بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

فن وأدب

جدارية ساويرس وعبد العزيز جمال الدين

أوراق مسكوت عنها وهامش يتحول إلى متن

على مدى أكثر من ستة آلاف صفحة من القطع الكبير، استطاع عبد العزيز جمال الدين، محقق كتاب “تاريخ البطاركة” لساويرس بن المقفع الصادر عن مكتبة مدبولي، أن يحيط بدقة وشمول نادرين بتاريخ مصر منذ دخول المسيحية، أي منذ بدايات القرن الأول الميلادي، وحتى نهاية القرن العشرين.

“تاريخ البطاركة” عانى من الإهمال طويلا بسبب الاعتقاد الخاطئ لدى الكثيرين بأن الكتاب مخصص لآباء الكنيسة المصرية منذ مارمرقس، أول الآباء ومؤسس الكرسي الرسولى، بينما الحقيقة أنه كتاب شامل جامع لتاريخ مصر، كما أنه صوت المصريين القبط الذين ندر أن نستمع لصوتهم في تلك الفترة.

أما ساويرس بن المقفع ـ مؤلف الكتاب ـ فهو “ساوري” المعروف باسم “أبو البشر بن المقفع الكاتب” المولود على الأرجح عام 915 م من والد لقب بالمقفع، ولا علاقة لهذا اللقب بلقب عبد الله بن المقفع الكاتب الشهير الذي عاش في القرن الثامن الميلادي ونقل كتاب كليلة ودمنة إلى العربية، بل يعود هذا اللقب لكلمة مصرية قديمة.

وإذا كان الغزو العربي لمصر قد جرى عام 639 م ، فان صاحبنا عاش وكتب أعماله بعد ثلاثة قرون تقريبا من هذا الفتح. وحسبما يؤكد عبد العزيز جمال الدين، فإن ساويرس “تربى تربية علمية تليق بمثقف ذلك الوقت، فجمع بين العلوم الدينية والعلوم الدنيوية، وعرف الفلسفة التي كانت مزدهرة في ذلك الوقت في الإسكندرية، وعلوم الكلام التي قرأها في مصادرها، وأتقن اللغة العربية الوافدة وطوّرها في شكلها المصري وعمل في الوظائف والدواوين”.

ترقى ساويرس في الجهاز الإداري للدولة، وكان من بين القليلين من المصريين الذين اقتضت وظيفتهم أن يتضلعوا اللغة العربية التي كانت ما تزال تعتبر حديثة في ذلك الوقت. وعندما وصل إلى أعلى المناصب في ذلك الجهاز، تخلى عن وظيفته طواعية ليترهبن في أحد الأديرة متفرغا للكتابة. ثم ما لبث أن اختير أسقفا للأشمونين وغيّر اسمه من “أبو البشر” إلى الأنبا ساويرس على اسم البطرك الذي وسمه أسقفا.

المثير للدهشة أن أحدا من المؤرخين المعاصرين أو اللاحقين عليه لم يترجم له، على الرغم من الدور الذي لعبه كمؤرخ، وربما أنه اعتبر مجرد رجل دين قبطي تنحصر أعماله في الشأن الديني وحده. وذكر الأنبا ميخائيل، أحد الأساقفة في زمن الخليفة المعز الدين الله الفاطمي، وممن أكملوا كتاب “تاريخ البطاركة” بعد وفاة ساويرس، ذكر 20 كتابا لساويرس وصلت إليه، ومن المرجح أن كتبا أخرى عديدة لم يُعثر عليها.

وعندما كلفه الخليفة المعز لدين الله الفاطمي بتأليف الكتاب، نهض الرجل بعبء ثقيل، حيث طاف بأغلب الأديرة المصرية ليجمع المعلومات والأخبار، فضلاَ عن ترجمة الوثائق القبطية واليونانية إلى العربية. وفى الوقت الذي كان ساويرس يكتب فيه سيرة كل بطريرك منذ زمن الإمبراطور الروماني أغسطس قيصر وحتى بداية حكم الخليفة الفاطمي الآمر بأحكام الله، كان يكتب أيضا عن الأحداث السياسية والدينية والاجتماعية، وانتقال مصر من التبعية للخلافة إلى الاستقلال الذاتي خلال حكم الدولة الطولونية ثم الأخشيدية وحتى الخلافة الفاطمية.

