بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

زمن الغزو

* الكتاب :العمامة والقبعة
* المؤلف: صنع الله إبراهيم
* الناشر: دار المستقبل العربي
* السنة: 2008

“العمامة والقبعة” أحدث روايات الكاتب الكبير صنع الله إبراهيم، وتغطي زمنيا ثلاث سنوات بدءا من دخول الحملة الفرنسية إلي القاهرة في يوليو 1798 حتى يوليو 1881 عندما جلت الحملة عن مصر. هكذا اختار الكاتب “زمن الغزو” الذي تقاطعت فيه سنابك خيول القوى العظمى على أرض مصر.

ومع الاحتفاظ بحق كل سياق تاريخي في الاختلاف عن غيره ، إلا أن الرواية تضعنا أمام عملية اجتماعية وشخصيات وتيارات فكرية تحيلنا بشكل أو آخر إلي زمننا الحالي ، حين تعرض لنا قبول المماليك (الحكام المحليين) بأن يكونوا وكلاء للغزو لقاء فتات السلطة والثروة، كما فعل مراد بك حين اتفق مع الفرنسيين على أن يحكم الصعيد باسم فرنسا. وحين ترينا الرواية حالة النخبة المثقفة وكيف تتعاون أقسام منها مع الغزاة، كما فعل بعض العلماء والشيوخ الذين قبلوا بالعمل في ديوان بونابرت، أو عندما يقبل الراوي بالخدمة مترجما في الجيش الفرنسي خلال زحفه إلي العريش ومنها إلي الشام، وكيف يصل الهوان ببعض المثقفين كالمعلم يعقوب إلي الوقوع في تناقض استبدال الاحتلال الفرنسي بالتركي حين يقول: “لقد انضممت إلي الفرنسيين برغبة وطنية لتخفيف معاناة أبناء وطني.. هل يرضيك أن تظل مصر في يد الأجلاف من أتراك ومماليك؟” (ص227). وهكذا يستبدل المعلم يعقوب وحشية الاستعمار الفرنسي بوحشية المماليك مدعيا أن تلك “رغبة وطنية.. لكي تستقل مصر”.

وتبدو هنا بوضوح فكرة الاستعانة بطرف خارجي أجنبي للتخلص من حكم محلي مستبد. وقد أشار صنع الله إبراهيم في حديث لجريدة البديل إلي ذلك حين قال: “هناك فكرة تتناولها الرواية يمكن اعتبارها صدى لما يدور في العراق، وهي فكرة التدخل الأجنبي، وهي نغمة قديمة جدا أول من تحدث عنها أيام الحملة الفرنسية المعلم يعقوب” (البديل 24/1/2008). ويصوغ المعلم يعقوب هذه الفكرة صريحة في الرواية بقوله “إن الشرق بلغ حالة من الهوان يتطلب فيها إنقاذه من خارجه”! (ص 324)

لكن زمن الغزو الذي يدفع الكثيرين للخضوع لا يخلو من قيم أخرى. فهناك الشيخ المحروقي الذي ينادي “لا صلح”، وهناك عبد الظاهر الذي يضمر مقاومة الفرنسيس وجيشهم، وهناك أيضا شيوخ آخرون يحثون على الكفاح، وهناك مترددون كالشيخ الجبرتي، وهناك في آخر المطاف ثورة القاهرة الأولى على الاحتلال في 21 أكتوبر عام دخول الحملة، وثورتها الثانية في 20 مارس 1800 التي اندلعت من حي بولاق ودامت لأكثر من شهر وشارك فيها البسطاء كلهم بالنبابيت والعصي.

وسنرى في الرواية أيضا – من لحظات زمننا الحالي – كيف يرمي الكفاح السياسي الطبقي الوطني ضد الاحتلال بثقله إلي كفة الدين، فيغدو كفاحا ضد النصارى حين خرج نصوح باشا للعامة وقال لهم: “اقتلوا النصارى وجاهدوا فيهم” (ص294). وبعبارة أخرى، سنرى كيف يصبح جوهر الصراع ملتبسا متخذا شكل صراع ديني بكل ما لذلك الالتباس من تأثير سلبي داخل قوى الوطن، لأن “العامة صاحوا وهاجوا.. يقتلون من نصارى القبط والشوام وغيرهم” (ص249).

“زمن الغزو” لا يخلو أيضا من استشهاد صنع الله إبراهيم بالخطاب الاستعماري الذي لم تتغير ذرائعه كثيرا من بونابرت حتى جورج بوش. إذ يقول دينون للراوي: “كنت أؤمن بأننا سنعيد الحضارة إلي هذا البلد.. لكننا لم نفعل شيئا حتى الآن سوى سفك الدماء وجمع الضرائب.. وفي بني سويف قتلنا ألفين من الفلاحين.. أتينا إلي مصر لنحقق الرفاهية لأهلها.. فإذا نحن نستعمل سقوف بيوتهم وأدواتهم ومحاريثهم وقودا للطهي” (ص193-194). بينما يقول الصباغ للراوي عن أعمال الفرنسيين في يافا: “إن الفرنساوية تحولوا إلي وحوش يطعنون الشيوخ والفتيات ويهتكون أعراض البنات وهن لا يزلن في أحضان أمهاتهن” (ص152).

