بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

اقتصاد

بعد قرار استخدام الفحم كمصدر للطاقة

من الحكومة للشعب: من أجلك أنت.. هنجيب أجلك أنت

يقترب الصيف بلهيبه وتزداد انقطاعات الكهرباء والتي أصبحت من صميم الحياة اليومية، وبينما ترتبك التصريحات الحكومية بين التلويح بالظلام المنتظر والبشارة بأنهار من الوقود التي ستفيض من دول الجوار على مصر فى حالة فوز مرشح (نور عنينا) فى انتخابات الرئاسة والمحسومة سلفاً، وتأكيدات رئيس الحكومة إبراهيم محلب بأن الدعم لا يذهب لمستحقيه وكأن المعاناة اليومية تحتاج إلى هذا التأكيد المبهر.

ما بين التهديد والبشارة تمتد طوابير البشر أمام محطات الوقود، فيما يتساقط الكادحين صراعا أمام أنابيب البوتاجاز، أو برصاص الشرطة والجيش .. لا فرق في الموت !

“من المتوقع أن يبدأ استخدام الفحم في صناعة الأسمنت أول سبتمبر القادم”.. هكذا أطلق وزير الصناعة منير فخري عبد النور يوم الإثنين 1 أبريل أبواق الحرب على صحة المواطنين، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن رئيس الحكومة إبراهيم محلب كلفه بدراسة استخدام الفحم في الاجتماع الوزاري الأخير.

ولكن تصريحات عبدالنور تقترب من إعلان نهاية الجدل المستمر منذ قرابة العام، منذ أن بدأ الحديث عن استخدام الفحم في شهر مايو الماضي، بعد تدهور أزمة الطاقة وارتفاع أسعار الغاز الطبيعي في عهد حكومة هشام قنديل والتي نهجت نفس سياسات الحكومة السابقة في المحافظة على مصالح رجال الأعمال وهوامش الربح الهائلة التي تحصل عليها شركات القطاع الخاص وتحديداً في قطاع الإسمنت.

إلا أن المشكلة هنا لا تكمن فقط في وقوف الحكومة بجانب المستثمر الأجنبي وتجاهلها للتكاليف الصحية والبيئية الخطيرة على الشعب المصري، بل في الإدعاء بأن هذا الحل سيكون مؤقتًا حتى تتمكن من حل أزمة المحروقات واستخراج أو استيراد شحنات جديدة من المحروقات (الغاز الطبيعي)، هذه السذاجة في الإدعاء والحديث تغفل تلك التغيرات البئيية والصحية والتي ستترتب عن التحول إلى استخدام الفحم في توليد الطاقة.

في مصر.. دعم الطاقة يذهب لرجال الأعمال فقط
عندما أتت الحكومة المستقيلة، حكومة حازم الببلاوي إلى الحكم فى يوليو 2013 أعلنت أن أولوياتها تقتصر على تسيير الاحتياجات العاجلة للبلاد، بالإضافة لوضع خطة متوسطة وأخرى طويلة الأجل لإصلاح هيكل الموازنة العامة المثقلة بالعجز والديون، لقد حاولت حكومة الببلاوي تفادى ما تعرضت له سابقتها من مشكلات تتعلق بنقص الطاقة ووقوع أزمات متلاحقة فى هذا القطاع، حيث كانت تلك الأزمات من ضمن الأسباب التى أدت للهبة الشعبية الغاضبة ضد حكم الرئيس السابق محمد مرسى وحكومته (اعترفت حكومة هشام قنديل بعد ضغوط إعلامية واسعة بأنها خفضت قيمة الدعم فى الموازنة العامة التى قدمت إلى مجلس الشورى المنحل بنسبة 13.4 بالمئة عن موازنة العام السابق عليه 2012)، ولكن أحياناً كثيرة ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، فرحلت حكومة الببلاوي في 24 فبراير الماضي غير مأسوف عليها.

تصريحات الببلاوي أطلقت وقتها عاصفة غاضبة من تصريحات رجال الأعمال ممثلين في اتحاد الصناعات، حيث أعلن اتحاد الصناعات رفضه التام لخطة الحكومة ترشيد دعم الطاقة، أو وقف أو وضع شروط جديدة لتقديمه للمصانع كثيفة الاستخدام للطاقة خاصة التى تبيع منتجاتها فى السوق المحلية بأسعار غير مدعومة، ففي السادس عشر من أغسطس 2011 صرح جلال الزوربا رئيس اتحاد الصناعات السابق وقتها بأنه على الدولة أن تراجع سياساتها الاقتصادية لتحقيق النهضة مبديا تحفظه على استمرار الدعم الموجه للأفراد فى قطاعات الغذاء والنقل، ومشددا على أن إقرار الدولة لحد أدنى للأجور من شأنه أن يضغط على موازنة الدولة ويعطل النهضة الاقتصادية المرتقبة وقتها. جاء ذلك فى معرض تعليقه فى تقرير نشرته جريدة الفجر لاستطلاع آراء الاقتصاديين تجاه مطالبات خبراء اقتصاديين بمراجعة دعم الطاقة.