ونظرة سريعة على الصفحات التي كتبها في تاريخ الآباء البطاركة، تؤكد مدى الخطأ الذي ارتكبه المؤرخون بإهمالهم له واعتباره مجرد كتاب في التاريخ القبطي، لأن الرجل كتب بالتفصيل عن أيام الرخاء وأيام القحط والمجاعات، وعلاقة البطاركة بالولاة والأمراء العرب، ومركز المصريين في ظل السلطة الإسلامية ومدى تمتعهم بالحرية الدينية، وأسماء الأقباط الذين شغلوا الكثير من الوظائف، خصوصا المالية والإدارية التي برعوا فيها، فهم أبناء حضارة عريقة وأول من أسس دولة بيروقراطية، بينما كان العرب قد انتقلوا وبفضل الدين الإسلامي من مرحلة شبه البداوة إلى مرحلة الدولة فجأة. كما أوضح ساويرس أن أغلبية المصريين اضطروا لدخول الإسلام تخلصا من الجزية المفروضة عليهم، بينما اضطر الآخرون الذين بقوا على دينهم للمقاومة السلبية المتمثلة في الهروب وهجر الأراضي الزراعية منذ خلافة الوليد بن عبد الملك الأموي (705 ـ 714 م)، وتزايد الهروب في ولاية قرة بن شريك، ثم تزايد أكثر في زمن خلافة سليمان بن عبد الملك بعده.

وهكذا حفظ ساويرس معلومات ووقائع وأحداث لم يشر إليها المؤرخون الآخرون إلا على نحو عابر، مثل ثورة البشموريين التي اندلعت في أوائل القرن التاسع للميلاد في أحراش ومستنقعات الدلتا. ونالت الإسكندرية مثلا عناية خاصة منه لأنها كانت مقرا لبطريركية الأقباط. فيذكر أنها ظلت حتى عصر الأخشيديين تعتبر في الغالب جزءا مستقلا عن مصر. وكان الأمير أحمد بن طولون أول من تقلد ولاية مصر كاملة بما في ذلك الإسكندرية بمرسوم خاص من الخليفة العباسي. وفى هذا السياق يثنى ساويرس ثناء خاصا على الخليفة المتوكل العباسي لأنه أمر بتوصيل قناة لمياه النيل إلى المدينة وقبل ذلك لم تكن المياه تصل إلا وقت الفيضان.

ويشترك ساويرس مع غيره من المؤرخين المسلمين مثل ابن ميسر والمقريزي وابن تغر بردى في الإفاضة حول فترة المجاعة التي عرفت بالشدة المستنصرية أثناء حكم الخليفة المستنصر بالله الفاطمي. وإذا كان المؤرخون السابقون قد أوردوا تفاصيل دقيقة حول المجاعة ذاتها، والتي وصلت إلى حد أكل البغال والحمير الميتة بل والبشر، فان ساو يرس عُنى بالقلاقل وحروب الانفصال بين القبائل وفرق العسكر المتناحرة على مدى سبع سنوات هي فترة المجاعة.

أما الحروب الصليبية فقد تناولها ساويرس على نحو يليق بكاتب ومفكر مصري. فعلى الرغم من أنه رجل دين مسيحي، إلا أنه لم يعتبر تلك الحروب حربا بين الإسلام والمسيحية، بل وصف الصليبيين بالغزاة أعداء الشرق.

وحسبما ذكر عبد العزيز جمال الدين محقق الكتاب، فإن مخطوطاته محفوظة في عدد من مكتبات العالم الكبرى: في المكتبة الوطنية بباريس، والمتحف البريطاني، ومكتبة الفاتيكان، إلى جانب المتحف القبطي بالقاهرة. وكان أول نشر له عام 1713 م في باريس، ثم توالى تحقيقه ونشره فى أجزاء غير مكتملة حتى عام 1974 م، حيث نشر المجلد الرابع عن الجمعية القبطية في مصر.

