بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

تغريدة البجعة.. مملكة الحكي

* الكتاب: تغريدة البجعة
* المؤلف: مكاوي سعيد
* الناشر: الدار للنشر والتوزيع
* تاريخ النشر: 2008

“رواية تحتل مكانا بارزا بين روايات الحكي”، هذا هو الانطباع الذي ترسّخ لدي في المرتين اللتين قرأت فيهما رواية تغريدة البجعة لمكاوي سعيد. ينطلق الحكي في الرواية في البداية حرا مسترسلا ليبدو وكأنه تداعيا حرا للأفكار والذكريات عن بشر وأشخاص ومواقف مختلفة ومتعددة لا تصنع في أول الأمر ترابطا فيما بينها. ثم يبدأ مكاوي في تناول الخيوط التي نثرها في البداية، ويشرع خطوة بخطوة في نسج بناء الرواية منها، فيضع المواقف والأشخاص كلٌ في موضعه وسياقه الزمني لتكتمل بالتدريج سلسلة الأحداث.

والسرد في الرواية يتم على لسان “مصطفي” الراوي المشارك في الأحداث. أما مركز الأحداث فهو منطقة وسط البلد بما تتمتع به هذه البقعة من طابع “كوزموبوليتاني”. فتجد عوالم متنوعة ومتعددة متجاورة في هذه المنطقة: المثقفون والمهاجرون الأجانب وأطفال الشوارع والنشطاء السياسيين وغيرهم.

يصف الراوي هذا من خلال تجربته التي تتقاطع مع كل هذه العوالم. فتجده مثلا يحكي عن مارشا المهاجرة الأمريكية التي تقيم في وسط البلد و تربطه بها علاقة يعجز هو نفسه عن تحديد كنهها.

يتعرف الراوي من خلال مارشا على عالم واسع من الأجانب المقيمين في مصر، ويرتزق من إعطاءهم دروسا خاصة في اللغة العربية الفصحي والعامية بالإضافة إلى عمله الأساسي في الصحافة.

تسيطر مارشا عليه من خلال هذه النقطة. فهي مفتاحه لعالم الأجانب، وبدونها ستنهار علاقته به ويصبح عسيرا عليه ولوجه والانتفاع منه. وحين تهتم مارشا فجأة بأطفال الشوارع، تدفعه للبحث عن كريم، الصبي الذي يتزعم مجموعة من “شمامي الكلة” كما يطلق عليهم السارد، لكي يساعده في تصوير فيلم تسجيلي عن ظاهرة أطفال الشوارع في مصر، وتحصل هي على تمويل للفيلم من جهات مانحة أجنبية “منظمات دولية ومهرجانات سينمائية”. يساعدها الراوي في البداية مدفوعا ربما بخوفه من خسارتها أو رغبة منه في معرفة العالم الخاص بكريم، ثم ينقلب بعد ذلك عليها كارها ورافضا لكل ما تدفعه للقيام به، وبخاصة بعدما يشاركها جريمتها في إخفاء ما حدث لجوليا.

وجوليا فتاة من جنوب السودان تعطف عليها مارشا وتجعلها تعمل لديها في شقتها. ولكنها تنقلب عليها عندما تشك في أنها قامت بسرقتها. قتقوم باحتجازها بمساعدة الراوي وضربها وتقييدها والضغط عليها لكي تعترف. فتنتحر الفتاة بإلقاء نفسها من الطابق الرابع عشر!

يظل القارئ طوال الرواية ملاحظا لوجود جوليا، لكنه لا يشعر بمأساتها حتي تنتحر! تماما كما حدث مع اللاجئين السودانيين في ميدان مصطفي محمود. ليكتشف الراوي والقارئ معا بعدها كم كانا عنصريين. فجوليا ماتت لأنها سرقت مبلغا تافها كي تسافر مع حبيبها لأمريكا هربا من جحيمها في السودان وفي مصر.

الراوي يعيش إخفاقا متصلا. فعلى المستوي العاطفي يفتقد حبيبته هند التي قتلتها دانة مدفع قديمة من أيام حرب 1973 “حادث له دلالته”. وتظل هند بالنسبة له حبا سماويا يؤرقه فلا أحد يشبهها ولا أحد يحتل مكانها. وعلى النقيض منها زينب: حب غريزي بحت. أما ياسمين فهي بين هذا وذاك. ومع ذلك يحاول وضعها في مكانة هند.

أما على المستوي العملي، فلا الراوي أصبح شاعرا كبيرا، ولا صار كاتبا للأغاني، وأصدقاؤه يتساقطون واحدا بعد الآخر: مثلا أحمد الحلو صديقه الماركسي الثوري الذي قام بتجنيده لإحدي التنظيمات اليسارية السرية انتقل بعنف لأقصي اليمين الديني المتطرف هو وزوجته “الرفيقة” السابقة بنفس التنظيم.

يحدث هذا كجزء من تحولات يرصد الكاتب مظاهرها في روايته، مثل تحوّل شارع خوفو المؤدي لمعهد السينما إلي شارع خاتم المرسلين، وتحريم العمل بالشركات ومؤسسات المجتمع المختلفة لأنه مجتمع جاهلية، وحمي الفضائيات الدينية وبرامج الفتاوي وغيرها من تحولات اعترت المجتمع المصري منذ عهد السبعينات وحتي اليوم.

