بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ثورة العشوائيات

فى الذكرى الثالثة لثورة يناير لا يزال كثيرون يرون أن شعاراتها الثلاثة “عيش، حرية، عدالة اجتماعية” لم ترَ النور حتى الآن، وعلاوة على ذلك هناك قطاع كبير من المصريين لم تصل الثورة إليهم من الأساس، ولم تحاول الدولة أن تغير من الواقع الذي يعيشون فيه وتركتهم يسكنون العراء تحت صخور مهددة بالانهيار.

من يسكنون الحجرات الضيقة المنهارة والخيام تحت جبال الدويقة لم تتقاطع أحلامهم مع من سكنوا الخيام في ميدان التحرير خلال 18 يوماً لإزاحة الطاغية مبارك، وظلوا يحلمون بالسكن الآدمي حتى لو كان شقة لا تتعدى مساحتها 45 متراً يعانون الذل من أجل الحصول عليها ولا ينالونها.

وفقاً لصندوق تطوير العشوائيات، يوجد في مصر 420 منطقة عشوائية غير آمنة تضم حوالي 246 ألف وحدة سكنية، وتتوزع هذه المناطق إلى 26 منطقة مهددة للحياة، و259 منطقة للسكن غير الملائم، و65 منطقة مهددة للصحة العامة، أما عدد مناطق الحيازة غير المستقرة فتبلغ 19 منطقة.

هذه هي أرقام الجهة الرسمية المسئولة عن حصر وتصنيف المناطق العشوائية، ولن نلتفت إلى تقديرات جهات أخرى تقدرها بالألف منطقة (وليس فقط 420) لأن معظمها غير دقيقة، ولكن منذ بداية الثورة وحتى الآن بقى الحال كما هو عليه واستمر سكان العشوائيات يلتحفون العراء.

تصريحات حكومية
تجسّد فشل الدولة الرسمي في عدة مناطق في العاصمة وخارجها، وسط تقديرات رسمية أن عدد من يسكنون العشوئيات بمختلف أنواعها يبلغ 40 % من المصريين.

خالد الجبرتي، المدير التنفيذي لصندوق تطوير العشوائيات، قال أن هناك خطة قومية “مصر بلا عشوائيات غير آمنة في 2017” بتكلفة 8.5 مليارات جنيه تم إنفاق 1.5 مليار جنيه للانتهاء من تطوير 51 منطقة حتى بداية العام الماضي. في المقابل، وقّع الصندوق منذ أيام بروتوكول تعاون مع محافظتيّ القاهرة والجيزة والهيئة الهندسية للقوات المسلحة لتطوير 30 منطقة عشوائية بالمحافظتين، منها 17 منطقة عشوائية في القاهرة و13 في الجيزة بتكلفة إجمالية تقدّر بحوالي 350 مليون جنيه للتنفيذ خلال 12 شهر.

مدير صندوق العشوائيات يقول أن “المناطق العشوائية غير الآمنة تمثل خطر على حياة سكانها، وهي 1% من الكتلة العمرانية في مصر، وتضم 200 شخص لكل فدان والمناطق العشوائية غير المخططة والأسواق العشوائية تمثل 80% من الكتلة العمرانية في مصر وكثافتها السكانية 500 شخص”.

معاناة الأهالي
في زيارة لإحدى أخطر المناطق العشوائية في مصر، الدويقة، والتي شهدت مقتل 119 شخص في أواخر عام 2008، يؤكد الأهالي أن محافظة القاهرة لم تقم بأية إجراءات فعلية لنقلهم من المناطق شديدة الخطورة التي يقطنون بها، وأن مسئولي حي منشية ناصر يقومون بجولات كل عدة أشهر لحصر السكان مع وعود بسرعة نقلهم إلى المساكن التي تم تخصيصها لهم في مساكن الأسر الأولى بالرعاية في مدينة 6 أكتوبر، حيث تصل مساحة الوحدة إلى 45 متراً مربعاً، ولكن لم يتم تسليمهم أي شيء حتى الآن.

ومازال الحي يشهد حتى الآن انهيارت صخرية وتصدعات في عدد كبير من المساكن الملاصقة للجبل. ففي منزل “أبو كريم” (سائق) بمنطقة الشهبة بمساكن الحرفيين، قال أنه يسكن في منزل متصدع سقفه مصقول بالعروق الخشبية وتم حصره أكثر من خمس مرات من قِبل مسئولي الحي خلال العامين الماضيين، حيث تأتي لجنة كل أربعة أشهر وتطلب صورة بطاقته وشهادات ميلاد أولاده، وعندما يسألهم عن موعد تسليمه الشقة يردوا عليه بأن الورق لم يأتِ من المحافظة بعد!

أضاف أن “ثلاثة منازل مجاورة حدثت بهم تصدعات وشروخ فتم نقل أسرة واحدة وتركوا باقي السكان واتهم مسئولي الحي بالفساد وتسليم بعض الشقق في مساكن سوزان مبارك التي أقيمت بعد انهيار صخرة الدويقة لسكان من خارج المنطقة”، حيث وصف العمل في حي منشاة ناصر بأنه “منجم فلوس” حيث كان تخصيص الشقة بـ20 ألف جنيه ولو تم حصر القاطنين بمساكن سوزان مبارك سيتم اكتشاف أن عدد كبير منهم من خارج الدويقة.