والواقع أن كتاب ساويرس حافل بالوقائع والأحداث التاريخية المتعلقة بالوطن بكامله، ولم يقتصر مطلقا على آباء الكنيسة. وإذا كان مؤرخو الكنيسة وآباؤها قد استكملوا الكتاب حتى البابا شنودة (1971 ـ) بعد رحيل ساويرس، فإن واضع الأساس ومن أخذ على عاتقه الطواف بالأديرة المنتشرة هنا وهناك، ومن ترجم وحقق الفترات الأولى من مخطوطات مكتوبة بالقبطية واليونانية، هو ساويرس.

غير أن ما فعله محقق الكتاب عبد العزيز جمال الدين هو انجاز ضخم بكل المقاييس، ويمكن القول باطمئنان شديد أن إضافاته لا تقل بأي حال من الأحوال عن المتن الذي حققه. قد يكون البعض اطلع على الإنجاز الباهر الذي كان قد حققه من قبل في تحقيق كتاب الشيخ الجبرتي الشهير، وإضافاته على الكتاب لا تقل أيضا عن المتن، وقراءة نص الجبرتي وحده مهما كان التحقيق رصينا وعلميا، لا تكتمل إلا بقراءة هوامش المحقق والنصوص التاريخية التي أعاد تحقيقها أو نقلها من مصادرها.

وإذا بدأنا من الجزء الأول مثلا، فإن إضافات المحقق لا تقتصر على الخرائط والرسومات والعملات والأيقونات ولا التعريفات والهوامش فقط، بل تجاوزت ذلك كثيرا. حيث قام بتقسيم الصفحة إلى جزئين: الأول هو متن ساويرس، والثاني هامش يعلّق على المتن ويتجاوزه ويفوقه من عدة وجوه. فمثلا يكتب ناسخ المخطوط في تقديمه: “خلف الأب البشير ماري مرقس الإنجيلي المبشر بالإنجيل المقدس وبشرى السيد المسيح بالمدينة العظمى إسكندرية وإقليم مصر وأقاليم الحبشة والنوبة والخمس مدن بالمغرب وهى أفريقية وما معها.”

لا يكتفي المحقق بشرح معاني الكلمات، بل يقوم بتزويد القارئ بملحق تم تحريره من خلال عدد كبير من الأعمال التاريخية عن وضع مصر في الإمبراطورية الرومانية. وعندما تتحدث المخطوطة عن الإمبراطور قسطنطنين وعلاقته بالمسيحية، فإن المحقق يزودنا بملحق آخر اعتمد فيه على الأعمال التاريخية التي تعرضت لهذا الموضوع، كما يزودنا بملحق آخر عن قوانين المجمع المسكونى الأول، وملحق آخر حول ما ترتب على مجمع خلقدونية عام 451 م ، وآخر عن الشرق بعد هذا المجمع، وآخر عن الآريوسية والمليتية.. وهكذا.

ومنذ استيلاء العرب على مصر زمن البطرك بنيامين الأول (622 ـ 661 م) يتسع الهامش ويتجاوز المتن. فالأخير مثلا يتحدث عن أن الإمبراطور الروماني هرقل “أقام أساقفة في بلاد مصر كلها إلى أنصنا، وكان يبلي أهل مصر بلايا صعبة وكمثل الديب الخاطف كان يأكل القطيع الناطق ولا يشبع”، ثم يضيف: “ومن بعد أيام يسيرة ثار رجل من العرب من نواحي القبلة من مكة ونواحيها اسمه محمد فردّ عباد الأوثان إلى معرفة الله وحده وأن يقولوا أن محمد رسوله. وكان أمته مختونة بالجسد لا بالناموس، ويصلون إلى الجهة القبلية مشرقين إلى مكة”، بينما يعود المحقق إلى عشرات الأعمال التاريخية التي تعرضت للغزو العربي لمصر ويقوم بتحريرها ليعيد بناء تفاصيل الغزو، سواء كانت هذه الأعمال حديثة أو معاصرة للغزو أو قريبة منه.

