بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

فن وأدب

صيحة مئوية السينما المصرية:

سيما أونطة هاتوا فلوسنا!

تتكون صورتنا عن أنفسنا من عدة عناصر متفاعلة يحكمها في نهاية الأمر حجم ما حققناه من إنجاز واقعي بالقياس لما تمنينا تحقيقه سلفا، وبالمقارنة بما أنجزه الآخرون من أقراننا. وعلى هذه الخلفية فلنتساءل: لماذا بعد أكثر من مائة عام من السينما، وبالرغم من عشرات الأفلام الممتازة، تنظر الجماهير المصرية لسينماها نظرة منخفضة التقدير إلى حد كبير؟ فباستثناء مجموعة نادرة من التحف السينمائية لقلة من صناع أفلامنا، ومع تسليمنا بأننا جميعا لم نتمكن حتى الآن من مشاهدة كل إنتاج السينما المصرية، وهو واحد من عيوب منظومتنا السينمائية القاصرة، إلا أننا دائما ما نلاحظ في حدود الكم الكبير من الأفلام المتاحة وجود شيء تافه أو ساذج أو غير مدروس في الفيلم المصري.. شيء تاريخي عبرت عنه الجماهير بعبارات موحية من عينة “كلام أفلام”، “فيلم عربي”، “سيما أونطة”.

ما هو هذا الشيء؟ وما حتمية وجوده؟ ولماذا هو شبيه بكل مصنوعاتنا المصرية التي لا تصمد أمام المنافسة العالمية؟ وما علاقة هذا الشيء بتكرار أزمات السينما المصرية بشكل شبه رتيب؟ ولماذا كتب على الفيلم المصري طوال تاريخه أن يكون مساحة ترفيه مكررة تحدها من الجهات الأربع محدودية الابتكار في جميع صناعاته: بدائية تسويقه محليا وخارجيا، سطوة جميع السلطات عليه، والمزيج الفريد من التبعية شبه المطلقة لليبرالية الغربية مع التشبث الرهيب بالقيم الشرقية وأهمها القمع والنفاق والعشائرية؟

مولود مشّوه

لقد غزا الفن السينمائي الوليد بلدان فرنسا ومصر وروسيا وألمانيا وإيطاليا والولايات المتحدة وبريطانيا في أوقات شديدة التقارب. ولكنه سار في كل منها في مسار خاص حفرته تفاعلات السياسة بالاقتصاد بالقيم الفكرية والجمالية والأخلاقية المتناحرة، وكانت له في كل منها تحدياته وصولاته وكبواته، وخلق لكل منها مجال نفوذ سينمائي إقليميا أو عالميا.

وبالرغم من الإنجازات الملفتة للسينما المصرية التي تجاوزت القرن من عمرها، إلا أنها عامة سينما مأزومة إنتاجيا ومتواضعة في غالبيتها فنيا وفكريا إذا ما قورنت بالسينمات الأخرى التي ولدت معها، بل ولو قارناها بما كان يمكن أن يصيبها من مستقبل أفضل في بداياتها بفضل توافر روافد النهضة الفنية من المسرح والموسيقى، وعلى أرضية ثورة شعبية كبيرة في 1919 مهدت للبرجوازية المصرية الطريق لمشاركة الاحتلال البريطاني قضمة من كعكة الحكم والثروة، وفي إطار أكذوبة الاستقلال النسبي تحت راية الباشوات الذين رعوا تدفق رؤوس الأموال الزراعية على إنشاء الصناعات الوطنية.

والمتأمل لإعلانات الصحف في تلك المرحلة من تاريخنا يلاحظ كيف تسولت تلك البرجوازية زبائنها بوازع الوطنية، ولم تخجل من استخدام أسماء سعد زغلول ويوسف وهبي وأم كلثوم للترويج للصابون المصري والتبغ المصري. هكذا أيضا تم التعامل مع الفيلم المصري كسلعة مضمونة الربح طالما هي مصممة على الطراز الغربي، وتتمسح بالمصرية، ويتم حشوها بعناصر الجماهيرية المجربة سلفا، دون أن تثير غضب السلطة السياسية أو الدينية نهائيا. والمسألة بهذه الكيفية لا تحتاج مؤسسات عملاقة ومتشعبة. فمكاتب إنتاج وتوزيع صغيرة وستوديوهات بدائية لقادرة على تنفيذها. وهذا ما كان. لقد قرر مستثمرو الفن السينمائي في مصر أن يكونوا صغارا ومهادنين وأن يكتفوا بالأسهل من الربح مقابل بذل الأقل من المغامرة. فلم يرحبوا طبعا بمحاولات فردية هامة لصناعة الكاميرا أو الشريط السينمائي أو عمل فيلم كارتون أو تجربة مواضيع مختلفة أو تحدي أية سلطة.

