بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

يوتوبيا أحمد خالد توفيق

الكتاب: يوتوبيا
المؤلف: أحمد خالد توفيق
الناشر: ميريت
تاريخ النشر: 2008

يوتوبيا هي أولى الروايات الطويلة للكاتب الناجح أحمد خالد توفيق، أحد كتاب سلسلة روايات مصرية للجيب الشهيرة.

يقدم أحمد خالد توفيق في روايته يوتوبيا تصور عن حال المجتمع المصرى بعد عشرات السنين من الفقر والتخلف وزيادة الهوة الاجتماعية بين الأغنياء والفقراء إلى الحد الذى أصبح فيه الأغنياء من رجال الأعمال وساسة الطبقة الحاكمة المستغلة معزولين في مدن خاصة فى الساحل الشمالى تحمل اسم “يوتوبيا” وتحتوى مدنهم الخاصة على كل الرفاهية الممكنة لهم.. بينما باقي المجتمع المصرى يعيش في ظروف غير آدمية بعد أن تراجعت الحكومة عن كافة الخدمات لهذه المناطق وتم حصرها لمدن سكان يوتوبيا فقط..

وما تبقى من الشعب المصرى إنحدر بهم الحال إلى حياة العصور الوسطى …فهم يأكلون الكلاب والقطط وكل ما يمكن أن يؤكل بعد معارك عنيفة …يعيشون فى عشش من الخوص والخشب.. لا مرافق عامة.. لا مستشفيات. لا يوجد صرف صحي.. لا عمل لا يوجد شىء.. فقط أطلال مدن وخرائب يسكنها الناس بعد أن إنسحب الأغنياء والقادرين فقط إلى يوتوبيا . الأمر يشبه قليلًا ما كان فى الماضى مستعمرة لحضارة الرجل الأبيض تحيطها قبائل من الهمجيين والرعاع.

كيف حدث هذا؟

“لا يمكنك أن تحدد لحظة بعينها …فقط تذكر أن الوضع كان يسوء بلا انقطاع.. لذا كان المرء يغمض عينيه ويقول: أهي عيشة.. إذن فليكن غد. ثم تصحو ذات يوم لتدرك ان الحياة مستحيلة.. وأنك عاجز عن الحصول عن قوت يومك أو مأوى!”

يحذر أحمد خالد توفيق من كارثة إجتماعية قادمة ..إذا ما إستمرت الاوضاع على ما هى عليه من تردي فى أوضاع جموع الشعب المصرى و سلب كل مكتسباته وحقوقه شيئاً بعد الآخر. واستئثار طبقة واحدة بكل شىء.

ويبالغ الكاتب فى وصف التناقض الشديد بين سكان يوتوبيا و” الأغيار” كما يسميهم …فسكان المدينة الاولى ينعمون بالراحة والثروة والمخدرات والخمور والجنس ..فكل شىء متاح فى يوتوبيا … ولكن لتوافر هذا كله اصبح الأمر مملاً.. كل شىء موجود.. كل رفاهية مهما كانت تافهة.. أما الأغيار فقد أثرت فيهم ظروف معيشتهم من جوع وبؤس ومرض وسوء تغذية حتى أصبحوا أقرب لقرود أكثر وسامة.. من كونهم بشر! من الصعب أن تقتنع بأن هؤلاء البائسين القذرين من نفس جنس سكان يوتوبيا … وكل هذا قد أدى إلى الوضع الجنونى التالى ..أصبح الترفيه الأكثر إثارة لدى شباب يوتوبيا هو “اصطياد” احد هؤلاء “الأغيار” والرجوع بتذكار ثمين ربما يكون ساعد او ساق لأحد البؤساء.. فقط لإضفاء المتعة والتشويق لحياتهم!

وتبدأ ذروة الأحداث عندما يقرر بطل القصة بالقيام برحلة صيد هو وصديقته جرمينال ويتسللوا خارج يوتوبيا متجهين ناحية أطلال وعشش الأغيار متنكرين فى ملابس قذرة حتى يبدوا من أهل المكان ولكن بعد فترة وجيزة يتم اكتشافهم …ويكاد الناس أن تفتك بهم لأنهم من يوتبيا ولكن بطريقة ما ينقذهم جابر أحد آخر المثقفين بين هؤلاء المهمشين ويقنع الجمع أنهم من الأغيار فعلا . وخلال الايام القليلة التى يقضونها معه يشعر القارىء أنه لقاء بين عالمين بكل معالمهم وتناقضاتهم .

