بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

فلسفة الببلاوي.. ونبوءة سليمان

منذ حوالي عشر سنوات كانت أول مقابلة لي مع الاقتصادي الراحل سامر سليمان، تعرفت عليه من خلال كتابه المهم “النظام القوي والدولة الضعيفة”، ما استدعي الي ذاكرتي هذه المقابلة أن اسم حازم الببلاوي كان في بداية هذه المناقشة، لم يكن لرئيس الوزراء السابق وقتها أي نشاط سياسي بارز، ولكن سامر كان يتحدث عنه كمؤلف مشارك لكتاب مهم عن “الدولة الريعية في الدول العربية”، والذي كان نقطة انطلاق مهمة لكتاب سامر الذي يعد نبوءة مبكرة لانهيار نظام مبارك.. أليست مفارقة أن يتولى الببلاوي رئاسة الوزراء لنحو ثمانية أشهر في فترة يحاول فيها نظام مبارك إعادة بناء نفسه.. حتى وإن كان مبارك نفسه خارج المشهد السياسي بالكامل!

ويقصد بمفهوم الدولة الريعية أو rentier state، تلك التي تعتمد علي مصادر ريعية للدخل تتدفق اليها من الخارج، وطبعا اهم مظهر لهذه “الريعية” هو حالة الخليج حيث قامت الدولة وتأسست علي ايرادات بيع البترول للعالم الخارجي، ولأن هذه الدولة لا تحتاج لمواطنيها في توليد الايرادات فهي لا تخضع لرقابتهم ولا تطرح نفسها عليهم في الانتخابات للاختيار والمفاضلة بين البدائل. بل أنها تكسب ولائهم السياسي بتوزيع ناتج هذا الريع عليهم، فالأكثر ولاءا يحظى بالدخل الأكبر والمعارض يتم حرمانه، أو بتعبير سليمان ما تحصل عليه الدولة من دخول ريعية يسمح للدولة الرعوية بالقيام بوظائفها في توزيع العطايا ومن ثم تحقيق السيطرة السياسية.

ربما يكون للنشاط البترولي في مصر دور محوري في الاقتصاد حتى الآن، ولكن هناك أشكال أخرى تجعل الدولة المصرية شبه ريعية منها اعتمادها على إيرادات قناة السويس وأيضا على المنح الخارجية خاصة في الحقبة الناصرية عندما كان الاتحاد السوفيتي وأمريكا يتنافس كل منهما علي جذب البلاد إلى مسافة قريبة من معسكرها، ولكن اشكال الريع الناصرية تراجعت مع انتهاء الحرب الباردة، حتي ايرادات قناة السويس اصبحت تمثل نسبة متواضعة من دخل الدولة قياسا بحجم الاقتصاد في العصر الحالي، وهو ما يضع الدولة أو بالأحرى النظام السياسي الذي اعتاد على إدارتها بهذا المفهوم السلطوي في ورطة، فالمصدر البديل للدخل هو الإيرادات التي تتحقق من خلال تقنين مصادر دخل من مجالات كالضرائب المفروضة على المواطنين، بيد أنه كلما توسعت الدولة في التعامل مع المواطنين كلما ازداد كلام الناس عن المحاسبة وعن طبيعة السلطة ومن يعطيها الحق في فرض الضريبة.. هذه هي الورطة التي رصدها سامر في كتابه.

وفي آخر لقاء لي مع سليمان، عام 2012، كنت أعد تحليلا عن البرنامج الانتخابي لعمرو موسي، لفت نظري وعود الرفاهة التي أطلقها في برنامجه بالرغم من الوضع المالي الخانق لموازنة الدولة، سألت سامر حينها عن قراءته لحالة عمرو موسى فكان تعليقه “البرنامج يمثل مداعبة للحنين للحقبة الناصرية، ولكنه لن يستطيع أن يحقق العديد من تلك الوعود في ظل صعوبة الوضع المالي.. المجال الأبرز أمام موسى لدعم برنامجه الرئاسي هو التمويل الخارجي، والذي غالبا ما سيكون من نظم خليجية سترغب في دعمه كوجه من وجوه حقبة مبارك، أكثر اتساقا مع اتجاهاتها المحافظة”. للمرة الثانية كان سليمان يتنبئ بعودة نظام مبارك للحياة قبل غيره من المحللين.

فالتمويل الخليجي الذي انهمر على حكومة مابعد 30 يونيو، مع التعهد بمساعدات بلغت نحو 16 مليار دولار، هو تمويل غير مشروط لا يلزم النظام السياسي بأي اصلاحات اقتصادية، ويشبه إلى حد كبير مصادر الريع التي يحتاجها النظام – اي نظام- لكي يستغني عن العلاقة التعاقدية مع الشعب ويتفادي التعرض للمسائلة، المفارقة ان يكون حازم الببلاوي هو رئيس الحكومة التي تتولى إعادة إحياء “الريعية” في الدولة المصرية.

بعد ثمانية أشهر، خرج الببلاوي من الحكومة وكل الاصوات القريبة من نظام مبارك تنهال علي الرجل بانتقادات عنيفة، وتصفه بأنه رخو ومتردد واحيانا يميني وربما عميل لأمريكا.. قد يبدو للرأي العام الآن أن استمرار الأزمة الاقتصادية سببه أخطاء الببلاوي، ولكن تغيير الوجوه لن يستر المشكلات الاقتصادية لوقت طويل.

الدعم الخليجي لن يستمر بنفس مستوياته السابقة، و مهام “الرعوية” يزداد عبئها بأكثر مما تحتمله “الدولة”، كلما أفكر في المستقبل أتذكر تعليقا لسامر في ندوة حضرتها في الجامعة الأمريكية لمناقشة كتابه، كانت قبل سنوات من سقوط مبارك، أشار سامر إلى أن النظام السابق كان محظوظا بوقوع حرب الخليج في الفترة التي كان يتعرض فيها للإفلاس، حيث أتاحت ظروف الحرب اسقاط جزء من الديون المصرية وإنقاذ الوضع المالي، ثم طرح سؤالا.. هل سيحالف نظام مبارك الحظ مرة أخرى إذا وقعت أزمات قادمة؟ لا يزال سؤال سامر يطرح نفسه علينا إلى الآن.

بديل الدولة الرعوية ليس بالضرورة الإفلاس وانهيار الأوضاع، إنما الشروع في بناء نظام اقتصادي جديد ينشأ على أكتاف دولة جديدة تخضع لرقابة شعبها..