وبينما كانت أفلامنا الجماهيرية الركيكة تتلمس أولى خطواتها في الثلاثينات، كانت التعبيرية الألمانية قد ظهرت وأثّرت في السينما العالمية قبل عقد من الزمان. وقبلما ينفذ طلعت حرب مشروع ستوديو مصر، كان الروس قد صنعوا سينما جبارة في العشرينات رغم حصار الدول البرجوازية للثورة الروسية. (نعم صنع ثوار روسيا الكاميرا والشريط ودور العرض الكثيرة وأبدعوا بها مدارس فنية خالدة وسط الحصار!). والسينما المصرية أقدم من السينما الإيطالية ولكنها لم تبلور اتجاها فنيا عالميا على غرار ما قدمته الواقعية الإيطالية في الخمسينات من القرن العشرين، أو الموجة الجديدة في فرنسا الستينات، ناهيك عن البون الشاسع بين صناعة السينما في مصر ومثيلتها في أمريكا وبريطانيا، حتى وصل الأمر إلى أن تجاوزتنا تباعا سينمات أخرى ظهرت للوجود بعدنا مثل السينما الهندية والصينية، والإيرانية مؤخرا. فهل يمكن فصل تلك الحقائق عن الحقائق الأعمق: أننا رغم مئوية السينما عندنا لم نتمكن من صناعة الكاميرا ولا أي جزء من مكوناتها ولا حتى شريط السليولويد رغم المحاولات الفردية لمحمد بيومي وأوهان مثلا والتي لم تلق أية رعاية لغياب المؤسسسات السينمائية العملاقة التي تبني الأساس المادي اللازم لصناعة السينما؟

فتلك البرجوازية الوليدة المهجنة من الملاك الزراعيين والصناعيين، والتابعة للغرب رغم تنافسها معه على استغلال جماهيرها، والتي يتناقض داخلها الغلاف الليبرالي المتفرنج بفلسفة وآليات القمع الشرقية المتوارثة عبر القرون، والتي رضيت بنصيب متدنٍ من مستوى الإنتاج والتسويق والخدمات والربحية قبالة التفوق الغربي، إنما هي المسئولة الأولى عن تحجيم الفيلم المصري بشكل لا يمكن فصله عن مجمل محدودية إنجازات البرجوازية المصرية سواء في مجال التصنيع أو التحديث أو الابتكار أو التنمية الذاتية، وهو الانعكاس المنطقي لخياناتها الاجتماعية المتتالية لأمة من الفقراء والمضطهَدين تكافح منذ مطلع القرن التاسع عشر من أجل استقلالها الكامل ونهضتها الشاملة وصولا للتحرر الحقيقي والعدل الاجتماعي.

إن أغلب الأقلام التي تؤرخ للسينما عامة – وللسينما المصرية خاصة – هي أقلام واقعة تحت سيطرة الفكر البرجوازي. ولهذا نجدها تركز على الجانب الفني لتاريخ السينما فاصلة إياه عن مجمل العلاقات الإنتاجية التي يتحصل عنها. وكأن الفيلم يخرج للنور من العدم لا تحكمه شروط عديدة حسمت على مدار السنوات سقف التوقعات بشأنه. ولكن الحقيقة الغائبة هي أن جميع إنجازات السينما المصرية تعود لأجرائها من الفنانين والفنيين أبناء الطبقة الوسطى، رغم تواضع أغلب هذه الإنجازات، بينما جميع أزمات السينما المصرية راجعة للبرجوازية المنتجة والمسوقة للسينما رغم تجاوزها لتلك الأزمات تباعا. فالمشكلة هيكلية بالأساس: نمط الإنتاج السينمائي نفسه – بما يحتويه من مختلف آليات استثمار الفيلم – هو نمط هجين ومرفه وغير صدامي وخصي في بلاط الاستبداد والإمبريالية تماما مثل البرجوازية التي تمتلكه وتديره، أما الفنانون والفنيون من أبناء الطبقة الوسطى فهم من منح هذا الفن حق الحياة بكل ما فيها من تناقضات.

