بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

منين أجيب دعم؟!

“ليس لدينا وقت نضيعه، من الأفضل لمصر أن تبدأ في بعض من هذه الإجراءات قبل انتخابات الرئاسة على الأقل، وذلك فقط لتمهيد الطريق أمام الرئيس المقبل لجعل الحياة أيسر”. هكذا، وبدون مواربة، أعلنها وزير التخطيط كاشفاً عن الهدف الحكومي من رفع أسعار الغاز وتخفيض الدعم تدريجياً تمهيداً لإلغائه.

أشرف العربي، وزير التخطيط والتعاون الدولي في حكومة إبراهيم محلب، لم يجد حرجاً في الإعلان عن أن ما تخطط له الدولة حالياً, والذي عجزت أنظمة سابقة عن القيام به تجنباً للغضب الشعبي, ستفعله الحكومة رفعاً للحرج عن “المنقذ المنتظر”.

العربي قال في مقابلة مع رويترز منتصف الشهر الجاري أن مصر تعتزم رفع أسعار الكهرباء لأغنى 20 في المئة من مواطنيها، قبل انتخابات الرئاسة في نهاية مايو، لأن البلاد “ليس لديها وقت تضيعه” في بدء الإصلاحات, مشيراً إلى أن قرار رفع أسعار البنزين سيُتخذ قريباً جداً.

الوزير رأى أنه لأول مرة منذ سنوات، تتخذ مصر نفس موقف صندوق النقد الدولي، الذي يحثها منذ فترة طويلة على إقرار إصلاحات هيكلية مثل خفض الدعم المكلف بشكل تدريجي لأن, يتابع العربي, “نظام دعم الطاقة هذا غير قابل للاستمرار ولا نستطيع تحمل استمرار ذلك”.

الحكومة اتخذت بالفعل قراراً برفع أسعار الغاز الطبيعى للاستخدام المنزلي بنسب تصل إلى 4 أضعاف سعره الحالي، وخرجت تصريحات من مسئولي الهيئة العام للبترول تقدر حجم الوفر الذي ستحققه الزيادة بـ 1.5 مليار جنيه فقط من إجمالي أكثر من 8 مليارات جنيه تذهب لدعم الغاز في موازنة العام المالى الجاري.

ويبلغ الدعم المقدم للطاقة في موازنة 2013 /2014 حوالي 130 مليار جنيه متوقع أن ترتفع بنهاية يونيو إلى 140 مليون جنيه وتقترب من القيمة التي ستخصصها الحكومة للدعم في العام المالي المقبل.
في حين تبلغ مستحقات الهيئة العام للبترول لدى وزارة المالية منذ عام 2010 وحتى الآن 149 مليار جنيه يتوقع مسئول في الهيئة أن ترتفع إلى 190 مليار قريباً إذا استمر توقف المالية عن سداد المديونية وخصمها من أرباح الهيئة التي توردها لخزانة الدولة.

شعبية زائفة
في يناير 1977 انتفض المصريون احتجاجاً على قرارات السادات برفع أسعار بعض السلع بعد حوالي 3 سنوات و3 أشهر من حرب أكتوبر 1973، ولم يشفع الانتصار العسكري للرئيس أمام شعبه الغاضب فتراجع عن قراره, والآن لا يقدر المشير الرئيس أو الرئيس المشير على اتخاذ قرارات تمس مصالح الغالبية العظمى من المواطنين فيلقيها في ملعب محلب وحكومته.

في وسط الأحداث المتسارعة يتغافل صناع القرار في مصر عن حقيقة هامة وهي أن مشكلة الدعم لا تكمن في قيمته ولكن في توزيعه على الشرائح المستحقة، وقد أظهرت بعض الدراسات الرسمية وغير الرسمية أن السولار يستحوذ على الجانب الأكبر من الدعم بنحو 45%، المازوت 24%، يليه البوتاجاز 14%، ثم البنزين 13%، في حين تستفيد الشريحة الأكثر ثراءاً بنسبة 33% من الدعم بينما الشريحة الأشد فقراً تستفيد بنسبة 3.8% فقط، ويؤثر رفع سعر الغاز الطبيعي والمازوت على شرائح الإنفاق الدنيا أكثر من غيرها.

الدعم الذي تتغنى به الدولة يذهب 33% منه إلى الصناعات كثيفة الاستهلاك في حين أن نصيب القطاع العائلي من إجمالي استهلاك المنتجات البترولية 6.5% فقط، ولايقارن بـ 22% تذهب للنقل والمواصلات و27.5% في الكهرباء، أي أن محدودي الدخل هم الأقل استفادة من الدعم الذي يذهب إلى الأغنياء والأكثر استهلاكاً للمواد البترولية والطاقة الكهربية.