هذه هي القوى الخارجية التي ادعى المعلم يعقوب أو تصور أن مصر ستستقل بفضلها، فخرج معها وهي ترحل عن مصر في رداء جنرال فرنسي حاملا رتبته وأوسمته التي منحها له الغزاة، الذين قدموا ليس فقط بخطاباتهم عن تمدين مصر وتطويرها، بل وبـ”إعلان حقوق الإنسان” الذي تقرأ فيه “بولين” الفرنسية خلال إقامتها في القاهرة (ص101).

هناك في الجانب المقابل الخطاب التاريخي للاستبداد المحلي، والذي نسمعه من أفواه العسكر العثمانلية بعد خروج الفرنسيس حين ينهبون ويضربون، فإذا شكا أحد قالوا له: ” ألا تفسحون لإخوانكم المجاهدين الذين حاربوا عنكم وأنقذوكم من الكفار؟!” (ص325).

 تعرض الرواية ذلك المشهد التاريخي الفسيح زمن الغزو لصراع القوى العظمى من أجل احتلال مصر، والمواقف المعقدة لشرائح النخبة المثقفة والقوى المحلية، والتيارات الفكرية التي سادت حينذاك، وأهل مصر بحيرتهم وتفرقهم وثوراتهم. ولا يفوت الرواية خلال ذلك كله أن ترينا أيضا “التخلف الحضاري” بالمعنى الشامل لتلك العبارة. وبذلك كله تحث الرواية العقل على التفكير في أحوال زمننا الحالي وتأمل القوانين العامة التي تعلو فوق اختلاف السياق التاريخي والاجتماعي لتقدم لنا “ما هو مشترك وعام” في أزمنة الغزو.

إلا أن الروايات لا تكتب من أجل إسقاط وضع تاريخي ما على وضع آخر، أو عرض التيارات الفكرية المتصارعة في لحظة تاريخية. فلابد للعمل الفني من أن يحمل ما هو أبعد وأعمق من ذلك كله، أي ما يتصل بتفاعلات الروح الإنسانية والكشف عنها في شخصيات محددة. وإذا كان القارئ قد طالع رواية “القلعة البيضاء” للكاتب التركي أورهان باموق، فإنه قد يتذكر أو لا يتذكر أن الرواية عرضت لنا مشهدا فسيحا لطبيعة القرن السابع عشر والتيارات الفكرية والصراع الدولي وهزائم تركيا وانتصاراتها. لكن المؤكد أن من قرأ تلك الرواية لن ينسى أبدا شخصية الشاب الإيطالي الذي فقد نفسه وذكرياته خلال بقائه مكرها في اسطنبول. فلم يعد يدري من يكون. هذا ما أعنيه بأن العمل الفني يقدم ما هو أبعد وأعمق من الإسقاط السياسي.

وقد قدم لنا صنع الله إبراهيم شخصية أساسية في “العمامة والقبعة” هي الراوي الذي لا نعرف اسمه، وهو شاب نزح من الصعيد إلي القاهرة بعد موت أهله في وباء الطاعون، والتحق بالجامع الأزهر، وتردد على دروس الشيخ الجبرتي، فأفسح الشيخ مكانا له في بيته ليواصل درسه على يديه، بينما يساعد الشيخ في عمله كمؤرخ.

لكن الشاب يشرع في تسجيل يومياته التي يؤرخ بها لحياته وللحملة الفرنسية منذ أن أصبحت على تخوم القاهرة. وتعتمد الرواية على تلك اليوميات التي يصف فيها الشاب علاقته بأستاذه، ثم عمله في مكتبة تابعة للفرنسيين بفضل إلمامه باللغة الفرنسية، وهناك يتعرف إلي “بولين” الفرنسية التي تصبح فيما بعد خليلة نابليون بونابرت وعشيقة للشاب في الوقت ذاته. ثم يسافر الشاب مع الجيش الفرنسي إلي العريش ليشارك في الحملة الفرنسية على مدن فلسطين والشام، ويصف في يومياته كيف: “أحرق الفرنسيون قرية ومدينة جنين بإقليم نابلس”، كيف فشلوا في الاستيلاء على عكا وقرروا التراجع بعد أن هلك ثلث جيشهم. وبعد عودته إلي القاهرة يعود الراوي ليلتقي ببولين وبصديقه القبطي حنا وصديقه الآخر المسلم عبد الظاهر. ثم تمضي الأحداث وتجبر نابليون بونابرت على الرحيل إلي فرنسا، ويبقى من بعده “كليبر” قائدا عاما إلي أن يقتله سليمان الحلبي، فيشغل الجنرال “عبد الله مينو” مكانه، ثم تلحق بريطانيا الهزيمة بفرنسا في موقعة أبي قير البحرية، وينسحب الفرنسيون من مصر.