وهناك صديق آخر يسقط هو عصام الفنان التشكيلي المحب للحياة بشكل واضح. ولكنه حين يفقد حبيبته الآسيوية يسقط في دورة اكتئاب تدفعه لأن يحّول شقته إلي كتاب للذكريات. فعلي كل جدار رسم حبيبته: وهي تقرأ، وهي تتناول الإفطار، وهي تعد الطعام، وهي تضحك. ثم اختلي بنفسه منتظرا الموت “كنت أراه كالبجعة في إيامها الأخيرة حين تستشرف الموت فتتجه إلي شاطئ المحيط وتنطلق في رقصتها الأخيرة وتغرد تغريدتها الوحيدة الشجية ثم تموت”. كان الراوي يصف عصام صديقه ولكن الوصف ذاته انطبق عليه في آخر الرواية كما سنري.

الرواية مليئة بالقصص والتفاصيل ذات الدلالة في سياق الأحداث حتي لو تم النظر إليها بشكل منفصل، مثل واقعة محاولة بعض أطفال الشوارع إزالة وشم الصليب من على مرفق زميل لهم مستخدمين ماء النار، وكذلك الواقعة الطريفة عن إحدي الصحف أيام الدولة العثمانية والتي وصفت الثورة الروسية سنة 1917 بأنها “خناقة” وقعت بالأمس في روسيا وذلك بسبب الرقيب الإعلامي الذي يحذف كل الكلمات التي على شاكلة “حزب” “ثورة” “الشعب” “حقوق” “دستور”.

وقد كان للسياسة بشكلها المباشر، ولأحداث شهيرة في أيامنا هذه، حضورا في الأحداث. فمن حريق قصر ثقافة بني سويف، إلي مظاهرات الغضب ضد الولايات المتحدة الأمريكية الأمريكية، إلي حرب لبنان الأخيرة.

كل هذا جعل من الرواية وبخاصة في قسمها الأخير وثيقة إدانة للواقع ورفض له ورغبة في تغييره: “لو تعلم ياكريم أني الآن أتمني أن أغوص في الوحل.. أريد الموت قذارة.. أن أتطهر بالوسخ.. فربما لن يتجنبني الوسخ ويظهر لي اشمئزازا، العلم والتنظير والبوتقة التي نعيش فيها ونحتمي وراءها من عزلتنا عن العالم الحقيقي، صنعنا عالما أخر موازيااً ليس جميلا ولا محملا بالمثل.. بل عالما تافها متعاليا خاليا من الروح.”.. “لم أكن سيدا في حياتي.. كنت خادما ملعونا لوسائل الرزق.. ختامي مسك وسام وجنون.. عشت غبيا خوافا لم تتجاوز أفكاري قفصي الصدري.. بضعة أشهر قضيتها في المعتقل في أول حياتي أحالتني لسلة قمامة لكل قاذورات العالم.. لم أعد بعدها أجرؤ أن أجالس المسيسين حتي على المقاهي.. هربت إلي الخارج وعندما عدت أختفيت خلف كاميرا تمتلكها أمريكية.. ما الفرق بيني وبين من يملكون دكاكين حقوق الإنسان ومنع تمييز المرأة؟”

الرواية وبالرغم من النقد والتقريع العنيف الذي تقدمه لمثقفي وسط البلد المعزولين والبعيدين عن العالم الحقيقي، وبالرغم من إدانتها للواقع الذي نعيشه بشكل عام، وبالرغم من أن الراوي كانت له جولات بين المظاهرات والتنظيمات السياسية التي تجسد الرفض، إلا أنه لا يبدي إقتناعه بها كوسيلة لتغيير هذا الواقع. فهي في هذه الرواية تبدو كوسيلة للتعبير عن الغضب أكثر منها وسيلة للتغيير.

وفي الوقت ذاته لا تتعرض الرواية، ولا يطرح الراوي، أداة أخري. فتنتهي الرواية بمشهد لبنان وهي تحت القصف الاسرائيلي الوحشي. والراوي ينسحب من الحياة وهو يحشو عينيه بمشاهد الأطفال والمدنيين القتلي جراء القصف، وذلك بعدما قام بتوزيع ممتلكاته. فالشرائط التي قام بتسجيلها للأطفال المشردين وخطة الفيلم وكل شيء، منحه لمخرج مصري يثق في إخلاصه. ومكتبته سيمنحها لابن أخته التي طلبها منه ذات يوم. وأمواله اشتري بها شهادات استثمار لصالح أبناء أخته مستحقة الدفع بعد 15 سنة. وكريم اشتري له محلا وكتبه باسمه محاولا إنقاذه من مصيره المظلم.

وهكذا ينسحب الراوي من الحياة غاضبا على الواقع ورافضا له تاركا لغيره تغييره، بعد أن بذل آخر محاولة في وسعه لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

هذه رواية أجمل ما فيها أنها ليست مجرد رصد جاف للواقع، وإنما تجاوزت ذلك لتصبح استجابة جمالية لآلامنا واحباطاتنا وآمالنا ومخاوفنا.