ويضمن الكاتب بين فواصل الرواية ..إحصائيات حقيقية عن معدل الجرائم المرتفعة وعن أعداد البطالة وجرائم القتل بدافع السرقة وجرائم العنف ضد المرأة وعلى رأسها الإغتصاب ….ناهيك عن الجرائم الأسرية .وتزايد اعداد المدمنين الذين يتعدون ال2 مليون مدمن …وكأنه يؤكد على أن أحداث روايته مهما بدت مبالغ فيها وغير معقولة إلا أنها قابلة للتحقيق وبقوة إستنادا لتدهور الأوضاع طبقاً لكل الإحصائيات السابقة …أو كما يقول فى مقدمة الرواية:

“يوتوبيا المذكورة هنا موضع تخيلي.. وإن كان المؤلف يدرك يقيناً أن هذا المكان سيكون موجود عما قريب”.

وعن إمكانية تغيير الأحوال عن طريق الانتفاضة الشعبية يبدو الكاتب متشائماً.. ويقول على لسان البطل عندما يحذره الناس من إحتمال إنتفاضة هؤلاء الجياع:

هؤلاء مجرد خراف …هل سمعت من قبل عن خراف غاضبة ؟…هم فقدوا القدرة على الغضب وعلى كل شىء.

وخلال حديث آخر بينه وبين جابر عندما سأله ..ولماذا لا تثورون؟

أجاب بشىء من السخرية: “ثورات القرن العشرين التي تحقق طموح الجماهير إنتهى عهدها.. لقد تعلم من هم فوق الدرس وأصبح الأمن أكثر تعقيدا من ذى قبل”.

كما يفضح الهوس الدينى الذي يجتاح المجتمع عن طريق شخصيات الرواية فأغنياء يوتبيا بعضهم رغم فسادهم وانحلالهم يتم الحج والعمرة عشرات المرات …انهم فقط يريدون شىء ليريحوا به ضميرهم.. لأنهم يعلمون أنهم لا يستحقون كل هذة الثروات …ويكون أداء العبادات الدينية أشبة بتمارين لتفريغ الشعور بالذنب.

بينما تدين الفقراء وتشددهم فى الأفكار الرجعية ناتجة عن يأسهم من أى تحسن قد يطرأ على حالهم ولهذا فقد يئسوا من الدنيا ومن الأمل فى حياة بدون آلام وجوع وبؤس.. فباتوا يبحثون عن أحلامهم البسيطة بالحياة الهانئة فى الحياة الأخرى ! هو إكتئاب حاد وعدم رغبة فى الحياة مقترن برومانسية دينية بانهم بعد كل هذا العذاب لابد وأنهم من داخلى الفردوس ..حيث النعيم الأبدى … إذ أنهم لا يستطيعوا أن يتصورا أنهم يعيشون هذا الشقاء والعوز ثم يموتون ويتحولون الى كربونات وينتهى الأمر . العقل البشرى كما يقول لا يمكن أن يتحمل فكرة أن كل هذا العذاب بدون مقابل.. بدون تعويض! وإلا جن! لهذا يتعصبون فى تدينهم حتى الموت لانه الحصن النفسى الوحيد المتبقى لهم والذى يخبرهم دائما بأن كل شىء قابل للإصلاح و يجعلهم قادرين على الاستمرار ليوم آخر .

ويؤكد أن انقراض الطبقة الوسطى مؤشر غير صحى تماماً للمجتمع المصرى ويهدد ليس فقط الفقراء وحدهم ولكن الجميع وحتى الأغنياء. أو كما يقول:

الطبقة الوسطى تلعب في أي مجتمع دور قضبان الجرافيت فى المفاعلات الذرية.. إنها تبطىء التفاعل ولولاها لانفجر المفاعل.. مجتمع بلا طبقة وسطى.. هو مجتمع مؤهل للانفجار.

إلا أنه فى نهاية الرواية يبدى شىء من التفائل الحذر.. إذ بعد أن يغتصب البطل أخت جابر العذراء وبعد أن يقتله بعد ما ساعده هو و جرمينال فى الخروج أحياء من أرض الأغيار والعودة ثانية إلى يوتوبيا. يثور غضب الناس عندما يعلمون بما حدث ويبدأوا الزحف ناحية مدن يوتوبيا تحركهم كل حقد وكراهية العالم.. ويبدأ البطل بدون أي شعور بالذنب باطلاق النار على الجموع …بمنطق ..لا يهمنى إذا كان أبي قد استغل هؤلاء الناس أو كون ثروته من دمهم وعرقهم …لقد ولدت هنا ولن اترك كل هذه الإمتيازات لأحد . وتنتهي الرواية عند هذا المشهد.. وكأنه يقول لنا لا تنتظروا من رجال الأعمال والطبقة الحاكمة أي عطف أو شفقة فهم لا يكترثون على الاطلاق.. ولن يتغير شىء إذا ما لم يفق جمهور الشعب المصرى لما يحدث ولما يمكن أن يحقق أبشع كوابيسهم إذا ما استمروا على سلبيتهم.