على الجانب الأخر أصدر البنك الدولي في مايو 2012 مذكرة بناء على طلب الحكومة المصرية يتحدث فيها حول أن الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة فى مصر لا يصل الدعم المقدم إليها للجمهور، لكونها تعتمد على التصدير للأسواق الخارجية وتقوم ببيع منتجاتها فى السوق المحلية بالأسعار العالمية غير المدعومة، مما يجعل الدعم موجها لحاملي الأسهم فى تلك الصناعات وليس للجمهور، حيث تستحوذ فيها المنشآت الصناعية على 45% من الدعم الحكومي المخصص للطاقة، ويبلغ حجم استحواذ المؤسسات الصناعية على الدعم المخصص للسولار 81.5% من السولار المدعوم، ويشكل السولار أكبر السلع البترولية استحواذا على دعم الدولة للوقود (48%) من الإنفاق الحكومي لدعم الطاقة.

على الجانب الأخر تأتي تصريحات أشرف العربى وزير التخطيط والتعاون الدولي لتؤكد النية المبيتة لذلك، فتحدث حول عزم الحكومة تقليص دعم الطاقة ووقف ضخ الغاز لمصانع الأسمنت والأسمدة قبل بداية العام المالي المقبل 2014/2015.

كانت البشائر حاضرة، فقد خفضت الشركة القابضة للغاز “إيجاس” في 1 أبريل إمدادات الغاز لمصانع الأسمنت والأسمدة بنسبة 50%، مما سيؤدى إلى خفض الإنتاج ورفع أسعار البيع بشكل ملحوظ.

ولكن لماذا تلجأ الحكومة لذك؟ ما الدافع “الخفي” وراء ذلك ؟ إذا عرف السبب بطل عجب. لقد وافق مجلس المديرين التنفيذيين للبنك الدولي في 1 أبريل على تقديم قرض بقيمة 300 مليون دولار لمصر، وبالطبع فإن مسألة التوقيت بين اقراض البنك الدولي واصدار الحكومة لقرار استخدام الفحم فاضحة للغاية، وتأتي في ظل شروط القرض التي تلهث ورائه الحكومة وما يتبعه من سياسات التقشف بدءاً من تقليص دور الدولة فى الإنفاق على الخدمات العامة، وخفض الدعم على السلع الغذائية، والوقود، تلك الشروط “المجحفة” ستقوم بانتهاك الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين، خاصة الفقراء والمهمشين منهم، وحرمانهم من أبسط الحقوق الإنسانية والعيش الكريم.

وكأن الموت يلاحقنا!!
في البداية يجب علينا أن نوضح تلك العلاقة بين قرار استخدام الفحم وصناعة الأسمنت. فعلى الرغم من وصول مصر سنة 2005 إلى المرتبة الأولى عالمياً بين 130 دولة منتجة للإسمنت، بواقع 31.48 نقطة على مؤشر الميزة النسبية (RCA)، بحسب ما ذكره مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، فإنها لم تصل لهذه المرتبة إلا بحصولها على دعم شديد في أسعار المحروقات، بل وبالدعم المسرف في تكلفة الكهرباء، إضافة لاستغلالها انخفاض تكلفة العمالة والمواد الخام المحلية.

على سبيل المثال تنفق الشركات في مصر 240 مليون دولار فقط سنوياً مقابل استهلاكها من الكهرباء بسبب الدعم الحكومي الشديد لها، فإن هذه الشركات ستضطر لدفع ما يصل إلى حوالي 500 مليون دولار سنوياً إذا اشتغلت في الصين نظير استهلاكها لنفس الكمية من الكهرباء مع وجود دعم حكومي أيضاً، ولإنفاق حوالي 800 مليون دولار سنوياً في أسبانيا لنفس الكمية في غياب الدعم (تم حساب هذه الأرقام بالاستعانة بإحصائيات وزارة الكهرباء المصرية والأسعار المعلنة في الدول المذكورة)، أما على صعيد القيمة الشرائية للقوى العاملة ففي عام 2005، كان متوسط أجر العامل في مصانع الإسمنت بمصر، بحسب مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء يبلغ 3.1 دولار في الساعة، بينما بلغ متوسط الأجر 13.3 دولار في الساعة في تركيا لنفس السنة و25.3 دولار في الساعة في كوريا الجنوبية.

بل إن الأدهى من ذلك هو قيام شركات الأسمنت في مصر ببيع الأسمنت محلياً بأسعار التصدير العالمية وبرفع الأسعار محليا بما لا يتناسب مع ارتفاع تكلفة الإنتاج، بل وانتهاج ممارسات احتكارية أخرى في السوق مما حدا سابقاً بوزارة التجارة والصناعة للتدخل عدة مرات ضد هذه الصناعة بفرض حظر التصدير مرتين في 2008 و2009 كإجراء لمنع الشركات المنتجة من خلق نقص غير حقيقي في الإسمنت بغية رفع سعره المحلي، وذلك طبقاً لما ذكرته دراسة سنة 2012 عن دعم الطاقة في الموازنة المصرية من إعداد المبادرة المصرية للحقوق الشخصية.

