بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

تشويق المشاهد وتلفيق الدراما

بعد سيطرة الكوميديا لفترة طويلة على المواسم السينمائية الأهم، بدأت سينما التشويق والحركة تحتل بعض من تلك المساحة، ومن إيرادات شباك التذاكر بالتالي. ولعل المثال الأوضح على هذه الشريحة في الموسم الحالي فيلما “خيانة مشروعة” لخالد يوسف، و”الرهينة” لساندرا نشأت.

تقدم هذه النوعية مادة درامية تتشابه مع الأفلام الكوميدية في أنها مادة عقلية خفيفة، مما يعنى أنها لا تنهك المشاهد، الذي قد تنهكه نوعيات أخرى مثل السينما الرومانسية، غير أنها أيضاً لا تتطلب حالة عقلية قوية كالتي في السينما الفنية.

ونوعية أفلام التشويق تلك، نوعية معروفة في كتابة السيناريو، تستند على إخفاء معلومات عن المشاهد وتقديمها بشكل مقتضب في بداية الفيلم حتى تضاعف من انجذاب المشاهد لأحداث الفيلم، وهذا أيضاً عنصر مهم لها تجارياً. يبدأ السيناريو بعد ذلك في الكشف عن معلومات الأحداث شيئاً فشيئاً، إلى أن يصل لختام الفيلم فيستمتع المشاهد بصدمة معرفة الحقيقة بنفس القدر الذي أمتعه إخفائها في بداية الفيلم.

خيانة مشروعة.. محاولة فاشلة لفيلم “ذي أبعاد”

أراد المخرج خالد يوسف في فيلمه “خيانة مشروعة” -وهو أيضاً كاتب السيناريو- أراد بهذه التجربة أن يقدم للمشاهد المصري فيلماً تشويقياً يستند على جريمة في بداية الفيلم ثم يحل خيوط الجريمة شيئاً فشيئاً. أثناء عملية حل الخيوط تلك يتعرف المشاهد على الأبعاد الشخصية لمسرح الأحداث ليكشف في النهاية حقيقة القضية كلها. يبدأ الفيلم بجريمة قتل يقوم بها هشام البحيري (هاتى سلامة) بعد أن يشاهد شقيقه الأكبر صلاح (عمرو سعد) في حضن زوجته نهلة. يقتل هشام الاثنين معاً، فيما يبدو أنه حالة واضحة لجريمة شرف متكاملة الأركان. هنا الدليل الأساسي بالنسبة للمشاهد على حدوث الجريمة هو حدوثها واضحة أمام عينيه، غير أن رغبة خالد يوسف في خداع المشاهد وصلت إلى حد الالتفاف على الصورة بأن جعل مشهد ما قبل التيترات لضابط شرطة سجون (سيف عبد الرحمن) يقرأ بعض من ملف قضية هشام البحيري ضمن ملفات الإعدام. هذا قبل أن نري مشهد الجريمة الواضحة، مما يجعل الارتداد عن تفاصيل الجريمة بعد ذلك مبرراً من الناحية المنطقية، إذ أن ما شهده الجمهور ليس إلا ما يتخيله هذا الضابط أثناء قراءته للملف. بدا هذا الالتفاف ضعيفاً وهشاً من الناحية الدرامية، فجريمة كتلك من الممكن أن تبدو أكثر قوة وتأثيراً إذا ما تم تصويرها بطريقة غير كاملة، وبعد ذلك يتم استكمالها في أثناء الفيلم لتعطي نهاية مغايرة للمعلومات التي بدت في البداية. غير أن هذه الطريقة تحتاج إلى تركيز أكبر وقدرة أعلى في حبكة السيناريو مما قدم فعلاً في دراما الفيلم ككل. تسببت طريقة الخداع تلك، لأنها لم تكن محكمة الحبكة، تسببت في إهمال المخرج لحالة التغير الحادة في طبيعة الشخصيات طوال الفيلم خاصة شخصية البطل هشام. يبدأ الفيلم بإظهار هشام شخص شرير عنيف لا يتورع عن قتل العديد من الأفراد، حتى أقرب الناس له. يتحول الفيلم، بعد ذلك، ليقنعنا أن هشام هذا شخص طيب القلب مرهف الحس، إنما الذي دفعه لهذا العمل هو عشيقته شهد (سمية الخشاب)، التي يظهرها الفيلم في البداية فتاة فقيرة مغلوبة على أمرها، لكنها تتحول في نهاية الفيلم “لامرأة خارقة”.