التسريبات الحكومية عن رفع الدعم لا تنتهي، فقد صرحت “مصادر مطلعة” لصحيفة “المصري اليوم” صباح الثلاثاء 22 أبريل بأن الحكومة ستبدأ الشهر المقبل تطبيق قرار رئيس الوزراء بزيادة أسعار الغاز والكهرباء على فواتير الاستهلاك.

وأضاف المصدر أن الزيادة تشمل بنزين 80 مع تحسين كفاءته، ليصبح بنزين 85، ورفع سعره من 85 قرشاً إلى 185 قرشاً، ورفع سعر بنزين 92 من 185 إلى 285 قرشاً، كما أنه من بين المقترحات زيادة سعر السولار من 110 قروش إلى 200 قرش، في محاولة لتخفيف الضغط عليه، خاصة أنه يستحوذ على أكثر من 50% من مخصصات الدعم سنوياً، وبقيمة تتجاوز 60 مليار جنيه سنوياً. وأكد المصدر أن تطبيق الزيادات المقترحة من عدمه في يد مجلس الوزراء.

في مصر فقط عندما يرتفع سعر البنزين تُرفع تكلفة نقل الركاب والبضائع رغم أنها تستخدم السولار، ولكن الحكومة الرشيدة قررت رفع سعر السولار أيضاً، وفيما بلغ عجز الموازنة العام المالي الماضي14%، فإن الحكومة كانت تحاول استغلال المنح والمساعدات الخليجية ووديعة حرب الخليج لتخفيضه إلى 10% فقط، إلا أن معدل التفاؤل تراجع وسط توقعات لأن يبلغ بنهاية العام من 12.5 إلى 13%، والطبيعي أن يرتفع معدل التضخم بعد الزيادات المنتظرة في أسعار البنزين والسولار خاصةً أن المتوسط العام للتضخم خلال 2013 بلغ 11.6%، وذلك قبل الارتفاع المنتظر لأسعار السلع والمنتجات التي تعتمد على مشتقات الطاقة في التصنيع أو النقل.

وفي منتصف نوفمبر من العام الماضي خرج رئيس الوزراء السابق حازم الببلاوى يبشر المصريين بأن مصر ستبدأ في رفع الدعم عن الوقود تدريجياً، قبل أن ترحل الحكومة الانتقالية العام المقبل دون المساس بالفقراء، وربط الإصلاحات التي وصفها بـ”الطموحة” بـ”توقف الاضطرابات”.

وأوضح الببلاوي في مقابلة مع فرانس برس، أن الحكومة تريد تخفيض دعم الوقود بشكل تدريجي وبما “لا يمس الشريحة الدنيا من المواطنين”. اعتقد الببلاوي آنذاك أن حكومته المُعيّنة يجب أن تتوصل لبرنامج للسنوات الخمس أو السبع القادمة، وأن تحاول تنفيذ “المرحلة الأولى”، في إشارة لبرنامج خفض دعم الوقود الذي يلتهم نحو خمس ميزانية الدولة.

وهكذا تستمر الحكومات المعينة في رسم خريطة الحياة في مصر لسنوات قادمة دون انتظار أي حوار مجتمعي حول قراراتها أو مجلس تشريعي مُنتخب يكفل الحد الأدنى من عرض ما يدور في غرف السلطة المغلقة على الرأي العام.

الببلاوي قال في السابق أن الحكومة إذا فشلت في تطبيق الإصلاحات هذه المرة فلن يجرؤ أحد على القيام بها مجدداً، وهكذا قرر محلب وعدلي منصور تحمُّل المسئولية عن السيسي ورفع الحرج في تطبيق الإصلاحات التي تبقي على الفقير لينعم بفقره والغنى ليشقى بأمواله!

فما المانع إذن أن ترفع ميزانية الجيش والشرطة، وتقر زيادات في رواتبهم لأكثر من مرة، وتعفي ذوي الدخول المرتفعة من الضرائب على أرباحهم، وتستمر في دعم الغاز والكهرباء للمصانع التي تبيع منتجاتها بأسعار عالمية، وتحتفظ بآلاف المستشارين في الجهاز الإداري للدولة، وعندما تشعر بعجز في الموازنة ترفع الدعم عن الفقراء!

لا تحاول أن تخفض مرتبات الوزراء ورؤساء مجالس الإدارات والشركات القابضة، ولا تحصل المتأخرات الضريبية التي تتعدى 74 مليار جنيه، ولا تتوسع في تطبيق الحد الأقصى للأجورعلى الجميع, فقط ارفع الدعم!

ولذا أيضاَ فإن أشرف العربى وزير التخطيط قال في نهاية مقابلته مع رويترز: “لذلك فإنني أعتقد أن لدينا شيئاً طيباً نقدمه للشعب المصري”. ويبدو أنه نسى أن يقول “هتبقى قد الدنيا”!