وتتوالى الملاحق المصاحبة للمتن لتوضيح وشرح أوضاع الإمبراطورية الرومانية قبيل الغزو العربي، واليهود الذين كانوا موجودين في بنتابوليس (برقه) قبل المسيحية، والثورات اليهودية منذ الثورة الأولى عام 70 م، ثم الغزو الفارسي لمصر، وتفاصيل استيلاء العرب على مصر، وحصار حصن بابليون وفتحه، وتسليم الإسكندرية، وإعادة الأب بنيامين الذي كان هاربا من اضطهاد الرومان. كما يخصص صفحات طويلة قام بتحريرها عن شخصية المقوقس الذي كان حاكما على مصر من جانب الرومان لحظة الغزو. ويستعيد المحقق كل ما يتعلق بوضع الكنيسة المصرية ودورها، بل وترتيب انتخاب الأسقف ورسامته من خلال مصادر ومراجع قديمة وحديثة (الكتاب المقدس ـ مخطوطة قوانين البيعة ـ وليم سليمان قلادة ـ مجموعة Nicene & post -Nicene fathers ـ عوني برسوم ـ القمص مرقس داود ـ جرجس فيلوثاوس عوض ناشر المجموع الصفوى لابن العسال – الخ الخ)، كما يورد مراسيم اضطهاد الأباطرة الرومان للمصريين. وبسبب الدور الخاص والمتميز للرهبنة المصرية، فإن المحقق يزود كتابه بملاحق تشمل كتبا كاملة تتجاوز ـ كما سبق أن أشرت ـ متن ساويرس من خلال الوثائق والكتب العربية وغير العربية.

وهكذا فإن القارئ لن يطالع كتاب ساويرس في الحقيقة، بل سيتأمل ويدقق في تاريخ مصر المسكوت عنه والمبعثر هنا وهناك، والغامض في أحيان كثيرة، بسبب سيطرة الصوت الواحد. ثم يتقدم المحقق خطوة وخطوات أخرى عندما يقدم، منذ الجزء الثاني بعد غزو مصر، رؤية وخطاب المؤرخين المسلمين منذ ولاية عمرو بن العاص، ليس هذا فقط، بل يحرر المحقق أعمال هؤلاء المؤرخين ليخرج برواية متكاملة يضعها في الهامش السفلى، أي أن القارئ سيقرأ الروايتين معا: رؤية ساويرس ورؤية المؤرخين المسلمين.

والواقع أن ساويرس يهدف من تراجم البطاركة وسيرهم إلى غرض ديني بحت هو تمجيد الدين المسيحي والإشادة بالمذهب الأرثوذكسى وبيان جهاد البطاركة في سبيل حمل أمانتهم. إلا أن هذا لا ينفى انفراده بعدد من الأمور التي لم يتناولها المؤرخون المسلمون، مثل اضطرار المصريين للتحول إلى الإسلام بسبب الجزية، وفى ظل الظروف الاقتصادية البالغة الصعوبة التي وصلت إلى حد هجرة الأراضي الزراعية أو الهروب منها، حتى أنه في ظل خلافة الوليد بن عبد الملك الأموي صدر أمر بوسم الفارين على أيديهم بالأختام المحماة بالنار حتى يتم التعرف عليهم.

ثم انتقل المصريون من المقاومة السلبية إلى الثورة التي اشترك فيها من تحولوا إلى الإسلام من القبط ومن لم يتحولوا، أى أنها كانت على نحو ما ثورة ضد الظلم (المعروف أن العرب بعد الاحتلال فرضوا على المصريين الجزية وعلى أراضيهم الخراج، في الوقت الذي عاملوا فيه الأراضي التي نهبتها قبائلهم بنظام الزكاة، أى تحصيل العشر). وحسبما أوضح عبد العزيز جمال الدين: “من الوجهة النظرية كان المصري الذي يعتنق الإسلام تصبح أرضه عشرية، ولكن الحكام العرب رأوا في هذا جلّ الخطر على ماليتهم، وأصبح المصري إذا اعتنق الإسلام لا تعفى أرضه من الخراج حتى لو أسقطت عنه الجزية. كانت الأرض كافرة رغم إسلام صاحبها”.

