بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

التأمين الصحي حق وليس منحة

مازال الجدل قائماً في أوساط النخب السياسية والخبراء والمهتمين بقضية التأمين الصحي في مصر. وتدفع المؤسسات الدولية المانحة والاحتكارات الرأسمالية العالمية في اتجاه خصخصة التأمين الصحي في إطار خصخصة الخدمات بشكل عام. والموضوع في حد ذاته، كما يراه كثيرون من الخبراء السياسيين والمنحازين إلى الطبقات الفقيرة، هو موضوع سياسي وليس تقنياً أو فنياً. ومدخل الحكومة لخصخصة التأمين الصحي هو تحويل هيئة التأمين الصحي إلى “شركة لتوظيف الأموال”، وكذلك تحويل المواطن إلى سلعة، أي الدفع مقابل الخدمة. ومبرر الحكومة في ذلك هو أن التأمين الصحي يواجه عجزاً حيث أن الإيرادات لا تغطي النفقات. فأين الحقيقة في تلك المسألة؟ وما هي المسئولية الاجتماعية للدولة تجاه مواطنيها؟ وهل هناك إمكانية لعلاج المصريين جميعاً بكافة أعمارهم وطبقاتهم الاجتماعية دون تحمل عبء تكلفة العلاج باعتبار أن ذلك يشكل حقاً من حقوقهم الأساسية؟

أكذوبة نقص الموارد

ولكي يكون لدينا محاولة للفهم لابد وأن نتعرض لبعض المؤشرات عن التأمين الصحي والموارد والفئات المستفادة باعتبارها مداخل مهمة وأساسية لا يجوز المرور عليها دون فهمها. ففي عام 1964 صدر القرار الجمهوري رقم 1209 بإنشاء الهيئة العامة للتأمين الصحي لعلاج الموظفين والعمال، ثم منذ عام 1975 أضيفت المعاشات والأرامل، ومنذ عام 1992 انضم الطلاب وفي عام 1997 انضم الأطفال ما قبل التعليم (5.5 مليون طفل). وتشمل الإحصائية الإجمالية للمنتفعين بالتأمين الصحي نحو 30 مليون مصري وتبلغ إيرادات الهيئة طبقاً لآخر إحصائية 143 مليون جنيه شهرياً ومصروفاتها 160 مليون جنيه، أي أن هناك عجزاً قدره 17 مليون جنيه. والسؤال هنا هو هل يشكل ذلك عبئاً على الدولة التي تحولت من وجهة نظرنا إلى مؤسسة فساد كبرى تُنهب ثرواتها وتتراكم في أيدي حفنة قليلة من الرأسماليين ولصوص المال العام. فحجم تجارة المخدرات والسلاح تبلغ ثمانية مليارات دولار بينما يبلغ حجم التهرب الضريبي 12 مليار جنيه. وهناك عشرة ملايين جنيه إعفاءات ضريبية بموجب قوانين الانفتاح وتحرير الاقتصاد المصري و16 مليار جنيه حصيلة بيع 172 شركة من شركات القطاع العام. ولسنا هنا بصدد حصر ثروات الذين تربعوا على أجهزة حساسة ورقابية في الدولة كما تناولتها بعض الصحف.

حق وليس منحة

وإذا تحدثنا عن حق الرعاية الصحة باعتباره حقاً أساسياً من حقوق الحياة وليس منحة أو صدقة أو إحسان من أحد، فإن دستور منظمة الصحة العالمية يقر عدداً من الحقوق في هذا المجال. أهم هذه الحقوق هي حق البشر في مستوى معيشي ملائم ومحقق للسلامة الجسدية والنفسية الروحية وذلك يتطلب: أ) الحصول على الطعام الكافي والمتوازن والحصول على الماء السليم صحياً والمسكن الصحي والملابس اللائقة بشرياً والملائمة مناخياً. ب) الحصول على الرعاية الصحية والتعليم والصحة الإنجابية والخدمات الاجتماعية. ج) الحصول على الأمان من البطالة والمرض والعجز وتقدم العمر والأمان من عدم القدرة على المعيشة في ظروف قاسية خارج نطاق تحكم الإنسان.