وبنفس طريقة تعامل المخرج مع هذه التناقضات فإنه يخلق المبررات محاولاً إقناع المشاهد بأن تلك هي عملية سير دراما التشويق في الفيلم: خلق الفكرة ثم تطويرها للوصول لعكسها. فنجد أن السيناريو يضع مشهدا لضابط المباحث الذي يحقق في القضية وهو يستجوب عدداً من الشهود حول الجريمة، ويصبح الاستجواب هذا عرضاً لشخصية هشام القاتل. نكتشف بعد هذا المشهد أن هشام مليء بالتناقضات، كمبرر لما سيلي عند الكشف عن تفاصيل الجريمة الحقيقية. بنفس الطريقة يعرض المخرج جانباً من شخصية هشام القاتلة في الجريمة التي قتل فيها شاب وهو يطارده بالسيارة بسبب صراع على فتاة. الفيلم يمتلئ بالعديد من الصدف، التي تعد مأخذاً من ضمن المآخذ العديدة على السيناريو. نأخذ مثلاً قصة الصديقتين شهد ونهلة اللتان، فلديهما طموح للعمل في شركات البحيري، ومن ثم تصبح واحدة منهما زوجة له والثانية عشيقته.

ومهما يكن من تبرير في الدراما لهذه العلاقات، فإن الصدفة لم تبدو ذكية علي الإطلاق بل كانت شديدة الافتعال. كذلك فإن الخط الدرامي للصحفية ريم (مي عز الدين)، التي تكتب عن فساد شركات البحيري وتذهب لمقابلة القائم بأعمال رئيس المجموعة صلاح البحيري، فيقنعها ليس فقط بأن شركاتهم وأعمالهم من نوع الأعمال الوطنية بل يقنعها أيضاً بالزواج منه. الفيلم بهذه الطريقة فيلم تجاري عادي عن جريمة وعلاقات متنوعة، غير أن خالد يوسف أراد أن يضيف بعض التوابل التي يمكن أن تنقل العمل إلى مكانة أفضل قليلاً. فنجد من ضمن الاستجوابات التي أراد الضابط القيام بها التعرف على زوجة المجني عليه الصحفية، فيذهب إلى رئيس تحرير الصحيفة -نعرف أنها الدستور- التي تعمل بها، هنا يظهر مقطع في سيناريو الفيلم من أضعف المقاطع على الإطلاق ألا وهو جانب التحليل السياسي لثروة البحيري الأب. يبدأ إبراهيم عيسى حديثاً مرسلاً عن أن الأب كان عاملاً في مصنع ثم التحق بالعمل السياسي في الاتحاد الاشتراكي في الستينات، وبعد الانفتاح الاقتصادي في السبعينات قام بعمل العديد من عمليات التهريب وكون ثروة تضخمت فيما بعد بسبب الفساد في العقود اللاحقة. يظهر الأبد في مشهد تالي وهو يتفق مع قادة الحزب الحاكم والشرطة لقمع المعارضة أثناء الانتخابات البرلمانية ببعض من رجاله ووقوف الشرطة على الحياد، ولا مانع أن يغازل خالد يوسف اليسار المصري بعرض مقطعاً لخطبة كمال أبوعيطة مرشح اليسار في الجيزة في انتخابات 2005. لم تتوقف المراهقة السياسية عند هذا الحد بل أن الفيلم يضاعف منها بشكل أكبر عندما تقرب هشام البحيري لريم زوجة شقيقه، وأرادت أن تجعله يري الجانب الآخر من حياة مصر. يعرض الفيلم تفاصيل سطحية عن أصالة مصر وعراقتها: “أكل الفول من على عربية”، “الاستماع لموسيقى العود والأغاني الوطنية في مقهى في حي مصري قديم وسط أثار القاهرة”، “شرب عصير القصب في محل عصير عريق”، كل هذه التفاصيل لم تضيف إلى دراما الفيلم سوى درجة من السذاجة والسطحية. بعد ذلك يتحول هشام البحيري ليساعد ريم على تحويل جزء من أرباح الشركة للأعمال الخيرية التي تساعد الفقراء.

الرهينة التشويق مع “رشة كوميديا”

يقدم فيلم ساندرا نشأت “الرهينة” دراما التشويق ولكن في إطار أقرب لأفلام الحركة. يبدأ الفيلم، الذي تدور أحداثه في أوكرانيا، بفتاة تدعا إلينا (نور) تعزف على الكمان ضمن أوركسترا في مكان يبدو من المسارح الهامة في العاصمة كييف. تتلقى إلينا مكالمة لنجدها في المشهد التالي واقفة أعلى مبنى تحمل على كتفها بندقية بمنظار لتغتال رجل في زي جنرال عسكري، نعرف أنه زعيم دولة أفريقية. تريد ساندرا في هذا المشهد، وربما طوال الفيلم، مضاعفة الصنعة التي تؤكد على معاني الدراما، ففي هذا المقطع تؤكد على دهاء وحنكة القناصة إلينا التي من الممكن أن تتبنى هويتان تتناقضان تماماً.

تنقلنا القصة التي كتبها نبيل فاروق (صاحب سلسلة روايات الشباب الشهيرة رجل المستحيل) إلى مقطع عن شاب مصري يدعى مصطفى (أحمد عز)، هو مثال الشباب العاطل الذي يذهب إلى الخارج للبحث عن عمل عن طريق الحصول على فيزا سياحية ليعمل بها بغض النظر عن شرعية وجوده. ومن المشاهد اللطيفة في الفيلم مشهد مصطفى وهو يتعرف على راكب الطائرة د.مكرم (صلاح عبد الله) متحدثاً إليه بمنتهى البساطة الأقرب إلى السذاجة.