لقد انهارت برجوازية الباشوات على أيدي سلطة يوليو 1952 التي استندت لقاعدة اجتماعية شابة وقتها هي الطبقة الوسطى – الأفنديات سابقا. ولكن السينما سارت في المسار الذي حفرته خلاصات تجاربها السابقة في إطار فلسفة “اضرب واجر” التي تبنتها برجوازية الباشوات وأورثتها لبرجوازية دولة العسكر فيما بعد والتي عبرت عن نفسها بوضوح متصاعد بعد نكسة 1967، تلك التي أنهت رسميا مشروع الطبقة الوسطى الناصري للتنمية المستقلة ومواجهة الإمبريالية وأحلت محله مشروع برجوازية مصرية جديدة تعمل تحت جناح الإمبريالية.

ومن سمات البرجوازية المصرية الفقدان المنظم لما تكسبه اعتباطا. فبالرغم من نمطيته البالغة ومحدودية آفاقه الفكرية، إلا أن الفيلم المصري كان حسن الحظ عربيا حتى صار يشكل ثاني دخل للاقتصاد المصري. كان سفيرا فوق العادة للأمة المصرية في ربوع العالم العربي وحتى إندونيسيا، إلى أن فقد تلك المكانة تدريجيا لسبب جوهري في نمط إنتاجه التجميعي – التلفيقي بالأحرى – القائم على تكرار المأمون وتجنب المغامرة. فقصة الفيلم لا تأتي من التربة المصرية إلا نادرا، وطراز النجوم مستورد من هوليوود منذ الثلاثينات، وكلما شئنا إظهار التميز في عنصر من عناصر الفيلم لجأنا للغرب، كما هو حادث الآن على مستوى مشاهد الحركة أو طبع الفيلم مثلا. من الغرب إذن أخذ الفيلم المصري الكاميرا والشريط السينمائي والمعامل والكمبيوترات والأفكار، ومن الشرق أخذ أدوات القمع والفوضى والعشائرية. وبعد عشرات السنين من تدخل الدولة في الساحة السينمائية لا نجد إلا الآثار البيروقراطية فقط.

أزمة من؟

السينما عمل جماعي مركب ومكلف. وتدور حول حلقة إنتاج الفيلم حلقات كثيرة تسبق وتتلو صناعة الفيلم. وإذا كنا نتخيل أي تطور للسينما المصرية فلابد وأن نرى ذلك في سياق عملية ديناميكة تربط الفن المدرسي بالجامعي بالأكاديمي المتخصص بمساحات التعبير المتاحة بآفاق استثمار الفيلم داخليا وخارجيا. السينما فن مؤسسات.. ومؤسساتنا “البرجوازية” قاصرة!

تأمل مثلا تلك العبارات المتداولة في البرامج التلفزيونية وفي الحوارات الصحفية، والتي تؤكد على أن هناك أزمة نص أو أزمة ابداع في المخرجين الشبان أو ندرة الموهوبين في التمثيل، بينما المتابع بجدية للشباب المغمور هنا وهناك لابد وأن يستنتج أن الأزمة لم تكن أبدا في طاقة الإبداع في شعبنا المتذوق للفنون، بل في الكيفية التي يتم بها استكشاف المواهب الشابة وتنميتها وفتح الطريق أمامها للعطاء الفني. ليست لدينا مؤسسات حقيقية تضخ الدماء في شرايين المهنة!

هناك شباب قادر على الإبداع من الإسكندرية لأسوان ولا تنقصه إلا الفرص المناسبة. تلك الفرص التي يستحيل أن توجد في منظومة استثمار الفنون عامة – والفن السينمائي بخاصة – بالكيفية التي وصلنا إليها عبر قرن من حكم البرجوازية الرثة سواء تحت حكم الباشاوات أو العسكر أو رجال الأعمال. وبعد تجاربنا السيئة مع التأميم البيروقراطي للميدانين الثقافي والإعلامي وما صاحبه من نمو قطاع خاص ركيك وطفيلي بالفعل يستسهل التربح من تكرار نجاحاته واستحلاب مواضيعه. وقد أدى هذان القطاعان – البيروقراطي والطفيلي – إلى أن أصبح أغلب الفن الرائج بالذات مصمما على شاكلة واحدة هي السلعة الترفيهية البحتة المجردة من الهموم والتحديات الواقعية إلا فيما ندر.