الأضرار الصحية للفحم هي الأخرى متعددة على صحة الإنسان ما بين تأثيره على المخ والأعصاب والرئتين وحتى الدم والأوعية الدموية. فيما أثبتت الأبحاث العلمية أن استنشاق دخان الفحم يتسبب في الأكسدة وزيادة خطر الإصابة بسرطان الرئة ولزوجة الدم وتضييق الأوعية الدموية، ليست فقط الأخطار الصحية الناتجة عن احتراق الفحم كافية لقتلنا بل وأحياناً كثيرة تصريحات الحكومة التي تصيبنا كمداً.

ففي معرض ترويج الحكومة لقرار استخدام الفحم، أشار منير فخري عبد النور وزير الصناعة إلى ما يسمى بتكنولوجيات الفحم النظيف كأحد الإجراءات التي يمكن اتخاذها لتفادي أضرار الفحم، لكنه أغفل أو تغافل ذكر الكثير من الحقائق المتعلقة.

إحدى هذه التكنولوجيات هي تكنولوجيا احتواء انبعاثات الكربون، وهي تكنولوجيا غير متوفرة الآن ولا يتوقع أن تتوافر في السوق العالمية قبل سنة 2030، كما أن هذه التكنولوجيا سترفع تكلفة طن الأسمنت بقيمة 950 جنيه مصري طبقاً للوكالة الدولية للطاقة.

أما عن التكنولوجيا الثانية، تكنولوجيا المرسّبات، فإنها تزيل 99% من الجسيمات التي تتراوح دقة أحجامها بين 0.1 ملم و10 ملم، في حين أن 80% من الانبعاثات الناتجة عن الفحم تصل دقتها لأقل من 0.01 ملم، ولهذا فمن البديهي أن تفشل مثل هذه التكنولوجيا في معالجة انبعاثات الفحم. وكانت التكنولوجيا الأخيرة التي تحدثت عنها الوزارة هي تكنولوجيا التنقية بالكبريت والتي تحتاج إلى كميات كبيرة من الماء وتؤدي إلى تلويث المياه المستخدمة في التنقية.

وبشكل عام، فإن هذه التكنولوجيات حتى إن كانت متاحة وقابلة للتطبيق كما تدعي الحكومة، فإنها ستستهلك بدورها حجمًا كبيراً من الطاقة الكهربائية وتعيدنا إلى المربع الأول في دعم صناعة الإسمنت بمنحها أسعاراً منخفضة للكهرباء.

في المقابل تتحدث بعض المنظمات الحقوقية مثل حركة مصريون ضد الفحم، والمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وجمعية التنمية الصحية والبيئية حول أن هامش ربح شركات الأسمنت فى مصر يبلغ نحو 40% مقارنة بـ 15% إلى 20% متوسط هامش الربح العالمي.

إن أزمة استخدام الفحم كمصدر للطاقة في مصر تثير الكثير من التساؤلات حول توابعها ومدى ارتباطها بكثير من الأزمات المتفجرة حولها، ففي الوقت الذي ترفض فيه الحكومة التفاوض مع قطاع الفريق الطبي والذي دخل اضرابه حتى الأن أسبوعه الرابع حول رفع ميزانية الصحة كحد أدنى 15% من الموازنة العامة للدولة، وإقرار قانون كادر مالي و إداري للفريق الطبي، يقرر وزير الداخلية في نفس الوقت زيادة الميزانية المخصصة لعلاج أمناء الشرطة إلى 30 مليون جنيه سنويا، وشراء 50 ألف سلاح جديد ومتنوع من الخارج لتسليح جميع أفراد الشرطة، وفي نفس الوقت أيضاً تتحفنا الهيئة الهندسية للقوات المسلحة بجهاز “سي سي دي” والمتخصص في علاج الإيدز وفيروس “سي” وأحيانا كثيرة في فك أعمال السحر والشعوذة!

الأزمة في الأساس ليست محصورة فقط في استخدام الفحم، ولكنها أزمة ذات حلقات متصلة تبدأ بقتلك كل يوم ألف مرة بدءا من ذهابك للعمل كأجير يقتات من بيع مجهوده العضلي مرورا بوقفك في كمين للشرطة، فيما تردد الشهادتين خوفاً من انفجار مُدبر أو طلقة طائشة من ضابط “سادي”، ومن ثُم ذهابك للمشفى من أجل الحصول على العلاج، فيطالعك وجه محمد ابراهيم وزير الداخلية مردداً: مفيش فلوس عشان نعالجك.. في فلوس عشان نقتلك.

لم تنتهي القصة عند ذلك فأحيانا كثيرة لو قدر لك الحياة بعد ذلك فإنك من هؤلاء القوم ممن يحاسبون على (المشاريب).. مشاريب السلطة الحاكمة ورجال الأعمال.