والحال أن المصريين الأقباط لم يثوروا وحدهم، بل إن المصريين المسلمين، الذين كان عددهم قد ازداد وأصبحوا يملكون أراضى خراجية، اشتركوا معهم، خصوصا خلال الثورة العنيفة التي قام بها البشمور في المنطقة الرملية الساحلية بين فرعي دمياط ورشيد، وفى تنيس ومنطقة الحوف الشرقي. والمثير للدهشة أن أحدا لم يول عنايته لهذه الثورة من الكتاب المعاصرين إلا الروائية سلوى بكر في عملها الروائي الجميل “البشموري”، واعتمدت أساسا على ما أورده ساويرس.

وطوال القرن الثامن الميلادي ظل الأقباط يثورون ثورات متعددة على الرغم من القسوة والعنف الذين كانت تواجه بهما ثوراتهم. وبطبيعة الحال كان يتبع إخماد تلك الثورات تحول كثير من الأقباط إلى الدين الإسلامي. كتب عبد العزيز جمال الدين: “وكان آخر تلك الثورات وأعظمها تلك التي انتهت في بداية القرن التاسع الميلادي (832 م) بمجيء الخليفة المأمون وإبادته للثائرين. ويخبر ساويرس عن هذه الثورة فيقول أن “الخليفة المأمون صحب معه إلى مصر البطرك ديونوسيوس بطرك أنطاكية وأنه استعان به وببطرك الأقباط الأنبا يوساب لإخماد ثورة البشموريين وسير قائده الأفشين لمحاربتهم، ثم سار إليهم بنفسه على رأس جيوشه وقضى على حركتهم”.

أما من تبقى بعد هزيمة الثورة، فقد شحنهم الخليفة المأمون كأسرى مهزومين إلى بغداد حسبما كتب ساويرس نفسه: “ثم بعد ذلك أمر المأمون أن يطلب من بقى من البشموريين بكورة مصر وأن يسيروا إلى بغداد، فسيرو وأقاموا في الحبوس مدة كبيرة حتى أراد الله خلاصهم من يد إبراهيم الملك بعد أخيه، فمنهم من رجع إلى بلده ومنهم من بقى هناك ببغداد وأنشو “أى أنشأوا” بساتين وأقاموا هناك إلي اليوم وهم إلى اليوم يسمون أهل البشروديين.” ثم يضيف المحقق في الهامش: “تذكر بعض المصادر أن البشموريين تم توطينهم في مستنقعات الأهواز (شط العرب) في جنوب العراق المطل على الخليج الفارسي ليصلحوا أراضيها لحساب العباسيين، وذلك في ظل ظروف مناخية سيئة وأمراض الملاريا والقحط الشديد، ولعل بقاياهم شارك بعد ذلك في ثورات الزنج على الخلافة العباسية، نظرا لتمرسهم بأساليب القتال في المستنقعات عندما كانوا في براري شمال الدلتا بمصر”.

من جانب آخر فإن القارئ أمام أكثر من أربعة عشر قرنا من تاريخ الغزو وستة قرون قبلهم، حيث التحولات الكبرى والانتقالات المفاجئة والهزائم والانتصارات، أي ذلك التاريخ المعلن والمحقق من جانب الأقباط (ولا يمثلهم ساويرس وحده بل عشرات ومئات المصادر) ومن جانب المسلمين بكبار مؤرخيهم سواء كانوا مصريين من شهود العيان ممن شكلوا المدرسة المصرية المتميزة في التاريخ بدءا من ابن عبد الحكم وحتى الجبرتي مرورا بالمقريزي وابن تغر بردي وابن إياس الخ الخ، أو من المؤرخين المسلمين والثقاة مثل الطبري والأصفهاني وابن خلدون وغيرهم وغيرهم..