وبالرغم من وجود طوابير من أروع فناني الشرق الفرديين في مصر، إلا أن السينما كعمل جماعي مخطط هي شيء آخر. شيء يخلقه ويتحكم فيه مستثمروه أكثر كثيرا من مبدعيه. ونحن في مصر لم نر مستثمري السينما يفتحون أسواقا عالمية أو حتى يخلقوا منها عادة عائلية مستديمة بأن يقيموا في كل حي دار عرض مناسبة وهو أضعف الإيمان.

إن هزال البرجوازية المصرية منذ نشأتها للآن منعكس بلا شك على هزال مستثمري الفن السينمائي طيلة المئة عام سينما. وباستثناء عدد قليل جدا من المنتجين المحترمين تبدو الصورة قاتمة للغاية. وإن شئت فلتتأمل حال غرفة صناعة السينما التي هي تجمع لمستثمري الفن السينمائي في مصر تحت إشراف الدولة. إلا أن ان اسمها أكبر من حجمها للأسف!

وإحقاقا للحق أيضا، فإن الإنجاز الحقيقي للسينما المصرية لا يعود للفنانين المصريين فقط، بل يعود أيضا للفنيين وعمال السينما الذين ظلوا يغزلون برجل حمار طوال مئة عام من محدودية التحديث، بل والتراجع المزمن وبساعات تشغيل طويلة وأجور محدودة.

لحسن الحظ أن مرت بنا عبقريات نادرة كصلاح أبو سيف ويوسف شاهين وغيرهما. ولكن هذه العبقريات الإبداعية لم تصادف ما تستحقه لا قبل 52 ولا بعدها، لا في القطاع الخاص ولا في القطاع الحكومي، ناهيك عن الجهاز البوليسي السخيف المخصص للرقابة على الإبداع والذي لا نفهم سببا لوجوده مع تاريخنا الطويل من الأفلام المنحطة إلا لحماية النظام السياسي من النقد، ولولا هذا كله لكانت لدينا سينما عالمية ومجيدة بحق.

حين دخلت السينما في كبوة النصف الأول من التسعينات هل هب لنجدتها أحد؟ لا أحد. لا الدولة ولا كبار النجوم ولا غرفة صناعة السينما. وقبل ذلك، حين كانت أفلامنا تُسرق في العالم العربي والغربي على السواء، هل تصدى للدفاع عنها البرلمان بتشريعاته؟ أم اقتصر دوره كالعادة على تقديم الاستجوابات الغريبة لبعض الأفلام؟ وحين راجت السينما مرة أخرى بفعل الحضور الجماهيري الشبابي، واحتاجت من أجل تطوير أرباحها إلى تقديم صوت وصورة أفضل وأفلام حركة وما إلى ذلك، فهل كانت مؤسساتنا السينمائية جاهزة للقيام بهذا الدور؟ أم اضطررنا للسفر للخارج أو لاستجلاب الأجانب – ولو من جنوب أفريقيا بالمناسبة – كلما أردنا فعل أي شيء متطور دون أن نبني على هذه التجارب للاستفادة منها مستقبلا؟ أين المعامل؟ أين المعاهد؟ أين الحرف المحيطة بصناعة الفيلم؟ أين مراكز الأبحاث التي يستقي منها الفيلم بياناته ومعلوماته؟ أين دور العرض الشعبية؟ أم أن الاكتفاء بأرباح شاشات المولات يغني عن تطوير قاعدة المشاهدة؟ ومعهد السينما، ماذا كان يفعل قبالة موجة سينما المقاولات في الثمانينات؟ هل كان يعمل بجد لتخريج جيل جديد من المبدعين الذين سيتجاوزون ذلك المأزق؟ أم على توظيف أبناء الوسايط وغلق السوق على عدد محدود من المتعيشين على صناعة الافلام؟ أين كل تلك المؤسسات الغائبة؟ وبمعنى أوضح: أين إنجازات برجوازية السينما، إذا استثنينا منها قدرتها الفائقة على تكوين الأرباح دون تطوير المهنة؟