ومن داخل الحجرة التي تسكنها مع أولادها الثلاثة، قالت “خضرة إبراهيم” أنها تدفع 80 جنيه إيجار شهري للغرفة، ولا يوجد في المنطقة سوى حنفية مياه واحدة تبعد عن منزلها أكثر من 2 كيلو متر. وأضافت أنها تقدمت بشكاوى لحي منشية ناصر ومحافظة القاهرة ولم يتم الاستجابة لها حتى الآن، مؤكدة أنها لا تعرف شيئاً عن الثورة سوى أن الوحدات التي كان من المفترض أن يحصلوا عليها استولى عليها البلطجية خلال فترة الانفلات الأمني.

في منطقة مثلث ماسبيرو، لا يختلف الحال كثيراً عن الدويقة؛ حيث أكد عدد كبير من السكان أن محافظة القاهرة لم تعقد أية جلسات معهم من أجل بحث أزمة تطوير المنطقة. وقالوا أنهم يرفضون مخطط التهجير التي تحاول شركة ماسبيرو القيام به ويصرون على البقاء في المنطقة مرحبين بأي حل لتطويرها، بشرط عدم إخراجهم منها.

“أم فريدة” تسكن في شارع جاد الكريم قالت أن جميع أهالي ماسبيرو يرفضون التهجير، وأضافت أن العائلات التي تهدمت منازلها حصلت على شقق في 6 أكتوبر والنهضة ومساحة الشقة لا تتجاوز 43 متر، ويتعرضون للسرقة من البدو والعرب. وأشارت إلى أن ممولين لشركة ماسبيرو للتنمية العمرانية عرضوا عليها شراء أرض البيت الذي تملكه وتعويضها عن الأنقاض، ولكنها رفضت لأن والدتها ماتت من الحزن بعد أن تم تهجيرها من منزلها خلف ماسبيرو وأقامت الوزارة مكانه “نافورة”. وقالت أم فريدة أن بعض جيرانها باعوا للشركة بسعر لا يتجاوز 3 آلاف جنيهاً للمتر بعد انهيار منازلهم.

“عزة أحمد” ربة منزل تسكن بالإيجار في حارة شركس بمثلث ماسبيرو نفت حضور مسئولين من الحي للتفاوض معها حول ترك منزلها، وقالت أن كل الذي يسمعوه إشاعات وآخر مرة حضر إليها أحد المسئولين كانت منذ أربع سنوات حين جاءت موظفة من الحي وحصلت على صورة بطاقتها وبطاقة زوجها وشهادات ميلاد أطفالها لعمل حصر للمنطقة استعداداً لنقلهم. وأشارت إلى منزل مجاور لها انهار على سكانه، وحينما جاء مهندسو الحي ليعاينوا المنازل المحيطة به صعد مهندس الحي إلى الدور الثاني بمنزلها ونزل مسرعاً قائلاً أن البيت يهتز وأصدر أمر إزالة للمنزل وحتى الآن مرت ثلاثة أشهر ولم يحدث شيء!

أي تغيير نريد؟
في المقابل، لدى صندوق تطوير العشوائيات خطة لتطوير المنطقة تشمل نقل السكان إلى منازل بديلة واستغلال القيمة المالية المرتفعة للأرض في مشروعات استثمارية، حيث يقول الجبرتي أن المنطقة تم تقسيمها إلى ثلالث مناطق هي “نايل تاورز وأركاديا وكابش” حيث وافق مجلس الوزراء على اعتماد 139 مليون جنيه للبدء في بناء أربعة أبراج سكنية في منطقة نايل تاورز تضم 360 وحدة وسيتم البدء في التنفيذ بعد انتهاء إجراءات نزع الملكية وتعويض الأهالي.

أضاف أن مساحة المنطقة 3.9 فدان أى ما يعادل 16.3 ألف متر مربع، ويجرى الآن الانتهاء من إجراءات نزع الملكية بعد موافقة الأهالي على التطوير وسيتبقى ما يقرب من 12 ألف متر ستُطرح للبيع لتغطية تكلفة التطوير واستثمارها في تطوير بقية المناطق حيث يمكن أن يصل عائد الأرض إلى 600 مليون جنيه فسعر المتر يتجاوز الـ 50 ألف جنيه.

وهكذا رغم تغير الأنظمة الحاكمة فى مصر، إلا أنها تستمر فى توريث المعاناة لفئات من الشعب لم تحقق أي مكاسب منذ اندلاع الثورة وحتى الآن. وينحصر تفكير السلطة فى كيفية الاستفادة من قيمة الأرض التى يعيش عليها هؤلاء، فإن كانت بلا قيمة مثل أرض الدويقة يتم تجاهلهم، ولكن إذا كانت على كورنيش النيل بجوار الأبراج والفنادق الفخمة فيجب تهجيرهم منها حتى لا يفسدوا على أهل السلطة المشهد العام للمنطقة، ولا مانع من تعويضهم بـ “الملاليم” لتُباع الأرض بالمليارات.

التغيير المطلوب في مصر لابد أن يكون تغييراً جذرياً في السياسات الاجتماعية والاقتصادية لتكون منحازة إلى الفئات التي قامت الثورة من أجلها، وتضعها في مقدمة الأولويات قبل أن تنظر إلى مصالح رجال الأعمال والشركات التي تريد أن تستثمر في تعليم المصريين وصحتهم وحتى منازلهم التي تنهار فوق رؤوسهم.