نحن إذن إمام ترسانة ضخمة من المادة التاريخية المؤلفة أو المترجمة المزودة بهوامش وملاحق عديدة. وتحتل الرؤيتان والخطابان الرئيسيان لمؤلفي تاريخ الآباء البطاركة، أي ساويرس ومن تبعه حتى البابا شنودة من جانب، والكتاب المسلمون مصريين وعربا من جانب آخر، تحتل كل منهما مكانها، ليس بوصفهما متعارضين متناقضين، بل أن كلا منهما يكشف جانبا من الواقع، خصوصا وأن الهدف الظاهر والمعلن لكتاب الآباء البطاركة هدف ديني.

ومنذ ولاية عمرو بن العاص نقرأ روايتين: الأولى رواية ساويرس والثانية الرواية التي حررها المحقق على لسان المؤرخين المسلمين لما كان يجرى في مصر وكل أرجاء الإمبراطورية الإسلامية. ولنقرأ مثلا بعض عناوين الهوامش السفلية ـ أي تلك المنشورة في النصف السفلى من الكتاب ـ في الجزء الثاني: موقف المصريين من الحركات السياسة والدينية التي ظهرت في الخلافة. وفاة هارون الرشيد وقيام الصراع بين ولديه الأمين والمأمون. غزو الأندلسيين للإسكندرية واستقرارهم بها. خروج الأندلسيين من الإسكندرية بعد حوالي اثني عشر عاما. ملاحق خاصة بمصريي النوبة. هجرة القبائل العربية إلى مصر ومنها إلى السودان. مطالعات في الفكر الإسلامي من العصرين الأموي والعباسي. العصبية العربية في مواجهة المصريين. علم الأنساب العربية.

هذا هو تقريبا المنهج الذي ساد على مدى صفحات المجلدات الستة. وهنا تبدو مأثرة المحقق وانجازه الهام. فما فعله المحقق ليس أقل من علم موسوعي ينهض به فريق كامل، إلا أنه حمل المهمة على عاتقه، والحقيقة أنه أنجزها. فعلى سبيل المثال يتوقف النص الأصلي ص1538 من الجزء الأخير، لكن المحقق يستكمل سيرة الآباء البطاركة بناء على مصادره وجهده الشخص منذ الأب يؤانس البطرك الثالث عشر بعد المائة (1928 – 1942 م) وحتى البابا شنودة، والمادة التي أضافها لا تقتصر على سيرة البطرك وحده، بل استحدث هامشا خاصا تضمن تسجيلا لأهم الأحداث المصرية والعربية العالمية وفق التقويم السنوي بدءا من يناير 1927 وحتى ديسمبر 2000.

وفى الوقت نفسه عُني المحقق في إضافاته على المتن بالأحداث المفصلية ذات الأثر البعيد، مثل الحروب الصليبية والحملة الفرنسية ومشروع المعلم يعقوب للاستقلال عقب خروج الحملة. وفى الوقت نفسه أيضا يولي اهتمامه للثورة العرابية والاحتلال البريطاني وثورة 1919، وحتى تفوق شارون على باراك بـ21 نقطة في استطلاعات الرأي وإطلاق اسم سوزان مبارك على مدينة المنيا الجديدة فى ديسمبر عام 2000.

شيد عبد العزيز جمال الدين إذن جدارية ضخمة لعشرين قرنا تقريبا من تاريخ مسكوت عن جانب منه، والجانب الآخر منه غائب عن القارئ، وتجميعه وتحريره وتنوع مصادره لم يكن متاحا قبل أن يبذل المحقق هذا الجهد الأسطوري. لذلك لم تكن هناك أدنى مبالغة في أن يكون العنوان الرئيسي للمجلدات الست: “تاريخ مصر من بدايات القرن الأول الميلادي وحتى نهاية القرن العشرين”، لأن القرون الستة السابقة على الغزو العربي موجودة بقوة، سواء من خلال نص ساويرس، أو من خلال هوامش وتعليقات المحقق التي تشكل عدة كتب متتابعة.

وأخيرا فإن من بين مآثر الكتاب الكبرى نظرته إلى تاريخ مصر باعتباره انصهارا جمع بين مصر القديمة والقبطية والمسلمة في سبيكة واحدة قلما تتجمع على هذا النحو وفى كتاب واحد.