إصلاح أم ثورة؟

إن متابعة التجارب المتميزة في ساحة السينما الموازية، التي توجد في الهامش الإعلامي شبه المظلم، لابد وأن تؤكد لنا أن في مصر مبدعين، ولكن ليس في مصر مؤسسات سينمائية قادرة على اكتشاف الإبداع وتطويره. إن بحثنا عن سينما تليق بنا وبتراثنا هو بحث عادل. ولكن تصورنا أن يأتي الحل من نفس نمط الاستثمار المأزوم هو الهذيان بعينه. فلكي ننهض بالسينما لابد أولا من توفير عناصر أساسية سياسية واقتصادية وتشريعية وإعلامية لا يمكن انتظارها من البرجوازية وإلا لأجرتها وحدها لمعالجة أزمات السينما المتكررة والمتحصلة عن ضعفها الهيكلي محليا وخارجيا، ولابد ثانيا من تدمير أجهزة محددة أو استبدالها بأخرى عكسية، وهو ما يستحيل على الطبقة الحاكمة عمله بشكل جذري لأنها أجهزة من صنعها ومصممة لحمايتها اقتصاديا وسياسيا. وهذه الرؤية المتكاملة في تقديري هي ما يميز الثوريين عن الإصلاحيين.

فالإصلاحيون واقعون شاؤا أم أبوا تحت جناح البرجوازية ويرون العالم من منظارها الضيق. ولهذا فهم يحبذون التغيير البطيء التدريجي من جهة، ولا يريدون أن يمسوا جوهر العلاقات الاجتماعية فيما يخص الملكية – وسلطة الملاّك بالتالي – من جهة أخرى. وينعكس هذا على تعريفهم لأزمة السينما بطبيعة الحال وعلى تصورهم للحلول. والنتيجة المنطقية لمجمل رؤيتهم هي ثبات النظام السياسي ولو تغير شكله تدريجيا، واستمرار النمط الإنتاجي ولو تغيرت اتجاهاته بسرعة. وعلى الصعيد السينمائي يعني هذا توجيه الاستثمارات صوب الاحتكار وإجراء إصلاحات شكلية على الفيلم والمهنة ككل، ولكن تجاه الأمور الجذرية ستبقى الحدود البرجوازية نفسها ضد التطور الكامل والخلاق للفيلم المصري.

هناك فارق أسطوري بين مشروع الإصلاحيين لتطوير السينما المصرية من أجل مراكمة الأرباح في أرصدة حفنة من المستثمرين الراغبين في التنسيق مع الإمبريالية لا سحقها، وبين الرؤية الثورية التي تربط تقدم الفنون والعلوم بسيطرة الأجراء على وسائل الإنتاج في المجتمع. وهو ما يعني إطلاق كافة حريات التعبير والإبداع وتملّك الأجراء لآليات الثروة – وللقرار السياسي بالتالي – والدعم الكامل للعلم والثقافة والفنون ومحو البطالة ومواجهة المشروع الإمبريالي للعولمة الرأسمالية. هنا فقط لن توجد رقابة على الإبداع، ولا اغتراب للمبدع، ولا استعباد لأجراء المهنة، وسيمكن اكتشاف المواهب وتنميتها على نطاق واسع، وتثقيف الجماهير فنيا، وسينفتح الطريق أمام الإعلام الحر والنقد العلمي، وتذوب الفوارق بين الفيلم التجاري والفيلم المهمش رغم فنياته العالية، ويتمكن كل مبدع من طرح رؤاه التي يؤمن بها واثقا أن كل فيلم سينادي جمهوره بعيدا عن مؤامرات أرباب السوق، كما سيمكن توجيه الإنفاقات صوب مشاريع سينمائية جبارة بعدما يتحرر الفيلم من اللجام البرجوازي الخانق الذي لا يعبد إلا الربح. وهذا التصور ليس يوتوبيا مستحيلة، بل هو بعينه ما حققه فعليا انتصار الثورة الاشتراكية في روسيا 1917 من إنجازات سينمائية خالدة، بينما أعاق تحققه في مصر إحباط الثورة الشعبية في 1919 وسيطرة البرجوازية – لا الأجراء – على آلة الدولة في الحدود التي يسمح بها الاحتلال.