مصادر التمويل الممكنة

وإذا كان هذا هو دستور منظمة الصحة العالمية فهل هناك إمكانية لتحقيق الرعاية الصحية لكل المصريين دون استثناء ودون تحمليهم عبء التكلفة؟ (ينص مشروع الحكومة لخصخصة التأمين الصحي على تحميل المصريين ثلث تكاليف العلاج والدواء) وما هي الموارد لتحقيق ذلك؟

هناك ثلاثة عناصر أساسية لحصيلة هذه الموارد هي المبالغ المعتمدة من موازنة الدولة، والمخصصة للرعاية الصحية واشتراكات المنتفعين، وفرض رسوم على بعض السلع المستوردة التي تشكل نوعاً من الرفاهية للأغنياء.

وفيما يتعلق بالمبلغ المعتمد للرعاية الصحية في موازنة الدولة من الناتج القومي الإجمالي فيبلغ حالياً 4% وهي نسبة متدنية بالمقارنة بالدول الأخرى. ويجمع الخبراء والباحثون أن النسبة المعقولة هي 8% من الناتج القومي الإجمالي، مع العلم أن تلك النسبة تصل إلى 14% في الولايات المتحدة و11% في كندا. أما عن العنصر الثاني وهو الاشتراكات فتبلغ حصة المنتفع الآن 1% وتبلغ حصة صاحب العمل 3%. ويمكن زيادة هذه النسبة إلى 1.5% للمنتفع و4.5% لصاحب العمل.

وعن العنصر الثالث الخاص بالموارد وسوف يغطي أكبر نسبة من الإيرادات لتقديم خدمة متكاملة تشخيصية وعلاجية وتأهيلية ووقائية، يمكن أن نشير على سبيل المثال لا الحصر إلى مايلي:
1) نسبة من الدعم المقدم إلى الكيان الصهيوني، حيث أن مصر تبيع لإسرائيل المتر المكعب من الغاز الطبيعي بدولار واحد بينما سعره الرسمي عالمياً ستة دولارات.
2) 25% من قيمة ما تم بيعه من شركات القطاع العام والمؤسسات والبنوك، ويمكن أن يمثل ذلك رداً لجزء مما تم سلبه من أموال الشعب.
3) رد المبالغ التي تم تحصيلها من التأمينات الاجتماعية والبالغ قدرها 25% من الاشتراكات المجمعة كمصاريف إدارية دون وجه حق.
4) فرض رسوم على السيارات الفارهة بنسبة لا تقل عن 5% من قيمتها عند الشراء الأول.
5) فرض رسم على أكل الكلاب والقطط المستورد يقدر بنسبة 25% من قيمته.
6) فرض رسم 10% من قيمة رسوم استخراج تراخيص السيارات الملاكي.
7) فرض 25% من قيمة رسوم التراخيص للمستشفيات والمراكزالطبية الخاصة.
8) فرض رسم 1% من مبيعات شركات الأدوية الخاصة مع عدم تحميلها للمستهلك وفرض رقابة لضمان ذلك.
9) دولار واحد عن كل ليلة سياحية.
10) حصيلة 3% من مجمل أندية القمار والسبق المرخص لها.
11) حصيلة 1% من قيمة كل كيلو جرام مباع من الكيماويات الزراعية والمبيدات الحشرية.
12) نسبة 90% من حصيلة الغرامات والأموال المصادرة التي تقرها أحكام القضاء في الجرائم المتعلقة بالصحة.

وأخيراً، أليس كل ذلك كافياً لعلاج المصريين الفقراء بدلاً من جريمة خصخصة التأمين الصحي وتحويل منتجي ثروات هذا الوطن إلى سلعة؟