل مع هؤلاء المصريين بكثير من الحذر، كما تتعامل مع السائحين الأجانب. وإن كان أغلب المصريين في الرواية من رجال الأمن.

وقد انتقد بعض المتخصصين الاحتفاء الذي نالته الرواية ارتباطا بالظرف السياسي فحسب. إلا أن الحقيقة أن الرواية، وإن كانت تفتقد للبناء التقليدي للرواية، إلا أنها شيقة جدا بعوالمها الجديدة على القارئ وبأسلوب السرد نفسه. ويعترف أبو فجر أنه أراد أن يسجل الحكايات التي يعرفها عن مجتمعه من تجربته الشخصية أو من الحكايات والشعر البدوي الذي يخاف أن يندثر. وبسبب الشعر تحديدا أتت اللغة المميزة للرواية. فقد حافظ أبو فجر عمدا على الأسماء الشائعة في سيناء للعديد من الأشياء وخاصة الألبسة. ولكنه كان من المستحسن أن يضيف بعض الشرح أو الهوامش لتعريف القارئ الكلمات المحلية المستخدمة، ولتحقيق الغرض من استخدام تلك التعابير تحديدا، أي الحفاظ عليها ونقلها إلى أجيال ومناطق أخرى.

تدور الأحداث جميعا تقريبا على لسان الراوي ربيع، وهو سيناوي تلقى تعليمه الجامعي في المدينة ولكنه لم يتأثر بها أبدا. ولا تشكل المدينة أي أهمية في الرواية، فجميع المحاولات للخروج خارج سيناء تحدث في اتجاه الشرق أي نحو الحدود التي رسمت، حسب كلام مسعد أبو فجر، بشكل مصطنع في بدايات القرن والتي لا يعترف بها البدو ولا يفهمونها. هذه الحدود قسمت أراضيهم، ومنعت التجوال الحر الذي يعتبرونه حقا ووسيلة حياة. وبالرواية قصص كثيرة حول هذا الصراع المستمر بينهم وبين السلطات ومفاهيمها التي لا تعني لهم شيئا.

إن أسلوب السرد في الرواية، والذي قد يؤرق المتخصصين، هو من أسباب نجاح الرواية في الحقيقة. حيث أنه يتيح للقارئ سياحة في عالم لا يزال مغلقا على أغلب الناس. ولا يُلام الكاتب إذ أنه لا يفشل في خلق بنية روائية، بل هو غير مهتم بها من الأساس. لقد كان ينظر للكتابة كعالم سحري، وللكاتب كشخص غير عادي، وهو إحساس لم يغادره حتى عندما اشترك بقصة قصيرة في مسابقة أقامتها جريدة أخبار الأدب. إلا أنه عاد للتفكير في الكتابة بعد أن نشرت قصته التي لم تفز في المسابقة. ومع إغراء اكتشافه أن الكتابة ممكنة، ومع رغبته في الحفاظ على تراث الحكي والشعر السيناوي، أتت روايته التي تدخلنا إلى عالم مدهش بدون الحواجز المتوقعة التي تسببها غرابة المكان والأشخاص للكثير منا نحن المصريين البعيدين عن ما يلتهب ويدور في قلب سيناء.