غير أن ظهور مصطفى قبل هذا المشهد كان ظهوراً سخيفاً إلى حد كبير، فصانعي الفيلم أرادوا حقاً أن ينافسوا دراما الكوميديا بدراما تشويق وحركة إنما على أرض الكوميديا أيضا،ً فيقدمون البطل المصري التقليدي الذي يخلط الهزل بأي شيء، حتى في أحلك اللحظات.

الفيلم يبدأ على عدة خطوط درامية. أولاً خط بحث مصطفى عن عمل بمعاونة صديقه المقرب له عماد (محمد شرف)، الذي هاجر لأوكرانيا منذ عدة سنوات ويبعث لأهله وصديقه خطابات يؤكد فيها أن لديه مشاريع وأنه أصبح رجل أعمال. يصدم مصطفى بعدما يعرف أن عدد ضخم من الشباب المصري، بما فيهم عماد، ينامون جميعاً في غرفة واحدة كبيرة.

الخط الثاني هو خط دراما اختطاف البروفيسير، الحائز على جائزة نوبل في علوم الطاقة النووية، من خلال مجموعة تتزعمها إلينا. تدعي المجموعة أنها مجموعة إسلامية، وبالأخص عندما تعرض فيلم فيديو أقرب في تصويره لإعدام الرهائن في العراق على طريقة القاعدة.

يتحول الفيلم فجأة من رغبة العصابة في قتل الدكتور إلى رغبة إلينا ومن معها في تشغيل مفاعل نووي متوقف مثل تشرنوبل، والمثير للضحك هنا أن الدكتور بمفرده سيرمم مفاعل نووي حوائطه المعدنية مصابة بالصدأ. لم يكن هذا التحول المفاجئ أو استحالة المهمة هما فقط المثيران للضحك بل أيضاً المعنى خلف دراما الفيلم وهي التي تناولت مفاهيم مثل “الوحدة الوطنية” و”عنصري الأمة”. فلدينا صداقة تكونت بسرعة بين مصطفى الشاب العاطل ومكرم الدكتور المسيحي، أيضاً هناك صداقة وأخوة ترجع إلى صداقة الأمهات أصلاً بين مصطفى وعماد كذلك معهم من ضمن شلة الشباب كلاوي (ماجد الكيدواني) المسيحي.

بعد عرض شريط اغتيال الدكتور على الشاشة على أساس شديد السذاجة وهو أنه عالم مسيحي “كافر” يحدث توتر طائفي في مصر يظهر صداه بين مجموعة المصريين الزملاء في أوكرانيا. غير أنهم سرعان ما يكتشفوا خطأهم. هنا تتحول حركة الفيلم إلى الصراع على الكمبيوتر المحمول للبروفيسور الذي يعتقد البعض، بما فيهم العصابة، أنه يحتوى على كشفه العلمي عن تطوير تخصيب اليورانيوم بتكلفة ضعيفة تنافس بها الدول العظمى.

بهذه الصورة يصبح الفيلم ناقصاً العنصر النسائي العاطفي، فالعنصر الموجود هو عنصر شرير. لكن منذ الربع الأول للفيلم وصناعه يختلقون خطاً درامياً خفيفاً لمذيعة شديدة الجرأة، ليس لها أهمية تذكر في سير الدراما لكنها من توابل الأفلام التجارية.

سينما الكوميديا والتشويق وافتقاد المضمون

الرغبة الحقيقية لمنافسة الكوميديا الجديدة لا تعنى على الإطلاق التغاضي عن المشاكل والأخطاء التي قدمتها أفلام التشويق، لمجرد أنها تكسر احتكار نوعية واحدة من الأفلام وتوسع من مساحة السينما التجارية في مصر. الواقع أنه من المهم التوقف عند أخطاء جميع النوعيات المعروضة في السينما المصرية بغض النظر عن إلتماس العذر للمخرج أو لنوعية الأفلام. وإلا سنجد أنفسنا نقول أن سينما التشويق والحركة في بداياتها، وبالتالي من الممكن أن التسامح مع بعض الأخطاء كما حدث مع فيلم مافيا من إخراج شريف عرفة. أو كما قيل من قبل عن أفلام الكوميديا الجديدة التي عانى بعضها من المشاكل الفنية، والتي تسامح معها البعض، بدعوى أنها أعادت الجمهور المصري لدور العرض السينمائي بعد غياب تسبب في أزمة السينما الشهيرة في التسعينات. ولكن تظل الأخطاء مستمرة، وتظل سينما الكوميديا وأيضاً التشويق سلسلة من الأخطاء بلا مضمون لا يشفع لها أنها تحقق إيرادات.