الراوي – وهو الشخصية المحورية – مثقف جبان، كما يصفه صنع الله إبراهيم، يبيع معرفته باللغة للفرنسيين. يتصادف أن يراه شاب من أولاد البلد خارجا من المكتبة الفرنسية فيبصق على الأرض احتقارا له، فيكون قراره الوحيد أنه لن يذهب إلي المكتبة “لأنه مكسوف من الذهاب إلي هناك”. وحين يلقى القبض على سليمان الحلبي يستولي الخوف على الراوي، ويصبح السؤال الوحيد الذي يشغله هو: “هل ذكر لهم سليمان اسمي؟” وحينما يصدر الحكم بإعدام سليمان الحلبي وقطع رؤوس أربعة من الشيوخ يكون تعليقه الوحيد: “شعرت بالارتياح لأنه لم يأت ذكري في الأمر” (ص279). وعندما تهيج العامة على النصارى فإنه لا يجرؤ على الذهاب إلي بيت صديقه “حنا” للاطمئنان عليه. ورغم ما شاهده من وحشية الفرنسيين، فإنه لا يتشجع لكي ينقطع عن معاونتهم. ومع ذلك فإنه يقرر في لحظة معينة أن يكتب نداء للفرنسيين يطالبهم فيه بالرحيل عن مصر، و إلا كان الهلاك مصيرهم. ويعلق النداء فيلقى القبض عليه ويظل في محبس القلعة إلي أن تغادر الحملة مصر بعد هزيمة سفنها في أبي قير، فيعود إلي أستاذه الجبرتي.

 في ” العمامة والقبعة ” يواصل صنع الله إبراهيم محاولته لدمج ما هو روائي بما هو توثيقي، وهي المحاولة التي قام بها من قبل في روايتيه “وردة” عام 2000، و”أمريكانللي” عام 2003. لكن عملية التوثيق الضخمة تكاد أحيانا أن تترك انطباعا بأن الشخصية المحورية مجرد ذريعة للتوثيق. وسأضرب مثالا واحدا حين يصف الراوي سيره قائلا: “واصلنا السير لغاية قصر قنطرة السد عند فم الخليج، هنا يخرج الخليج من النيل جنوبي قصر العيني عند السبع سواقي”(ص39-40). من المنطقي أن يصف الراوي سيره. لكن لمن يحكي الراوي أن الخليج يخرج هنا من النيل إلي الجهة الفلانية، إذا كان ذلك شيئا معلوما له وبديهيا؟ هناك الكثير من التوثيق غير المرتبط بالشخصية: توثيق لشوارع وطقوس وأزياء واحتفالات شعبية، بغض النظر عن دور ذلك كله في الكشف عن الشخصية الفنية أو دورها في الأحداث، كالقول مثلا بأن: “الفرنساوية أدخلوا تعديلات على شوارع المدينة.. ومدوا طريقا من الأزبكية إلي جهة قبة النصر” ( ص77). ولذلك يبدو أحيانا أن الكاتب لا يستطيع الإفلات بسهولة من إغراء المادة التي يقوم بجمعها. بينما يأتي صنع الله إبراهيم على تفاصيل أخرى وثيقة العلاقة بالأحداث والشخصيات، كوصف الجبرتي لمذهب الفرنسيين وقوله إنهم “من الدهريين”، وكذلك وصف تجربة إطلاق منطاد هوائي وما أثارته من دهشة لدي المصريين، أو استغراب الراوي من أن الألحان التي تعزفها له “بولين” الفرنسية مسجلة على ورق. فهذه التفاصيل تكشف عن الهوة الشاسعة التي فصلت مصر عن الحضارة حينذاك، ومن هنا تكتسب أهميتها خلافا لتفاصيل أخرى أثقلت الجزء الأول من العمل.

تتبقى علاقة الراوي بالشابة الفرنسية “بولين”، وهي علاقة لم تنجح في أن تكشف عن صدام أو لقاء حضارتين ومجتمعين وشخصين مختلفين تمام الاختلاف، أحدهما من الصعيد والآخر من باريس، لأن العلاقة لم تتخطى في العموم الحدود الجسدية إلا في لحظات نادرة، كما حدث عندما سمع الراوي بأن القانون الفرنسي يمنح المرأة الحقوق نفسها التي يمنحها للرجل، لكن حتى هذه الحادثة لا تأتي في إطار العلاقة بين الراوي و”بولين” بل عن طريق طرف آخر هو”جاستون” ( ص234).

وأخيرا، لقد نجح صنع الله إبراهيم للغاية في اختيار اللغة التي كتب بها الرواية. فيقول مثلا: “وقعت في الناس زعجة وكرشة”، أو “ذهبت إلي المجمع فوجدت عليه حرسية شديدة”. وعلى هذا المنوال واصل صنع الله إبراهيم فاستطاع أن يوحي بالعصر تماما، وأن يتجنب في الوقت ذاته غرائب الكلام أو المهجور وغير المفهوم منه.

“العمامة والقبعة” محاولة أخرى لإيقاظ التفكير من كاتب يعتمد على مخاطبة العقل أكثر من أي شيء آخر، وسعيا لتحريك الهم العام والتأمل في أحوالنا المضطربة القلقة في زمن الغيم الفكري، والغزو، والشتات الوطني. تحية للكاتب الكبير الذي أسعدنا وتهنئة من صميم القلب.